رضا واشنطن وتل أبيب لم‮ ‬يعد كافياً‮ ‬لبقاء الحكام العرب

ملفات محلية

الأربعاء, 19 يناير 2011 17:22
كتب - مجدي‮ ‬سلامة:

‮»‬99٪‮ ‬من أوراق اللعبة السياسية في‮ ‬يد أمريكا‮«.. ‬عبارة قالها الرئيس السادات في‮ ‬بداية السبعينيات،‮ ‬وبفعل التبعية والوهن العربي‮ ‬تطورت العبارة مع مطلع القرن الحالي‮ ‬فصارت تقول‮ »‬الوصول إلي‮ ‬قمة السلطة في‮ ‬البلاد العربية‮ ‬يبدأ من واشنطن ويمر بتل أبيب‮«.‬

لن نناقش دقة هذه العبارة،‮ ‬ولن نفتش في‮ ‬مدي‮ ‬انطباقها علي‮ ‬الرؤساء العرب،‮ ‬فالقضية الاخطر الآن هي‮ ‬ان ما حدث في‮ ‬تونس ادخل تعديلات جوهرية علي‮ ‬العبارة إياها،‮ ‬إن لم‮ ‬يكن قد اصابها في‮ ‬مقتل‮!‬

فإذا كان الواقع العربي‮ ‬يقول إن رضا أمريكا هو أحد أهم مسوغات تعيين الحكام العرب،‮ ‬وهو ما اعترف به صراحة الدكتور مصطفي‮ ‬الفقي،‮ ‬وهو رجل سياسة وخبير وشهد لسنوات طويلة ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬كواليس حكم مصر‮.‬

واذا كان الواقع‮ ‬يقول أيضاً‮ ‬إن رضا‮ »‬تل أبيب‮« ‬أهم كارت توصية لدي‮ ‬الادارة الامريكية لتعيين الحكام العرب‮..‬

إذا كان الواقع‮ ‬يقول هذا فإن شعب تونس أدخل تعديلات مهمة علي‮ ‬ما‮ ‬يقوله الواقع،‮ ‬وقال هو الآخر ان بقاء الحاكم في‮ ‬منصبه رهن بقبول الشعب،‮ ‬فالحاكم مهما نال تأييداً‮ ‬من واشنطن ومهما‮ ‬غرق في‮ ‬رضا‮ »‬تل أبيب‮« ‬فإن سلطانه‮ ‬يبقي‮ ‬مهدداً‮ ‬وبقاءه في‮ ‬السلطة‮ ‬يبقي‮ ‬رهناً‮ ‬برضا بني‮ ‬وطنه أو صبرهم وتحملهم،‮ ‬وكشفت ثورة شعب تونس ان الحاكم الذي‮ ‬يلتحف بأمريكا ويتسلح بالرضا السامي‮ ‬الاسرائيلي‮ ‬ثم‮ ‬يتصور أنه ضمن بذلك البقاء في‮ ‬السلطة مادام قلبه‮ ‬ينبض‮.. ‬مثل هذا الحاكم واهم،‮ ‬لان الكلمة الاخيرة للشعب‮.‬

وكشف التونسيون أيضاً‮ ‬أن امريكا واسرائيل‮ ‬يعاملون الحكام العرب الموالين لهم علي‮ ‬طريقة الغزاة في‮ ‬العصور الوسطي‮ ‬فالغزاة في‮ ‬زمن الاحتلال العسكري‮ ‬كانوا‮ ‬يستميلون إليهم بعض الخونة من أبناء الدولة التي‮ ‬يحتلونها‮.. ‬يستميلونهم بالمال حيناً‮ ‬وبالمناصب حيناً‮ ‬آخر،‮ ‬أو بكليهما معاً،‮ ‬وذلك مقابل ان‮ ‬يساعدوه ويثبتوا أقدامه في‮ ‬الدولة التي‮ ‬يحتلها‮.‬

والعجيب أن نهاية كل هؤلاء الخونة كانت مأساوية ولكن‮ ‬يبدو أن اغلب الحكام العرب لم‮ ‬يقرأوا التاريخ ولم تقع أعينهم أبداً‮ ‬علي‮ ‬حكمة مأثورة تتوارثها الشعوب العربية تقول‮ »‬آخرة خدمة الغز ـ أي‮ ‬الغزاه ـ علقة‮« ‬وهذا بالضبط ما تفعله امريكا وإسرائيل مع الحكام العرب الطائعن المطيعين لواشنطن وتل أبيب،‮ ‬فبعد ان‮ ‬يحصلا منهم علي‮

‬كل خدمات ممكنة وغير ممكنة أيضاً‮ ‬ينتهي‮ ‬الامر بالتخلص منهم واستبدالهم بحاكم آخر‮ ‬يقدمون خدمات أكثر وتنازلات أعمق وهذا ما حدث مع زين الفارين بن علي‮ ‬ـ كما‮ ‬يقول أهل تونس‮.‬

