مكنونات الثقافة المصرية
ستاير النسيان نزلت بقالها زمان.. كم يريحنا هذا المقطع من أغنية الست، لأننا شعب نسًاي. والنسيان ظاهرة طبيعية تحدث لجميع البشر. يقول غاندي: «يميل الناس إلى نسيان واجباتهم وتذكر حقوقهم». فكلنا ننسى ما يجب علينا القيام به ونطالب بما لنا من حقوق، والحقوق لن تكون إلا إذا عرف كل منا ما عليه من واجبات، فالحقوق محصلة القيام بواجباتنا.
والنسيان ينجم عن الرغبات المكبوتة، فالفرد ينسى الشىء المؤلم وغير السار لاشعوريًا. والشعب المصرى مر بأحداث مؤلمة كثيرة، لذا فهو أميل إلى نسيانها، كما أنه لم يمارس الحرية كما يجب، لذا يلجأ إلى النسيان، وهو فى ذلك يتمثل قول جبران خليل جبران «إن النسيان شكل من أشكال الحرية». والشعب المصرى مدمن نسيان منذ زمن بعيد، وهو ما عبر عنه نجيب محفوظ حين قال فى رواية أولاد حارتنا: «ولكن آفة حارتنا النسيان».
وأسوأ أنواع النسيان هو نسيان العلم، يقول عثمان بن عفان: «لكل شيء آفة، وآفة العلم نسيانه». وأقبح أشكال النسيان نسيان الفضل لكل ذى فضل مهما كان صغيرا. ونسيان العبد لآيات الله ونعمه فى الدنيا هو الهلاك والخسران فى الآخرة، يقول تعالى «قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى» (طه- الآية 126) ونسيان الإنسان لقاء ربه هو أشد وأنكي، وويلٌ لمن ينساه ربه يوم القيامة، «..فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا..» (الأعراف- الآية 51)
والنسيان ليس مشكلة نفسية أو عقلية فقط وإنما هو مشكلة سياسية أيضا، فالغرب يدفعنا إلى نسيان تاريخنا وما حققناه من إنجازات، ويريد هدم تاريخنا وسرقة حضارتنا وإتلاف ذاكرتنا، يقول الشاعر الإغريقي: «هزمناهم ليس حين غزوناهم، ولكن حين أنسيناهم تاريخهم وحضارتهم»، لذا علينا أن ننتبه إلى أن معركتنا مع الغرب والصهاينة هى معركة وعي، وأن أول خطوة لاستئصال شعب هى محو ذاكرته عبر تدمير ثقافته وتاريخه.
والنسيان فى معظمه نعمة، ولكنه أحيانا ينقلب إلى نقمة عندما ننسى تاريخنا، لقد نسينا آثارنا ونهبناها بأيدينا أو بأيدى غيرنا، واعتبرها البعض أصناما يجب تحطيمها، ونسينا أمورا لا يجب نسيانها مثل دماء الشهداء، تيران وصنافير، ملفات فساد رموز نظام مبارك، حوادث القطارات المتكررة وبنفس السيناريو. نسينا القضية الفلسطينية وضيعناها، نسينا ما فعلته أمريكا بصدام حتى جاء الدور على غيره. ونسينا أيضا التقاليد المصرية الأصيلة مثل الشهامة والنخوة والكرامة، وما بقى من أخلاق مثل الصدق والإتقان والتسامح. نسينا صلاح الدين وعمر المختار وأحمد عرابى وسعد الدين الشاذلى والجمسى وأحمد رشدي، فضاع المثل والقدوة، نسينا أم كلثوم وحليم وعبد الوهاب فسلط الله علينا حمو بيكا وكسبرة وحنجرة وأوكا وأورتيجا.
والشعب المصرى شعبٌ حالم، يحلم كثيرا ولكنه يعجز عن تحقيق تلك الأحلام عندما يصطدم بالواقع ويعيشه مع حكومات فاشلة، لذا يصبح النسيان هو الحلم الوحيد للشعب والذى يتمنى وجوده عند اليقظة. ومن المفيد أحيانا نسيان ما نعرف، فقد نعرف أشياء تؤلمنا مثل غدر الحبيب أو خيانة الصديق أو نفاد المرتب قبل يوم عشرة فى الشهر.
وأخيرا، قد يكون لبعض النسيان حلاوة، يقول فاروق جويدة: وقد نهفو إلى زمنٍ بلا عنوان.. وقد ننسى وقد ننسى فلا يبقى لنا شيء لنذكره مع النسيان.. ويكفى أننا يوما تلاقينا بلا استئذان.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض