الناصية

طاهر البرنبالى!

منتصر جابر

الجمعة, 15 نوفمبر 2013 22:51
بقلم: منتصر جابر

يأخذنا قبح السياسة بعيداً عن أجمل ما فينا.. ومن أجمل من الشعراء على الأرض؟!.. فكل الكائنات تشبه بعضها البعض فى المواهب ما عدا الشعراء متفردين بموهبة كتابة الشعر بين كل خلق الله.. فالطيور في الفضاء تعزف موسيقى وتغنى مثل البشر، والأسماك الزاهية في البحار ترسم أجمل لوحة تشكيلية مثل البشر، والخيول ترقص مثل البشر.. والورود بألوانها وروائحها متنوعة تماماً مثل البشر.. إلا الشعراء وحدهم يكتبون رسائل فى الحق والخير والجمال إلى كل الخلق أجمعين مثلهم مثل الرسل والأنبياء!

والشاعر المبدع «طاهر البرنبالى» واحد من الشخصيات المتميزة على المستويين الشعرى والإنساني ومن أنبل وأشرف أبناء مصر حضوراً وانتماء، وكان، ولا يزال من أبرز ثوار 25 يناير و30 يونية، ولم يثنيه ما تعرض له من وعكة صحية شديدة، بسبب مضاعفات عملية زرع الكبد التى أجراها منذ سبع سنوات.. من أن يظل «البرنبالى»، وهو الطبيب البيطري، قابضاً على موهبته الشعرية التى أبدع من خلالها العديد من كلمات الأغاني الوطنية والعاطفية التي تغنت بها «عفاف راضي» و«غادة رجب» و«مها البدرى» و«حسن فؤاد»، كما كتب أيضاً تترات أغاني مسلسلات من غناء محمد الحلو وياسر الشرقاوي ونهال نبيل.. أما الدواوين الشعرية فهي عديدة منها ديوان «طالعين لوش النشيد» عن الهيئة العامة للكتاب، وآخر بعنوان «طفلة بتحبى تحت سقف الروح» عن الهيئة العامة لقصور

الثقافة، والديوان الثالث بعنوان «طارت مناديل السعادة» عن الهيئة العامة لقصور
الثقافة عام 1999، والرابع «طريق مفتوح ف ليل أعمى» أيضاً عن قصور الثقافة عام 2004، والخامس «طلعت ربيع دار الفؤاد» وذلك عن اتحاد الكتاب عام 2007، والسادس بعنوان «طرطشات الذات والبنات» عن الهيئة العامة للكتاب 2008.
هذا بالإضافة إلى أكثر من 14 ديواناً شعرياً للأطفال بالتعاون مع مركز ثقافة الطفل، وهذا يعنى أن «البرنبالى» من شركاء وزارة الثقافة في دورها الحضاري والتنويري والجمالي.. فلماذا عندما يسقط مريضاً بفعل الأحزان والهموم المتراكمة في سعيه لرؤية بلاده هي الأفضل والأجمل.. نتركه وحيداً ليواجه مرضه بمفرده ونلقى به بعيداً على أرصفة ذل الحاجة والاحتياج يتسول العلاج!
ورغم ذلك مازال البرنبالى ينشد في حب الوطن القصائد.. على أمل أن يشفى بالشعر أمراض النكران والإهمال، وحتى يتمكن من مواجهة ظروفه المرضية القاسية التي تهدد حياته بسبب إصابته بمرض عضال ويحتاج لعلاج وعناية طبية دقيقة تتطلب تكاليف باهظة لا يقوى بمفرده على تحملها.. وهذا الوضع المذرى فى مشكلة العلاج لا يواجهها «البرنبالى» وحده بل مئات الآلاف من المواطنين، سواء الذين ينتمون إلى
نقابات أو لا ينتمون، فالكل سواسية في ذل العلاج المنقوص والمعدوم في كثير من الأحيان.. وقد شاهدنا مؤخراً أسماء كبيرة وشخصيات ساهمت على المستويين الأدبي والصحفي بأعمال وطنية وتنويرية قديرة ورغم ذلك سقطوا فى مستنقع الحاجة عندما تفاقمت الأمراض عليهم.. وللأسف فإن اللوائح العلاجية سواء داخل المؤسسات التى ينتمى إليها طاهر البرنبالى، وغيره، مثل اتحاد الكتاب أو نقابة نقابة الأطباء البيطريين أو نقابة الصحفيين أو غيرهم تحكمها لوائح جامدة بالية متخلفة بتحديد الحد الأقصى للعلاج الذى لا يكفى أسبوعاً لمريض مثل البرنبالى، ولا يرق قلبها أمام الحالات المستعصية والأمراض المزمنة وتكون النتيجة أن يضطر المريض أن يبيع الذى وراءه والذى قدامه ويستدين حتى يبقى على الحميد المجيد، وفى النهاية يظل حبيس الفراش إلى أن يأتيه الموت بطيئاً ومؤلماً وقاسياً!!
إن الناس في مصر تموت من عدم العلاج وليس من المرض، ولهذا ينقصف عمرها مبكراً – أقصد الناس - وترتفع معدلات وفياتهم في سنوات الأربعينيات والخمسينيات، إن لم يكن أقل من ذلك، لتدهور العناية الصحية والرعاية العلاجية بالمستشفيات العامة والخاصة، ناهيك عن اختفاء ما يسمى بالعلاج المجاني الذى كان من المفترض أن يكون له الأولوية لدى الحكومات في ظل هذه الأمراض المنتشرة مثل السرطان والفشل الكلوي والكبدي، خاصة بين الأطفال والشباب، بالإضافة إلى القلب والسكرى والضغط.. وأن الشاعر طاهر البرنبالى حالة نموذجية لما يعانيه كل مصري، فهو مثله مثل المصريين الشرفاء ليس من الأغنياء مادياً ولكن من أغنياء الوطن في الذكاء والتعليم والإبداع والوطنية ورغم ذلك لا يجد مبادرة من الدولة التي دفع عمره كله من أجلها، راضياً مرضياً، لتسنده وتسانده في  محنته.. فهل ينتظر إلى أن يرق قلب مسئولي دول أخرى لعلاجه؟!


[email protected]