رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مكنونات الثقافة المصرية

 

 

تحذير: شهادة ليس لها قيمة؛ طريق إلى بطالة مقنعة.. تؤدى إلى فقر وجوع.. يؤسس لعنف وإرهاب.

زمان قال عادل إمام فى إحدى مسرحياته عبارته الشهيرة: بلد شهادات بصحيح. فى زمن كانت الريادة فيه للشهادة، وكانت جميع الأبواب تُفتح لحاملها. أما الآن فالريادة للفلوس، والأبواب تُفتح للتيوس، وتُشترى الشهادات بالدولارات. وبات الحاصل على الشهادة مجرد إنسان متعوس، وأصبحت مصر بلد من يملك الدولارات وليست بلد الشهادات، بلد الكرة والأقدام لا بلد العلم والإقدام، بلد الفنانين والراقصات وليست بلد المثقفين والمثقفات، بلد الفهلوة والشطارة لا بلد العلم والحضارة. ولذلك لا عجب أن تأتى مصر فى المرتبة قبل الأخيرة بين دول العالم فى جودة التعليم، وفى المرتبة الثالثة عشرة بين الدول العربية.

كانت الشخصية المصرية تتسم بحب المعرفة والبحث، واحترم أجدادنا الفراعنة العلم والعلماء، فاهتموا بكافة العلوم، كالفلك والطب والرياضيات والجيولوجيا والكيمياء وغيرها. وكان لديهم الدافع والرغبة فى اكتشاف الكون. وكانت الدقة من أهم صفات المصرى القديم التى مكنته بجانب العلم من تشييد آثاره على أسس علمية.

أما الآن أصبح المتعلم فى بلدنا يلعن اليوم الذى دخل فيه المدرسة، ويدعو على أهله ليل نهار لأنهم علموه، ولم يؤهلوه لأن يكون «لعَيب» كورة مشهور، أو مطرب مهرجانات مغمورًا، أو صنايعى كسيب أو رجل أعمال هليب.

راحت على الشهادات؛ بعد أن أصبحت تُباع برخص التراب. والحاصلون عليها بطلوع الروح إما عاطلون، أو فى أعمال لا تمت بصلة إلى طبيعة مؤهلاتهم يعملون، وأصبحت الشهادة مصيبة ونقمة على صاحبها، لأنها تدفع به إلى طابور طويل من البطالة، يقف فيه أكثر من ثلاثة ملايين فى انتظار فرصة عمل لا تأتى.

لقد فقدت الشهادة فى بلدنا أهميتها، وفُقدت معها أشياء كثيرة، مثل الولاء وتحمل المسئولية والرغبة فى العمل والمشاركة، وقبل ذلك كله فقد العلم قيمته، وإذا ضاع العلم وضاعت قدسيته ضاع كل شيء، وضاعت الأمة. ولا أمل فى أى إصلاح إلا إذا عادت بلادنا «بلد شهادات بصحيح».

يقول عمار على حسن وأتفق معه فى مقولته: «كنت أظن أن الاستبداد هو العدو الأول لحياة الناس، لما فيه من شر مستطير، لكن أيقنت أن الجهل أكثر عداءً، إذ لا يمكن لمستبد أن يحيا ويلقى تعظيمًا وتمجيدًا إلا عند الجهلاء». وكأنه كان يرى ما وصل إليه حال الأمة الآن من تكريم الجهلاء وتحقير العلماء. وحال العلماء الذين أصبحوا غرباء فى بلدهم لكثرة الجُهال بينهم.

إن تقدم العلم ليس بالتوسع فى إنشاء الجامعات سواء حكومية أو أهلية أو خاصة، ولا بتهميش المعلم والعالِم، ولكن بتحسين جودة التعليم وتطوير الجامعات الحالية، وحسن اختيار القائمين عليها، وإعادة الاعتبار لأستاذ الجامعة، وتوفير الأمن المادى والمعنوى له، وجعله فى مقدمة الصفوف وليس فى «الديل».

ألا أيها القائمون على أمر مصرنا، ارفعوا أيديكم عن العلماء، ووفروا لهم المناخ للإبداع والابتكار، ولا تشغلوهم بأمور معيشتهم. وأذكَركم بقول الإمام أحمد: «لحوم العلماء مسمومة؛ مَن شمها مرض، ومَن أكلها مات». ولنا أن نستلهم مقولة عالم الفيزياء الأمريكى برايم جرين: «عندما يبدأ أطفالنا بالنظر إلى العلماء كقدوة ومثل أعلى، كما ينظرون إلى الممثلين والمطربين، حينها فقط ستبدأ حضارتنا بالتطور نحو مرحلة جديدة».