فتاة سكندرية تحول الخردة لقطع فنية مبهرة

رودينة تنقب عن الجمال بين حطام مراكب الصيد القديمة

منوعات

الجمعة, 10 أغسطس 2018 21:10
رودينة تنقب عن الجمال بين حطام مراكب الصيد القديمة

كتبت ـ رغدة خالد:

تتلألأ أشعة شمس الفجر على صفحة الماء، فتتجلى وجوه صيادى عروس البحر، بعيونٍ كحلها السهر، وزينها الرضا بالرزق الوفير، تعلو جباه غضنها العرق وديانا، تتمايل المراكب على عباب المياه تداعبها نسائم الليل الافلة، وبينما يلوح أول خيوط النهار فى الأفق، يحمل عم أحمد المراكبى شباكه وعدة الصيد داخل «قفف» من الخوص تضفرت بين أصابع زوجته، ويهم بتوجيه ناصية مركبه العتيق إلى حيث تعانق المياه شاطئ الإسكندرية.

يزف صدى أصوات أسراب النورس أفواج الصيادين الراحلة، بينما تحلق الطيور على مقربة من وجه الماء توشك أن تمزقه بمخالبها؛ بحثًا عن طعام دون أن تشارف الشاطئ، هناك تقبع اليوم آلاف من مراكب الصيد البالية التى دبت الرطوبة بين أوصالها فزادتها بهاءً، ينسل الماء المالح عن سطحها تاركًا خلفه قصائد من الأسرار التى يبوح بها البحر فى كل غروب وشروق.

تزحف الشقوق بين ألواحها العتيقة كتجاعيد تؤصل بصمات الزمن وتخلد ظلمة ليالٍ طوال هام بها أصحابها فى عرض البحار، صيادون لم يبق منهم أثر سوى شواهد مراكبهم المتناثرة كالجثث الهامدة على طول الساحل، فى الليل تنتفض مرآة البحر عن سكونها، ويبارح الهدوء الفضاء الفسيح، فيلفظ البحر خفاياه الكامنة فى لحظات غضب يلوح فيها الموج كالطود العظيم، بينما تقف «رودينة طارق» على شاطئ «بحرى» تلقف ما يلقيه جوف المتوسط من بقايا الأخشاب الضامرة قابضة على ما جمعت بجعبتها قبل

أن تلف عائدة.

تحمل «رودينة»، الفتاة السكندرية، قصص اليأس والحب والحياة التى تدب بين الفوالق وتشق لها دروبًا بين ثنايا بقايا المراكب القديمة داخل كفوف جاوزت العشرين بقليل، تستجدى بأناملها الذهبية السحر الكامن داخل الأخشاب وخبايا عالم البحر مع كل دفقة لون تتسلل عبر ممرات الشقوق وتغزو غياهب أطلال السفن الخشبية، بفطرة تعى دربها عن ظهر قلب.

يضىء البدر بأشعته التى تغزل ضياءها صفحة الماء فى إحدى ليالى شهر ديسمبر، فتتشابك الخيوط الفضية معًا فى مشهد يخلب الألباب، يزحف اليأس إلى صدرعم أحمد من طول الانتظار ونضوب الوفاض، ينتشله عواء الريح من براثن خيالات الخوف والفقر، فيدوى صرير اصطكاك الألواح بجوف القارب، تنذر بجنوح القارب عن جانبه من ثقل الشبكة التى غدت محملة بالخيرات، يأز داخلها البلطى والبورى والبياض، وترفرف زعانفها باستسلام منساقة إلى مصيرها المحتوم.

يطل عبير هواء الإسكندرية من ملامحها المليحة التى تتشرب بسكينة غامضة، بينما تنهمك «رودينة» فى تخليص الأخشاب القديمة من الزوائد الضامرة التى ضربتها الرطوبة وملوحة الماء، وتعشّق المسامير فى النتوءات المبهمة فتبيت منارات تلقى بأضوائها على وجوه أقزام منازل وعشش الصيادين التى تزين قوارب أحلام «رودينة» وتعكس تفرد موهبتها الخلابة.

تحتضنها نظرات والدتها الدافئة بفيض من الحب والرعاية فيما تدس البهجة خلسة بين ثنايا الخشب فتنفرج قسمات وجهها عن نشوة الانتصار بعد كل تجربة نجاح تشابكت مع العشرات من سابقيها اللواتى لم يُكتب لهن السداد، حتى يوشك الحزن أن يثقل روحها فتنكشف الأم عن يد حانية تدفع «رودينة» للأمام، تصاحبها فى رحلتها على هدى خطى موهبتها، تتشاركان خلالها تنسيق الألوان واختيار الخامات.

شبت «رودينة» متطلعة إلى ماكينة الخياطة القديمة التى ناهز عمرها الأربعين، متاع جدتها الأثير، وشاهد قصة الحب الدافئة التى جمعت بين جديها فلم يوارها الثرى، بثت فيها عشقًا خاصًا للفنون ورسومات القلوب واللون الأحمر فيما لا تزال ابنة الـ8 أعوام، تفجرت موهبتها ينابيع فى كنف جدتها الذواقة للفنون على اختلاف شاكلتها.

وجدت «رودينة» السلوى فى رحابة خيالها وموهبتها الربانية فى تحويل كل ما تقع عليه يدها إلى قطع فنية خلابة، فتبث قطع الأخشاب القديمة نفحات من الجمال، تشى بأسرار وقصص صيادى «بحرى» كنغمات من حكاية شعبية قديمة، تطل من بيوت ملونة ضئيلة من تصميمها، تختزن إيحاءات مطعمة بانسيابية المد والجزر بين صدوعها، تؤيد أن امتزاج الماضى بالحاضر هو سر الحسن والخلود.

يلاصق وجهها زجاج السيارة غارقة فى أحلام العثور على مبتغاها من قطع حطام المراكب قبل أيام من هبوب النوة، فيما يأوى الجميع إلى منازلهم ويلملم عم أحمد شباكه على عجل ويشد المرساة ليعمل ذراعيه المفتولتين على المقاديف، عندها يسرى دفء الطمأنينة بين حنايا صدره مستبشرًا بفيض الرزق الذى سيحمله له زبائن «الشرارى» فى سوق السمك، قبل أن يرسو مركبه فى نفس المكان الذى تنطوى فيه اليوم أمجادها، ولا يتبقى منها سوى جيف متآكلة تنهش الرطوبة بين مفصلاتها، لا يبقى منها سوى صفحات من الذكريات بوجدان عم أحمد ومنازل مطعمة بالألوان من تصميم «رودينة».