رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورات الملونة.. إلى أين؟!

م.حسين منصور

الأحد, 08 ديسمبر 2013 23:44
بقلم: م. حسين منصور


استطاعت أوكرانيا باصولها السلافية أن تكون أكبر دولة فى أوروبا فى القرن الحادى عشر وكونت ما عرف بدولة الروس الكيفية.. وقد تعرضت دومًا بحكم موقعها الواصل ما بين

الامبراطورية الروسية والقارة الأوروبية لأن تكون موطن صراع بين الطرفين وكانت لروسيا دائمًا اليد الطولى فى الهيمنة على أوكرانيا وظلت الأطراف الغربية للبلاد فى متناول الجانب الأوروبى مما انعكس على طبيعة الصراع السياسى تاريخيًا وقد ظهرت معالمه مع الثورة البرتقالية حينما هددت الاقاليم الشرقية والوسطى بالانفصال تأييدًا لمرشحها يانكوفيتش ولكن المرشح الفائز فى الجولة الثالثة يوشنكو استطاع أن يمر من الأزمة بتأكيده استقلال البلاد فضلاً عن رغبات الشعب الأوكرانى فى مواجهة الفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والتطلع إلى مواجهة التسلط والبيروقراطية، كل هذه الحزمة من الآمال المصاحبة للثورة البرتقالية نحت دعوات الانفصال لحساب صناعة المستقبل وإحراز الديموقراطية.
< وسيناريو الثورات الملونة فى دول آسيا الوسطى فى الجمهوريات السوفيتية السابقة يبدو دائمًا ملتبسًا وأيضًا كاشفًا لفصل جديد من فصول الحرب الباردة ولكنه يدور فى تلك المرة على أرض روسيا السوفيتية نفسها لاسيما أن الاتحاد الأوروبى بدعمه الواضح للحركات الشبابية والمنظمات الحقوقية المختلفة ألقى بتساؤلات عديدة حول طبيعة صناعة تلك الحركات والمنظمات.. كما أن الحديث وقتها عن دور مالى للملياردير الأمريكى جورج سورس فى دعمه نشاط المعارضة فى جورجيا ثم فى قيرغيزستان لم ينفه بل عبر عن رغبته فى تكرار السيناريو فى بلدان آسيا الوسطى.
< الثورة المخملية فى جورجيا والبرتقالية فى أوكرانيا أما البنفسجية فكانت فى قيرغيزستان.. انطلقت تلك الثورات على اثر تحركات شعبية وشبابية مناهضة لتزوير الانتخابات وبرز فى أحداثها وجوه

قديمة شاركت فى حكومات سابقة فكان ميخائيل ساكاشفيلى وزيرًا أسبق للعدل فى جورجيا وكان بوشنكو وباكييف رئيسى وزارة سابقين فى أوكرانيا وقيرغيزستان.. فكانت تلك الثورات تحمل وجهًا لصراع نخبوى على السلطة من جانب وتحمل رفضا للفساد والاستبداد والتسلط من جانب آخر وتحمل آمالاً للاصلاح وإرساء القواعد الديمقراطية والخروج من المأزق الاقتصادى والانخراط بشكل أكبر مع الغرب وبرزت حركات شبابية فى تلك الثورات كحركة كمارا أو كفى باللغة الجورجية وحركة بورا أو حان الوقت باللغة الأوكرانية.
< فى جورجيا بعد الثورة أعاد ساكاشفيلى نظامًا مركزيًا ووضع البرلمان تحت سيطرة مطلقة للحزب الحاكم وتراجع هامش الحريات أما فى أوكرانيا لم تحقق الثورة شيئًا من أهدافها بل تزايدت حالات الفقر والعجز فى الميزانية ودب الخلاف بين يوشنكو وحليفته يولياتيموشينكو التى تورطت فى قضايا فساد واستغلال سلطة إبان رئاستها للوزراء وأصبحت بين ليلة وضحاها من أثرياء أوكرانيا وتقدر ثروتها بأكثر من عشرة مليارات دولار مما أثار جوًا من الشبهات والأسئلة الحائرة وفى تلك المناخات استطاع يانكوفيتش أن يفوز بالرئاسة فى انتخابات 2010وأن يطيح بمنافسه تيموشينكو التى قدمت للمحاكمة على خلفية تهم الفساد والاستغلال وصدر حكم بحبسها سبع سنوات الأمر الذى أثار حفيظة وتذمر الاتحاد الأوروبى...!!
< وقد حاول يانكوفيتش منذ وصوله للسلطة أن يحافظ على سياسة متوازنة ما بين العملاقين روسيا والاتحاد الأوروبى فى اطار الاحتياج الأوكرانى للغاز
الروسى والرغبة فى الانضمام للاتحاد الأوروبى وقد عمد يانكوفيتش إلى التملص من مشاريع موسكو بخصوص الدخول فى الاتحاد الجمركى الذى يضم الدول السلافية.. وكذا فقد رفض ضغوط الاتحاد الأوروبى من أجل اطلاق سراح تيموشنكو من محبسها لمتابعة علاجها بألمانيا رغم معلومية الاتحاد الأوروبى أن تيموشنكو ليست فوق مستوى الشبهات.. وصوت المجلس النيابى الأوكرانى سلبًا على قانون يسمح بسفر تيموشينكو للعلاج أى رفض الشرط الأوروبى الأساسى لدخول اتفاق الشراكة الأوروبية التى لم تخف روسيا امتعاضها من تلك القمة المنعقدة بخصوصها فى العاصمة اللتوانية فى أواخر نوفمبر الماضى.
< وقد انطلقت التظاهرات الاحتجاجية فى ساحة الاستقلال وسط كييف فى أعقاب قرار يانكوفيتش تأجيل توقيع الشراكة الأوروبية ولا يزال أنصار المعارضة يسيطرون على ساحة الاستقلال متوعدين بمظاهرات أكبر فى عطلة نهاية الأسبوع.. ولعل هذا قد دفع يانكوفيتش إلى وقف ابرام اتفاق الاتحاد الجمركى مع بوتين خشبة تأجيج الاضطرابات.. وهكذا بعد عقد من قيام الثورة البرتقالية.. اختفت حركة بورا فى الحزب المؤيد ليوشنكو ثم أقامت منبرًا اختفى فى الزحام.. فضلاً عن استغلال النفوذ والفساد الذى طال العديد من الوجوه البارزة للثورة البرتقالية.. وتبقى تدخلات الاتحاد الأوروبى مثيرة للدهشة والتساؤل فقد عرجت رئيسة البرلمان الليتوانى إلى ميدان الاستقلال بكييف وألقت كلمة أمام المتظاهرين أيدت فيها مطالبهم وزار عدد من السفراء الأوروبيين الميدان ومنهم رئيس ممثلية الاتحاد الأوروبى والسفير الهولندى والفنلندى..!! وهكذا وصلت الثورة البرتقالية إلى ما جاء بها من تدخلات ودعم خارجى.. وها هى أوكرانيا تقع بين مطرقة الدب الروسى وسلاح الغاز وفرض الرسوم الجمركية على الواردات الأوكرانية ومن ناحية أخرى تدخلات الاتحاد الأوروبى السافرة فى أحكام القضاء والشأن الداخلى الأوكرانى والمدهش أن يحدث هذا ودخول أوكرانيا للاتحاد الأوروبى ليس وشيكًا لاسيما فى وقت يعانى هو نفسه من أزمات اقتصادية خانقة.. ولعل هذا الوضع الأوكرانى المأساوى هو ما دفع الرؤساء الثلاثة السابقين إلى كتابة رسالة مفتوحة للتعبير عن عمق الأزمة السياسية وانعكاسها على وحدة أوكرانيا وسيادتها طبقًا لارتهانها لتجاذبات الاتحاد الأوروبى وروسيا.