رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أول كتاب يستعرض سيرة حرم مصطفى النحاس

زينب الوكيل سيدة مصر 2-2

منوعات

الجمعة, 24 أكتوبر 2014 07:27
زينب الوكيل سيدة مصر 2-2النحاس وزينب معاً بملابس المنزل
عرض وتقديم: مصطفي عبيد

يأتى كتاب زينب الوكيل سيدة مصر ليعيد الاعتبار لشخصية تعرضت لظلم فادح بدأ قبل 23 يوليو وتنامى بشكل مذهل فيما بعدها.

يستعرض مصطفى عبيد مؤلف الكتاب فى فصول عديدة قصة انشقاق مكرم عبيد عن الوفد وما تلا ذلك من هجوم شرس تعرضت له حرم الزعيم الراحل وهو ما وصل إلى محاكمتها بعد يوليو ومصادرة أموالها وممتلكاتها.
إن كثيراً من المصادر التاريخية المعاصرة تشير إلى أن زينب الوكيل كانت إحدى الشخصيات الرئيسية التى لعبت دوراً واضحاً فى حادث انشقاق مكرم عبيد عن الوفد. وحتى أولئك المؤرخين الذين أنصفوا الوفد وسعوا إلى رد الاعتبار إلى شخصية النحاس باشا، انجرفوا فى تيار اتهام زينب الوكيل بالتفرقة بين النحاس ومكرم، ذلك التوأم السياسى المثير العتيد الذى تكوّن فى ظل نضال عظيم ضد الاحتلال والطغيان الملكى.

انشقاق مكرم عبيد
ويكشف المؤلف أن أبرز تحليل يؤكد براءة زينب من التدبير والتخطيط للدس بين مكرم والنحاس أن زواجها من النحاس تم عام 1934 وأن انشقاق مكرم جرى بعد ذلك بثماني سنوات. لو كانت تقصد إبعاد مكرم لتم ذلك فى السنوات الأولى للزواج التى كانت تمثل ذروة الحب بينها وبين النحاس. لقد مرت علاقة الرجلين خلال حكومة الوفد التالية للزواج فى عام 1936 بسلام ولم يعكر صفو العلاقة أى طارئ، حتى أن النحاس اتخذ جانب مكرم فى الخلاف الذى أدى إلى خروج النقراشى وماهر عام 1937 من الوفد.
إن زينب بذكائها وقوة شخصيتها لم تفرض على النحاس أن يبتعد عن مكرم وظلت حريصة على مد جسر من المودة مع عايدة زوجة مكرم وصلت إلى حد السفر معها كثيراً والتشاور فيما يخص النواحى الاجتماعية حتى أنهما كانتا تنسقان معا زيارة المستشفيات ودعم النشاط الخيرى.

ألاعيب حسانين باشا
إن محمد التابعى يشير إلى لاعب آخر كان له الدور الأكبر فى إشعال الخلاف والنزاع بين النحاس ومكرم وهو أحمد حسنين باشا الثعلب السياسى ورئيس الديوان الملكى. لقد اعتبر «حسنين» الذى دائماً ما يوصف بأنه داهية حادث 4 فبراير 1942 الذى حاصرت فيه الدبابات البريطانية قصر عابدين وأجبرت الملك فاروق على اختيار النحاس رئيساً للحكومة بمثابة هزيمة سياسية ساحقة له. وهكذا أقسم الرجل أن ينتقم من مصطفى النحاس بأى ثمن.
وكانت زينب بالطبع بعيدة كل البعد عن تلك المؤامرة المرسومة بعناية شديدة يرصدها «التابعى» بتفصيل واسع فى كتابه عن أحمد حسنين باشا. وتمضى القصة الشهيرة بعيدة تماماً عن زينب الوكيل بتسلسلها المعروف من نشر لزيارة مكرم إلى الملك فاروق فى الصحف وثنائه عليه، ثم تعيين أحمد حمزة فى وزارة التموين بدلاً من استحواذ مكرم على وزارتى التموين والمالية، وما تلا ذلك من انتشار لشائعات وحكايات بين موظفى وزارة التموين وجلساء مكرم حول فساد عائلة الوكيل ورغبتهم فى السيطرة على الثروة فى مصر وطلبهم عدة استثناءات، وهو ما سيعتبره النحاس طعناً مباشراً فى نزاهته. وطالت الأزمة وطلب النحاس عن طريق عثمان محرم أقدم الوزراء سناً من مكرم الاستقالة من وزارة المالية، ورفض مكرم، ثم طلب النحاس إقالته لكن الملك فاروق رفض فاضطر النحاس إلى تقديم استقالة الوزارة كلها وإعادة تشكيلها مرة أخرى دون مكرم الذى كان يستعد لكتابه الأسود.

الكتاب الأسود
ورفع مكرم عريضة إلى الملك فاروق سميت فيما بعد بالكتاب الأسود امتلأت بحكايات التشهير بزينب الوكيل وأسرتها وكان أبرز ما جاء فيها أن «السيدة زينب الوكيل قامت بشراء 80 فداناً و7 قراريط و14 سهماً من فؤاد سراج الدين باشا بعقد بتاريخ 18 مارس 1942 وسجل فى 23 يوليو 1942. وتلك الأرض بمركز شربين مقابل 4283 جنيهاً بسعر 53 جنيهاً للفدان وتم دفع 1427 جنيهاً وتبقت 2855 جنيهاً تعهدت المشترية بسدادها إلى خزينة مصلحة الأملاك الأميرية رأساً على جملة أقساط سنوية ينتهى آخر قسط سنة 1955. كما قامت بشراء 74 فداناً و18 قيراطاً و22 سهماً من الخواجة إميل نسيم بتاريخ 8 أكتوبر 1942 وسجل بتاريخ 24 أكتوبر بقيمة 8974 جنيهاً. وتلك الأرض بزمام ناحية البركة مركز شبين القناطر ونص العقد على أن الثمن 120 جنيهاً للفدان الواحد».

واقعة الفراء
وخصص مكرم عبيد صفحات مطولة من عريضته لذكر الواقعة الأشهر التى عرفت الوكيل بواقعة الفراء. حيث يقول:
«ولقد وصل إلى علمى من أوثق المصادر وإنى أتحدى الحكومة أن تكذبنى إذا اجترأت أن برقية أرسلت أخيرا بالشفرة من وزارة الخارجية المصرية إلى سعادة سفيرنا فى لندن لشراء 6 قطع من الفراء (فرو الثعلب الأبيض) قيمة كل منها 500 جنيه ومجموع ثمنها ثلاثة آلاف جنيه لصاحبة العصمة حرم رفعة رئيس الوزراء.
ويمضى صديق الأمس فى غله ليصل إلى انتقاد فؤاد سراج الدين وزير الزراعة وقتها زاعماً إصداره أوامره بجمع الزهور من المتحف الزراعى ووضعها على قبر عبدالواحد الوكيل والد زينب بعد وفاته وتخصيصه إحدى السيارات المملوكة للوزارة لنقل الزهور.
ويستعين مصطفى عبيد بالكتاب الأبيض الذى أصدرته حكومة الوفد عام 1943 فى 610 صفحات للرد على الأسئلة والاستجوابات التى دارت فى مجلسى البرلمان حول عريضة النائب مكرم عبيد. وقد جاء الرد كشهادة لفؤاد سراج الدين وزير الزراعة ليدحض اتهام استغلال النفوذ تماما. ويمكن تلخيص شهادة «سراج الدين» فيما يلى:
- اشترت زينب صفقتى أطيان إحداهما منى والأخرى من عدس وكان ذلك قبل الوزارة بعد ارتفاع ثمن الحلى والمجوهرات نظراً لظروف الحرب.
- باعت حرم النحاس الكثير من مجوهراتها لشراء الأطيان بعلم مكرم وحرمه وقد عرض النائب المحترم أحمد أبوالفتوح أراضى بسعر 20 جنيهاً للفدان وكانت فى كفر سعد بعيداً عن العمران، وعدل النحاس عن الشراء فباعها أبوالفتوح لعبدالعزيز البدراوى بذلك السعر.
- فى مزاد علنى بتاريخ 29 يناير 1942 اشترى فؤاد سراج الدين القطع رقم 2و3 المعروضة للبيع لحساب السيدة حرم رفعة النحاس باشا، ولم يكن يدور بخلد أحد أن النحاس باشا سيتولى الحكم فى

6 فبراير 1942.
- لقد دفع النحاس باشا وحرمه ثمن الأرض الأولى من بيع مجوهراتها وثمن الأرض الثانية من بيع منزله بسمنود بعشرة آلاف جنيه.
ــ إن النحاس وحرمه نزلا ضيوفا علىَّ فى منزلى وقت تساقط القنابل على القاهرة وأبت عليه عفته أن يحملنى مليما واحدا فكان يتولى الإنفاق علىّ وعلى أسرتى.
كما تناول فؤاد سراج الدين أيضا باعتباره وزيرا للزراعة فى ذلك الوقت واقعة ارساله الورود إلى قبر عبدالواحد الوكيل والد زينب عقب وفاته بكثير من الأسى قائلا: «المؤلم أن يزج مكرم باشا باسم المغفور له عبدالواحد الوكيل باشا ويقول إن الزهور التى أرسلت إلى منزلى إنما أرسلت لتوضع على قبر عبدالواحد الوكيل وكأنه لم يكفه الأحياء ينهش فى أعراضهم فذهب إلى القبور ليشفى فى ساكنيها غله وحقده الدفين. لقد توفى الوكيل باشا فى 9 أغسطس 1942 وتاريخ هذا الأمر المزعوم فى 3 سبتمبر 1942 أى بعد نحو شهر تقريبا على الوفاة، وقد استخدم مستندا مزورا ليدلل على الواقعة ولو كان الأمر صحيحا لاستطاع مكرم أن يحصل على صورة صحيحة له.
أما بالنسبة لواقعة الفراء فيورد الكتاب الأبيض رداً تفصيلياً جاء على لسان مصطفى باشا النحاس نفسه يمكن تلخيصه فيما يلى:
- كنا مع نشأت باشا سفير مصر فى لندن سنة 1936 وكان معنا ونحن نشترى فراء لنا ولحرم مكرم باشا ولما حضر سألناه إن كان يوجد فى لندن فرو بسعر مناسب.
- فى أول اكتوبر وصلتنا برقية من نشأت باشا يقول فيها إنه عرضت عليه فراء ثعالب بيضاء من نوعين نوع ثمن القطعة أربعة عشر جنيها وأربعين قرشا، والآخر ثمن القطعة منه ستة عشر جنيها وأربعين قرشاً.
- أبرقنا لنشأت باشا نشكره على سؤاله عن صحتنا وطلبنا منه شراء ستة قطع فراء لا يصل مجموع قيمتها مائة جنيه.
ولم يكتف النحاس باشا بذلك بل أخرج من حقيبته قطع الفراء الخاصة بزوجته وعرضها على نواب البرلمان سائلا إياهم إن كانوا يرون أن سعر ذلك الفراء يبلغ بالفعل ثلاثة آلاف جنيه كما يدعى مكرم، فرد فكرى أباظة زعيم المعارضة أنها نفس الفراء الذى تلبسه زوجاتهم وأن سعره فى السوق على أكثر تقدير يساوى خمسين جنيها. وطلب فكرى اباظة تقديم اللوم إلى النائب مكرم عبيد.

حركة يوليو والمحاكمة
وعندما قامت حركة 23 يوليو عام 1952 كان النحاس باشا وحرمه ليلة قيام الثورة فى أوروبا، وعند علمه بها قرر السفر لأول مرة فى حياته بالطائرة ليصل سريعا وكان ظنه كما ذكر فى مذكراته أن الثورة قامت ضد فساد الملك، وقال صراحة: «كانت فرحتى بقيام الثورة أنستنى تهيبى من ركوب الطائرات وبينما أنا أجلس على مقعدى حضر الطيار وأخبرنى أن فاروق قد وقع على وثيقة بتنازله عن العرش لابنه أحمد فؤاد الطفل ورحل عن البلد فكانت فرحتى بهذا النبأ فرحة غامرة وسرورى به كبيراً».
والواضح أن موقف السيدة زينب الوكيل كان ذات الموقف فى بداية الثورة إذ استبشرت خيراً فى البداية خاصة أن أول لقاء جمع بين النحاس باشا ومجلس قيادة الثورة يوم 26 يوليو شهد موقفا غريبا يذكره إبراهيم فرج فى روايته التاريخية، وهو أن نجيب قال للنحاس: «إحنا بننفذ سياستك أنت زعيم البلد وزعيمنا».
والواضح أيضا أن قول «نجيب» لم يكن يستند إلى أى شىء له علاقة بالواقع، خاصة أنه لم يكن مسيطراً بشكل حقيقى على مجلس قيادة الثورة، وإنما كان ألعوبة فى يد ضباط صغار السن يقودهم شاب طموح وذكى هو جمال عبدالناصر، وليس أدل على ذلك مما يعترف به «نجيب» نفسه من أنه اضطر إلى التصديق على حكم إعدام خميس والبقرى اللذين قادا مظاهرات العمال فى كفر الدوار بعد أسابيع قليلة من قيام الحركة تحت ضغط أعضاء المجلس.
وقد تدهور الموقف بين رجال الثورة والوفد رويداً كما يذكر إبراهيم طلعت بعد نشر جريدة المصرى التابعة للوفد نص قانون تحديد الملكية، ثم إعلان موافقة حزب الوفد على القانون رغم أن كثيراً من قياداته وعلى رأسهم فؤاد سراج الدين أضيروا من القانون.
لقد أثار ذلك خصوم الوفد خاصة على ماهر وسليمان حافظ واللذين سعيا إلى إفساد العلاقة فأوعز أحدهم إلى مصطفى أمين ليكتب فى أخبار اليوم أن فؤاد سراج الدين قال إنه وضع الضباط فى جيبه، ومن بعدها سارت العلاقة فى تدهور دراماتيكى وصل مداه فيما بعد بإلغاء الاحزاب السياسية، ثم تحديد إقامة النحاس وزوجته ومنع نشر اسمه فى جريدة المصرى، ثم تقديم زينب الوكيل نفسها إلى محكمة الثورة.
وقبل أن يرحل عام 1952 بمفاجآته وانقلاباته بدأت دار أخبار اليوم مسلسلاً جديداً للتشنيع على السيدة حرم النحاس باشا، ثم شاركتها مجلة «روزاليوسف» التى نشرت تقريراً فى عددها الصادر فى 22 سبتمبر من نفس العام بعنوان «كم تبلغ ثروة السيدة حرم الرئيس مصطفى النحاس؟».
كما طالت سهام الانتقام زينب الوكيل بشكل مباشر عندما اعتقلت الثورة فى 7 سبتمبر من عام 1952 نحو 44 من رؤوس العائلات كان من بينهم ياسين سراج الدين، وعبدالحميد الوكيل شقيق زينب الأكبر. والملفت أن عبدالحميد الوكيل

