مكنونات الثقافة المصرية:
لا شك أن حادثة الصحفى العراقى «منتظر الزيدي» والرئيس الأمريكى الأسبق «جورج بوش» الابن هى الأهم والأشهر فى العالم، حيث فوجئ الحضور بمنتظر الزيدى يقذف زوج حذائه على بوش خلال المؤتمر الصحفى الذى جمعه و«نورى المالكي» رئيس الوزراء العراقى الأسبق، فى بغداد فى 14 ديسمبر 2008، وبالتزامن مع إلقاء فردة حذائه الأولى قال الزيدى لبوش: «هذه قبلة الوداع من الشعب العراقى أيها الكلب الغبي»، وقال وهو يرمى الفردة الأخرى: «وهذه من الأرامل والأيتام والأشخاص الذين قتلتهم فى العراق»، فأصاب أحدهما علم الولايات المتحدة خلف الرئيس الأمريكى بعد أن تفادى بوش الحذاء بسرعة فائقة.
واقعة اعتداء أخرى ولكن هذه المرة فى مصر وبالتحديد فى مجلس النواب فبراير 2016، حيث اعتدى النائب الناصرى «كمال أحمد» على زميله «توفيق عكاشة» بالحذاء، أثناء انعقاد الجلسة العامة للمجلس، احتجاجًا على لقاء عكاشة السفير الإسرائيلى، وهجومه على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ولكن؛هناك فرق كبير بين حذاء كمال أحمد الذى ضُرب به توفيق عكاشة، وحذاء الإعلامى العراقى منتظر الزيدى الذى قذف به فى وجه بوش. ولعل الفارق بين الاثنين يجسد الفارق بين حالنا وحال الدول المتقدمة. ويعكس حالة الانفلات السياسى التى كانت تعيشها مصر فى ذلك الوقت.
لقد أصاب حذاء الزيدى العلم الأمريكى والديمقراطية الأمريكية، أما حذاء كمال أحمد فقد أصاب رأس عكاشة ووقار مجلس النواب، وأصاب الشعب المصرى بخيبة أمل تجاه أداء المجلس آنذاك واحترام النواب لأنفسهم ولناخبيهم. ورغم أن الزيدى إعلامى، وعكاشة إعلامي–- بمعايير هذا الزمن- إلا أن الزيدى صاحب رسالة وعكاشة كان صاحب قناة. وما بين الرسالة والوسيلة فارق كبير.
ومع كل هذه الفوارق هناك أوجه تشابه بين الواقعتين، خاصة بين عكاشة وبوش (المضروبين) فبينهما قاسم مشترك وهو إسرائيل، عكاشة قابل السفير الإسرائيلى فى مصر بما يظهر تعاطفه مع إسرائيل وتأييده للتطبيع، وبوش وولاياته الداعم الرئيس لإسرائيل.
وفى تعليق لبوش على الموقف قبل أيام من انتهاء ولايته الدستورية كرئيس للولايات المتحدة قال: «هذا أغرب شيء أتعرض له». وفى تعليق عكاشة بعد الواقعة مباشرة قال إن كمال أحمد مثل والده وهو غير حزين لتعرضه للضرب من رجل مثل والده، بل لو قام بضربه مرة أخرى فلن يغضب. وقال أيضا: «الضرب أوامر ربانية ورفعة لشأني». وأشار إلى أنه لا حل لمشكلة سد النهضة من دون تدخل إسرائيل.
منتظر الزيدى مراسل صحفى عراقى ركزت تقاريره على محنة الأرامل والأيتام والأطفال بسبب الحرب على العراق، وعكاشة إعلامي- مثل كثير من الإعلاميين- فرضته حالة انفلات الخطاب السياسى والإعلامى التى حدثت بعد ثورة 25 يناير. وركز سامره الليلى على تسلية الغلابة من أبناء الشعب المصرى، وهو يصف نفسه بأنه «حمار».
وكحال الحكومات العربية؛ أدانت الحكومة العراقية بشدة ما فعله الزيدى واعتبرته خروجا على القانون ووصفته بالعمل الهمجى والمشين. أما الحكومة المصرية فلا يعنيها أمر حذاء كمال ولا رأس عكاشة، فهى لا تنفك عن الدفاع عن نفسها ضد أحذية الغلابة الذين يبحثون عن زيت وسكر التموين.
إن أهم فارق بين الحذاء والحذاء، أن حذاء كمال أحمد مقاس 44 وحذاء الزيدى كان مقاس كل مآسى العرب. النواب أحال كمال أحمد إلى لجنة تحقيق.. والتاريخ أحال الزيدى إلى قائمة العظماء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض