رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عمال التراحيل‮ .. ‬مآساة تسير علي‮ ‬قدمين‮!

ملفات محلية

الجمعة, 29 أبريل 2011 10:45
تحقيق‮ : ‬دينا توفيق


هجروا بلادهم بعد أن ضاق العيش بهم تركوا أبناءهم لهثا وراء لقمة العيش،‮ ‬جاءوا إلي‮ ‬القاهرة تحفهم الآمال العريضة بأن‮ ‬يجنوا ثمرة تعبهم ولكن للاسف تحولت كل هذه الطموحات إلي‮ ‬مجرد أوهام بعد ان أدار لهم الزمان ظهره فتركهم نهبا للشارع الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف الرحمة تطاردهم لعنة الجوع وخيبة الأمل،‮ ‬انهم عمال التراحيل الذين‮ ‬يراهم البعض فئة مهمشة لاصوت لهم،‮ ‬ويراهم آخرون فئة طفيلية تزيد من ازدحام القاهرة إلا ان قصصهم تمتلئ بالأوجاع ونادرا ما تختلف نهاياتها‮. ‬

ورغم ان هؤلاء كانوا‮ ‬يحلمون بأن تتغير احوالهم‮ ‬يوميا إلي‮ ‬الأفضل،‮ ‬وتشرق عليهم شمس الثورة وتحمل بين كفيها‮ ‬يوما جديدا،‮ ‬يجدون فيه زرقهم بسهولة،‮ ‬يحققون ولو قدرا‮ ‬يسيرا من احلامهم الضائعة في‮ ‬زحام القاهرة،‮ ‬إلا ان هذا لم‮ ‬يحدث في‮ ‬زالت أحوالهم كما هي‮ ‬،‮ ‬إن لم تكن أسوأ من ذي‮ ‬قبل‮ ‬،‮ ‬فقر ومرض وبطالة وحلم بالراحة والطعام الهانئ لم‮ ‬يتحقق بعد فهل تنتظر حكومة‮ »‬شرف‮« ‬التي‮ ‬بدأت في‮ ‬التفكير في‮ ‬كل الطوائف المهمشة من الشعب المصري‮ ‬بعين العطف لهؤلاء المحرومين الضائعين في‮ ‬زحام الثورة؟ وهل تنصفهم الثورة وتحقق لهم أول مبادئها‮ »‬عيش،‮ ‬حرية،‮ ‬كرامة،‮ ‬إنسانية«؟‮!‬

ربما كانت رواية‮ »‬الحرام‮« ‬للكاتب‮ ‬يوسف إدريس هي‮ ‬أكبر تجسيد لقسوة حياة تلك الطبقة وهو ما عبرت عنه شخصية‮ »‬عزيزة‮« ‬عاملة التراحيل التي‮ ‬جسدتها للسينما الشاشة‮ »‬فاتن حمامة‮« ‬في‮ ‬فيلم من إخراج بركات في‮ ‬مطلع الستينات لتظل تلك الشخصية التي‮ ‬تخرج ضمن قوافل التراحيل للبحث عن لقمة العيش لأبنائها ولزوجها المريض عالقة في‮ ‬الأذهان رغم اختلاف الزمن منذ الستينات وحتي‮ ‬اليوم،‮ ‬إلا ان عمال الترحيل مازالوا كما هم،‮ ‬منهم آلاف‮ »‬العزيزات‮« ‬اللاتي‮ ‬خرجن‮ ‬يبحثن عن لقمة العيش لابنائهن وأزواجهن،‮ ‬ومنهم ملايين الرجال الذين‮ ‬يخرجون كل صباح لنفس السبب،وهو البحث عن لقمة العيش‮. ‬وفي‮ ‬الناهية‮ ‬يضربهم المرض وجوع،‮ ‬ولا‮ ‬يجدون إلا الفتات لسد رمق الأفواه الجائعة التي‮ ‬تنتظرهم حين عودتهم مع الغروب مأساة متحركة علي‮ ‬قدمين‮ ‬يحملها كل عامل من هؤلاء العمال،‮ ‬أعباء تنوء عن حملها الجبال،‮ ‬معاناة دائمة زادت بعد الثورة وأصبح حلمهم في‮ ‬الراحة هو أقصي‮ ‬أمانيهم وفي‮ ‬عالم التراحيل تتشابه الوجوه،‮ ‬وتتقارب تفاصيل تخصص البؤس،‮ ‬ككل منهم لا‮ ‬يحلم بأكثر من شخص‮ ‬يستعين به في‮ ‬عمل‮ ‬يمكنه من توفير قوت‮ ‬يومه،‮ ‬ليعود في‮ ‬آخر النهار حاملاً‮ ‬طعامه قبل ان‮ ‬يخلد للنوم ليستيقظ قرب أذان الفجر ليبدأ رحلة البحث عن عمل من جديد،وبما ان مهنة المعمار هي‮ ‬الغالبة علي‮ ‬عمال التراحيل،‮ ‬لذا فقد تأثروا بالتدهور الذي‮ ‬حدث في‮ ‬قطاع البناء في‮ ‬مصر خلال الأعوام الأخيرة،‮ ‬لاسيما أنهم الطرف الأضعف في‮ ‬هذا القطاع،‮ ‬وزادت معاناتهم بعد الثورة نتيجة حالة الركود التي‮ ‬يمر بها هذا القطاع ويري‮ ‬البعض ان ظاهرة عمال التراحيل مرشحة اليوم للتفاقم أكثر في‮ ‬ظل شهور الأوضاع الاقتصادية في‮ ‬مصر بشكل عام‮.‬

 

اقتربنا من هذه الفئة المهمشة التي‮ ‬نسيها الجميع في‮ ‬خضم الاحداث،‮ ‬فاكتشفنا أن وراء كل منهم حكاية تصلح لأن تصبح رواية أكثر واقعية وشجناً‮ ‬من رواية‮ »‬الحرام‮«. ‬عم محمد

واحد من هؤلاء العمال جاء إلي‮ ‬القاهرة محملا بهموم الفقر والحاجة،‮ ‬ترك بلدته الأصلية في‮ ‬مدينة أسيوط ليلبي‮ ‬نداء‮ »‬النداهة‮« ‬التي‮ ‬طالما دعته هو والكثيرين من قبله للحضور إلي‮ ‬القاهرة والعمل بها،‮ ‬فترك أطفاله الخمسة وجاء‮ ‬يحمل في‮ ‬إحدي‮ ‬يديه عدة العمل والتي‮ ‬تضم شاكوشا وأجنة وأزميلاً‮ ‬يلفها في‮ ‬كيس من القماش ويحرص عليها كحياته‮. »‬نفسي‮ ‬أجد عملا حتي‮ ‬أنفق منه علي‮ ‬عيالي‮ ‬فالجوع كافر،‮ ‬وإحنا‮ ‬غلابة وبسبب ضيق الحال،‮ ‬نجلس كل‮ ‬يوم لنأكل في‮ ‬الموائد‮« ..‬وهكذا عبر عم‮ »‬محمد‮« ‬عن حاله هو وغيره من عمال التراحيل الذين‮ ‬يجلسون كل‮ ‬يوم أسفل كوبري‮ ‬أبو الريش منذ الصباح الباكر وعيونهم مركزة علي‮ ‬السيارات المارة أمامهم،‮ ‬حتي‮ ‬إذا ما وجدوا سيارة تتباطأ أمامهم هبوا إليها هبة رجل واحد مندفعين إلي‮ ‬صاحبها الذي‮ ‬غالبا ما‮ ‬يحمل إليهم بشري‮ ‬الرزق لتبدأ المفاوضات علي‮ ‬الأجر‮. ‬عم محمد كان‮ ‬يحلم بأن‮ ‬يجني‮ ‬مالا لزواج البنات وتعليم الأولاد،‮ ‬ولكن حلمه لم‮ ‬يتحقق فلم‮ ‬يجد امامه سوي‮ ‬الاكتفاء بتوفير لقمة العيش لهم،‮ ‬ثم جاءت الريح بما لا تشتهي‮ ‬عم محمد واسرته فمرضت زوجته واصبحت تكاليف علاجها ترهق كاهله أكثر،‮ ‬ومع ذلك‮ ‬يقول الحمد لله علي‮ ‬كل شيء،‮ ‬ربنا‮ ‬يرزقني‮ ‬برزقهم جميعا‮.‬

أما محمد جمعة ـ فقد جاء من محافظة المنيا تاركا اطفاله الاربعة باحثا عن لقمة العيش،‮ ‬ولا‮ ‬يختلف حاله كثيرا عن عم‮ »‬محمد‮« ‬فكلاهما‮ ‬يحمل نفس ملامح الفقر والحرمان فالوجوه شاحبة بها خطوط وتجاعيد خطها الخوف من الغد الذي‮ ‬لا‮ ‬يعلمون عنه شيئاً‮. ‬ويجلس‮ »‬محمد‮« ‬هكذا منذ أكثر من شهر بدون عمل وكل ما‮ ‬يتمناه هو أن‮ ‬يعود إلي‮ ‬أهله في‮ ‬يوم ما وهو‮ »‬مجبور الخاطر‮« ‬حتي‮ ‬لايصاب أطفاله بخيبة أمل‮. ‬

أما الحاج‮ »‬عبدالفتاح‮« ‬الذي‮ ‬جاء ايضا من‮ »‬المنيا‮« ‬منذ حوالي‮ ‬سنة ونصف فقد بدأ حديثه قائلا‮: ‬إذا كانت الحكومة قد نسيتنا فإن من خلقنا لن‮ ‬ينسانا وكم اتمني‮ ‬أن أجد بيتا‮ ‬يضمني‮ ‬أنا واطفالي‮ ‬الثلاثة ولكن اليد قصيرة حيث أنني‮ ‬أجلس بدون عمل منذ حوالي‮ ‬18‮ ‬يوماً‮ ‬ثم‮ ‬يختتم الحاج‮ »‬عبدالفتاح‮« ‬حديثه بقوله‮: ‬ليت كان هناك وزير للغلابة‮ ‬يكون مسئولا عنهم حتي‮ ‬يكون لي‮ ‬معاش في‮ ‬حالة الموت،‮ ‬ولقمة عيش لسد جوع الأفواه المفتوحة ثم تركناه بعد ذلك ليجلس من جديد علي‮ ‬الأرض التي‮ ‬يتخذها كل ليلة فراشا والسماء‮ ‬غطاء‮. ‬ونفس المأساة‮ ‬يعيشها‮ »‬ممدوح مرزوق‮« ‬الذي‮ ‬جاء من‮ »‬أسيوط‮« ‬بحثا عن مصدر للرزق وهو قد‮ ‬يعمل‮ ‬يوما واحدا ويظل‮ ‬10‮ ‬أيام بدون عمل وكل ما‮ ‬يتمناه هو ان‮ ‬يجد عملا بدخل ثابت ليضمن حياة كريمة له ولاطفاله‮. ‬وبالرغم من قسوة الظروف إلا أنه

مازال‮ ‬يطمع إلي‮ ‬ان‮ ‬يجمع مبلغا من المال‮ ‬يجعله‮ ‬يعود إلي‮ ‬القرية لشراء عدد من القراريط‮ ‬يزرعها بنفسه‮.‬

أما أحمد سالم ـ فقد جاء ايضا من أسيوط بحثا عن فرصة عمل ورغم المأساة التي‮ ‬يعيشها لانه لم‮ ‬يعمل منذ أكثر من شهر كامل،‮ ‬إلا أنه‮ ‬يقول بمنتهي‮ ‬التفاؤل‮ » ‬ربنا هيفرجها إن شاء الله‮« ‬وكل ما‮ ‬يتمناه هو أن‮ ‬يأتي‮ ‬مقاول أنفار‮ ‬يبحث عن عمال لحفر قواعد اساس البنايات أو هدم خرسانة أو‮ ‬غيرها من أعمال المعمار حتي‮ ‬يتلقفه ويجد عملاء‮ ‬يكفيه هو واسرته التي‮ ‬لم تعرف سوي‮ ‬الخبز الجاف والجبن والملح طعاماً‮ ‬لشهور طويلة‮.‬

التقينا به جالسا علي‮ ‬الأرض،‮ ‬ساندا رأسه علي‮ ‬عدته،‮ ‬وحينما اقتربنا منه،‮ ‬رفع وجه لتظهر ملامحه عمرا أكبر بكثير ما هو عليه سألناه عن اسمه وحاله فقال‮: ‬اسمي‮ ‬أحمد عبدالمولي‮ ‬عمري‮ ‬40‮ ‬عاما،‮ ‬متزوج ولدي‮ ‬ثلاثة أبناء،‮ ‬خرجت من بلدتي‮ ‬بمحافظة المنيا بعد ان ضاقت بي‮ ‬سبل الرزق هناك،‮ ‬ومرض ابني‮ ‬الأكبر ـ عمر ـ‮ ‬10‮ ‬سنوات بمرض‮ ‬غريب في‮ ‬الدم،‮ ‬حار الأطباء فيه،‮ ‬فلم أجد أمامي‮ ‬بدا سوي‮ ‬الحضور للقاهرة علي‮ ‬أمل أن أحصل علي‮ ‬مال لتوفير نفقات علاجه التي‮ ‬تتكلف‮ ‬1000‮ ‬جنيها شهريا،‮ ‬ورغم أني‮ ‬أعمل طوال اليوم،‮ ‬إلا ان فترات الركود التي‮ ‬نمر بها في‮ ‬كثير من الأحيان تحول دون اكمال المبلغ‮ ‬للعلاج،‮ ‬ولكن ربنا لن‮ ‬ينسانها أبدا،‮ ‬فأبناء الحلال كثيرن‮ ‬يقدمون لنا ما‮ ‬يستطيعون وهو ما‮ ‬يجعلني‮ ‬أكمل مبلغ‮ ‬العلاج،‮ ‬أما مادون ذلك من طعام أو شراب فلا‮ ‬يهم‮ ‬،‮ ‬نحن نأكل أي‮ ‬شئ حتي‮ ‬لو كان عيش وملح المهم العلاج‮. ‬ولأن ثالوث الفقر والجهل والمرض هو الحاكم لمعظم هؤلاء العمال وأسرهم فيكشف لنا عبدالحميد السيد أن الفقر وقلة الرزق دفعاه لأن‮ ‬يخرج أبناءه الاربعة من المدارس،‮ ‬فالتعليم‮ ‬يحتاج لمصاريف‮ ‬غالية ونحن لا نقدر علي‮ ‬دفعها خاصة أننا لن نستطيع تدبير تكاليف الدروس الخصوصية ولا حتي‮ ‬مجموعات التقوية،‮ ‬لذلك أخرجت الأولاد من المدرسة ليعملوا في‮ ‬الحقول ويساعدوني‮ ‬في‮ ‬تكاليف الحياة،‮ ‬أما البنت الوحيدة فمصيرها للزواج وهي‮ ‬الآن تجلس في‮ ‬المنزل لرعاية أمها المريضة بينما أعمل أنا هنا لتوفير نفقات العلاج والطعام والشراب،‮ ‬وما‮ ‬يرزقنا به الله‮ ‬يكفينا والحمد لله‮. ‬

 

وأضاف أنا هنا آكل فول وطعمية ورغفين عيش في‮ ‬اليوم،‮ ‬لأدخر ما‮ ‬يمكنني‮ ‬إدخاره للأسرة وفي‮ ‬نهاية الشهر أسافر لهم ومعي‮ ‬مبلغ،‮ ‬نشتري‮ ‬منه كيلو لحمة،‮ ‬ثم نشتري‮ ‬العلاج،‮ ‬وما تبقي‮ ‬يصرف منه الأبناء باقي‮ ‬الشهر،‮ ‬والحمد لله أياما نقضيها علي‮ ‬ظهر الدنيا،‮ ‬وربنا‮ ‬يرحمنا دنيا وآخرة‮.‬

د‮. ‬سعيد صادق أستاذ الاجتماع السياسي‮:‬

تأمين هؤلاء العمال مسئولية الدولة ومؤسسات المجتمع المدني

يقول د‮. ‬سعيد صادق ـ أستاذ علم الاجتماع السياسي‮ ‬بالجامعة الأمريكية‮ - ‬لا شك أن عمال التراحيل جزء مهم من الاقتصاد‮ ‬غير الرسمي‮ ‬الذي‮ ‬يوجد في‮ ‬مصر،‮ ‬حيث إنه لا‮ ‬يوجد لديهم تأمين صحي‮ ‬أو تأمين اجتماعي،‮ ‬كما أنهم لا‮ ‬يحصلون علي‮ ‬أجور ثابتة بل‮ ‬يحصل العامل علي‮ ‬قوت‮ ‬يومه من فرص عمل قد تأتي‮ ‬أو لا تأتي‮.‬

يمثل عمال التراحيل حوالي‮ ‬40٪‮ ‬من العمال الموجودة في‮ ‬مصر وهي‮ ‬عمالة‮ ‬غير رسمية،‮ ‬وقد‮ ‬يرتبط هؤلاء بالقطاع الرسمي‮ ‬في‮ ‬الدولة بحيث تجدهم‮ ‬يقومون مثلاً‮ ‬بتدوير القمامة وإعادة تصنيعها وذلك بأجر قليل جداً،‮ ‬ويستفيد من وراءهم كبار التجار‮. ‬هذا مع العمل أن تلك الظاهرة ترتبط بهجرة الريف إلي‮ ‬المدينة،‮ ‬فنجد هؤلاء العمال‮ ‬يعملون في‮ ‬بعض الأعمال الهامشية،‮ ‬وقد تنقذهم هذه الأعمال من الوقوع في‮ ‬فخ البطالة،‮ ‬لذا فإن مواجهة تلك الظاهرة‮ ‬يكون بتحسين أوضاع تلك العمالة،‮ ‬مع ضرورة العمل علي‮ ‬مد الخدمات الاجتماعية لهم باختصار ان عمال التراحيل في‮ ‬مصر‮ ‬يحتاجون إلي‮ ‬حماية وإلي‮ ‬ظهر‮ ‬يؤمن لهم سبل العيش خاصة في‮ ‬مرحلة الكبر،‮ ‬ولعله من المهم أن‮ ‬يضع بقوة المجتمع المدني‮ ‬هذه القضية علي‮ ‬أجندته لحماية هؤلاء العمال‮.‬

أهم الاخبار