لم يكن عضوا فى الوفد وقتها، وإنما هو أحد أعيان البحيرة الأثرياء وحتى عندما ترشح لعضوية البرلمان فضل الترشح مستقلاً باعتباره غير مسيس. إنه من الموجع أن يبرر رجال الثورة اعتقال رؤوس العائلات بقولهم إن ذلك كان «رحمة بهم وبالثورة وبالشعب، وأنهم عوملوا فى معتقلهم رغم ماضيهم بمثل ما يعامل به الأحرار ذوو الصحائف البيضاء النقية».
ولم تمض شهور قليلة حتى تم تقديم السيدة زينب نفسها إلى محكمة الغدر، وكان الاتهام وقتها مستنداً إلى قيام وزارة الأشغال بعمل طريق فى المرج بجوار فيلا تمتلكها وامتد الاتهام ليفتش فى مصادر ثروتها، وقد كان من الحقارة ببعض الصحف إشارتها للقضية باعتبار أن السيدة زينب هى التى أمرت بعمل الطريق رغم ثبوت وجودها بالخارج وقت عمله، ومع ذلك حكمت المحكمة بتحميل تكلفة الطريق عليها والبالغة 1134 جنيهاً.
ثم توسعت القضية لتسأل محكمة الغدر عن مصدر الأموال التى اشترت بها زينب فيلا المرج، بل سارعت الصحف إلى نشر القصص الخيالية عن محتويات الفيلا من أثاث وتحف ومفروشات مستوردة. وكان الثراء هو أغرب تهمة يتم بها محاكمة سيدة فى مصر، لكن كثيراً من القضايا لا علاقة لها بالعدل أو غيره. ويقدم إبراهيم فرج شهادته على ذلك قائلا: «شكلت لجنة بعد الثورة للطعن على النحاس وزوجته وقد حضرت أمامها كمحام رغم كل الصعوبات والتهديدات التى وصلتنى وناشدت رئيس اللجنة فى أول جلسة قائلا: أنت تحاسبنا اليوم ولكن هناك فى السماء محاسباً أكبر سيحاسبك، وناقشنا حسابات النحاس باشا وزينب هانم حرمه وانتهينا إلى أن النحاس برىء من كل ما يقال عليه، وكل ما لزينب هانم مصدره سليم مائة فى المائة، وحفظت الأوراق وربما كان هذا من أسباب تقديمى لمحكمة الثورة فيما بعد.
وأصل القصة أن الضباط فكروا فى تقديم مصطفى النحاس، لكن نجيب الهلالى الذى استعان به مجلس قيادة الثورة أشار عليهم بخطأ ذلك، وقال لهم قدموا زوجته للمحاكمة، وتم فرض الحراسة على جميع ما تمتلك.
ويستعرض الكتاب كيف باعت زينب الوكيل حُليها لتنفق على علاج زوجها، كما باعت كثيراً من أثاث البيت الذى تعيش فيه، وكان من المهم لدى رجال يوليو أن يقطعوا كافة خيوط الدعم المادى عن الرجل النبيل، لذا فقد صودرت ثروة عبدالحميد بك الوكيل عضو مجلس النواب، وتم فرض الحراسة على أراضيه المترامية فى البحيرة، حتى اضطر إلى فتح مقهى وإدارته ليتكسب.

مواجهة الفقر
لم ترد زينب أن تظهر بمظهر الضعف، لقد انتزعوا فى البداية بعض الأراضى التى كانت تمتلكها طبقا لقانون الإصلاح الزراعى، لكنهم تركوا فيما تركوا أثاث البيت الذى تعيش فيه فى جاردن سيتى. فى ذلك الوقت كان معاش النحاس باشا 120 جنيهاً كان يدفع منه قيمة إيجار منزل جاردن سيتى والبالغ وحده خمسين جنيهاً، فضلاً عن أجور البواب والطباخ والخادمة، إلى جانب تحمله علاجاً شهرياً بقيمة 30 جنيهاً، حيث كان الرجل قد تجاوز الثالثة والسبعين عند قيام حركة يوليو وكانت أمراض الشيخوخة قد عرفت طريقها إليه. وكان ذلك يعنى أن المعاش الذى قد يراه البعض كبيراً بمقياس ذلك الزمن لم يكن يكفى مصاريف الرجل وزوجته وبيته الذى كان رئيساً لوزراء مصر وزعيما للأمة وكان بيته يستقبل كل يوم العشرات من الناس.
فى تلك الأثناء كان لابد من حلول تضمن حياة كريمة لزعيم الأمة وحرمه. فى البدء لجأت السيدة زينب إلى بيع تحف المنزل واحدة تلو الأخرى، ثم امتد ذلك إلى بعض الأثاث الذى رأته غير ضرورى. وحاول بعض الوفديين تدبير معاش خاص للرجل، لكن فرض الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم حال دون ذلك. وقتها لم تجد السيدة زينب الوكيل بداً من مواجهة الرئيس نفسه لتذكره بالزعيم الذى خدم الوطن بكل جهد وكلل ولم يأخذ شيئا.
واتصلت زينب بعبدالناصر تطلب إليه أن يدفع لها مبلغاً من ايراد أملاكها التى صودرت يمكنها من مواجهة مطالب الحياة ورد عليها عبدالناصر سائلاً عما تريد.
فقالت زينب: تعلم أن كل ما أملك صودر وأصبحت لا أجد ما أستطيع أن أواجه به الحياة وأنا مسئولة عن زوجى الذى مهما كان رأيكم فيه فلا ينكر أحد أنه ظل يخدم الوطن أكثر من ثلاثين عاماً وقدم ما قدم فهل ترضى أن يهان فى أخريات أيامه وألا يجد ثمن الدواء الذى يعالج به؟
فرد قائلاً: لست أرضى بهذا ولا أقبله فماذا تطلبين؟
قالت زينب: أطلب أن تأمر بصرف مبلغ لى من إيراد أموالى التى تحت يد الحكومة لأنفق على مطالب الحياة كى لا أمد يدى للناس.
فقال: سأفعل.
وبعد يومين اتصل محمد أحمد وقال إن سيادة الرئيس عبدالناصر أمر بصرف ثلاثمائة جنيه شهريا للإنفاق منها على مطالب الرئيس السابق مصطفى النحاس.
وبدأ المرض يمد شرايين النهاية إلى جسد السياسى المُسن الذى تراجع وزنه بشكل دراماتيكى واضطر للزوم الفراش. إن الوفدى الكبير على سلامة يذكر أن «النحاس» ظل مدركاً لكل ما حوله حتى يوم وفاته بسبب حرصه الشديد على قراءة القرآن بشكل منتظم كل يوم. وفى يوم الثالث والعشرين من أغسطس كان يقرأ ما يحفظه من كتاب الله وإلى جواره شريكة حياته زينب الوكيل، وتلميذه الوفى فؤاد سراج الدين. كان صوته مسموعا لهما واقتربت الساعة من السابعة صباحا عندما قرأ «إنا سمعنا منادياً ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا» ثم هتف بعدها «الله» ثم كررها مرة أو أكثر وكانت النهاية.
لم تصرخ زينب لأنها تعلم أن قدر الله لا يرده صراخ، وإنما تساقطت الدموع من عينيها فى صمت يوافق امرأة صلبة وقوية وصبورة. كانت تعلم أن نهايتها هى نهايته، وأن حياتهما اقترنت رغم فارق السن بمصير محتوم.

الأيام الأخيرة
انقلبت أحوال زينب الوكيل تماماً بعد وفاة مصطفى النحاس. انقطع المعاش الاستثنائى الذى قرره عبدالناصر للرجل، وانفض كثير من الزائرين عدا أشقائها وأبنائهم والتى كانوا يعتبرونها بمثابة الأم لهم رغم أنها ليست أكبرهم. كان أبناء سعاد وعزيزة الوكيل شقيقتيها يزورونها باستمرار، بل إن بعضهن أقمن معها نظراً للتدهور الذى شهدته صحتها.
تحكى ألفت راتب أن مسحة الحزن كست وجه زينب فلم تبتسم أبداً بعد وفاة النحاس، وكانت عيناها دائماً دامعتين، وشعرت بالعزلة الحقيقية والغربة القاسية تسحب روحها رويداً رويداً. تقول ألفت «سألتها فى يوم ما لماذا تحزن كل هذا الحزن على موت الباشا، وقد رحل وهو فى السادسة والثمانين فقالت: إنك لا تعرفين ماذا كان يعنى وجوده لى. لقد فقدت الأب والأخ والزوج والحبيب والمعلم والصديق».
باختصار شديد كان مصطفى النحاس بالنسبة لها كل شىء. كل شىء رغم مرضه، وشيخوخته، وضعف حيلته. كل شىء رغم تنكر الدولة وانفضاض الأصحاب ونكران الناس.
كان الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ القلب، هو الطبيب الخاص الذى كان يتابع حالتها، وكثيراً ما كانت تتعرض لأزمات قلبية مفاجئة ويقوم أشقاؤها باستدعاء الرجل ليعالجها كلما تدهورت حالتها. ولم يمر عامان حتى انهارت تماماً وسافرت للمرة الأخيرة إلى لندن ونصحها الأطباء بالراحة والابتعاد عن التوتر والحزن، وحاولت الالتزام بنصائح الأطباء، لكن أحوال البلد وفراق الزوج فرضا عليها شلالا من الاكتئاب. وفى 9 نوفمبر عام 1967 أصيبت زينب بأزمة قلبية مفاجئة، واتصلوا بطبيبها الدكتور محمد إبراهيم الذى طلب نقلها فوراً إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى، وحاول الأطباء إفاقتها، لكنهم فشلوا لأنها كانت على موعد آخر فى مكان آخر أكثر عدلاً وصفاءً وهناءً.