فتونس في‮ ‬عهد الزين اقامت علاقات مريبة بإسرائيل وعندما فر الزين كان‮ ‬21‮ ‬عميلاً‮ ‬اسرائيلياً‮ ‬للموساد موجودين داخل تونس وجميعهم اعادهم الموساد الي‮ ‬تل أبيب بأمان وسلام وحتي‮ ‬الآن لا أحد‮ ‬يعرف ماذا كان‮ ‬يفعل كل هؤلاء الاسرائيليين داخل تونس‮.‬

وحسب دراسات‮ ‬غربية فإن النشاط المخابراتي‮ ‬الاسرائيلي‮ ‬في‮ ‬تونس وصل الي‮ ‬مستوي‮ ‬قياسي‮ ‬منذ اختيار قادة منظمة التحرير الفلسطينية الإقامة في‮ ‬تونس عام‮ ‬1982،‮ ‬ووقتها كان زين العابدين بن علي‮ ‬هو وزير داخلية تونس‮.‬

وتؤكد أكثر من صحيفة امريكية أن مسئولين تونسيين رفيعي‮ ‬المستوي‮ ‬تعاونوا مع الموساد منذ ثمانينيات القرن الماضي‮ ‬وتجسد ذلك في‮ ‬اكثر من عملية قام بها الموساد داخل الاراضي‮ ‬التونسية،‮ ‬أشهرها بالطبع عملية اغتيال المناضل الفلسطيني‮ ‬أبو جهاد‮.‬

وبعد بضع سنوات من تولي‮ »‬زين العابدين‮« ‬رئاسة تونس أخذت العلاقات التونسية الاسرائيلية شكلاً‮ ‬علنياً‮ ‬ووافق الرئيس زين العابدين علي‮ ‬فتح مكتب رعاية مصالح اسرائيلية في‮ ‬تونس‮.‬

والثابت أن‮ »‬بن علي‮« ‬لم‮ ‬يتخذ اسرائيل سلماً‮ ‬لتقربه إلي‮ ‬رجال البيت الأبيض الامريكي،‮ ‬فلقد اقام علاقات وثيقة مع تل أبيب،‮ ‬وفي‮ ‬ذات الوقت كان علي‮ ‬علاقة وثيقة بالاجهزة الامنية والمخابراتية والعسكرية الأمريكية،‮ ‬لدرجة أنه شارك في‮ ‬تدريبات عسكرية في‮ ‬الولايات المتحدة حتي‮ ‬قبل ان‮ ‬يصبح رئيساً‮ ‬لتونس‮.‬

وتعكس موافقة‮ »‬بن علي‮« ‬اقامة قاعدة عسكرية امريكية في‮ ‬تونس عام‮ ‬2003‮ ‬أن علاقته مع واشنطن كانت علي‮ ‬احسن ما‮ ‬يكون وأنه لم‮ ‬يري‮ ‬مانعاً‮ ‬وطنياً‮ ‬أو عربياً‮ ‬أو اسلامياً‮ ‬أو اخلاقياً‮ ‬يحول دون الموافقة علي‮ ‬إقامة القاعدة العسكرية الامريكية فوق التراب الوطني‮ ‬التونسي‮.‬

وفوق هذا فإن برنامج التدريب العسكري‮ ‬المشترك بين تونس والولايات المتحدة الامريكية لم‮ ‬ينقطع أبداً‮ ‬منذ بداية

التسعينيات،‮ ‬منها مثلاً‮ ‬برامج التدريب الروتينية التي‮ ‬يشارك فيها ضباط تونسيون وتتم في‮ ‬الولايات المتحدة الامريكية وذكرت صحف امريكية بأنه تم إرسال قوات امريكية مع طائراتها في‮ ‬مهام عسكرية الي‮ ‬تونس أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة‮.‬

وربما كان ارتباط تونس ثقافياً‮ ‬ونفسياً‮ ‬مع فرنسا باعتبارها كانت تحت الاحتلال الفرنسي‮ ‬لمدة‮ ‬74‮ ‬عاماً،‮ ‬هو أحد الأسباب التي‮ ‬جعلت واشنطن تحاول بشتي‮ ‬الطرق مد جسور الود مع الرئيس التونسي‮ ‬المخلوع‮ »‬بن علي‮« ‬وذلك أملاً‮ ‬في‮ ‬التصدي‮ ‬للنفوذ الفرنسي‮ ‬في‮ ‬شمال أفريقيا من ناحية،‮ ‬وخلق موضع قدم لأمريكا في‮ ‬دول المغرب العربي‮ ‬من ناحية أخري،‮ ‬ولهذا وبينما كانت الادارة الامريكية تخفض حجم معوناتها الاقتصادية للدول الحليفة لها أصر الرئيس الامريكي‮ ‬السابق جورج دبليو بوش علي‮ ‬زيادة المعونات العسكرية والاقتصادية الي‮ ‬تونس بمقدار‮ ‬5‮ ‬ملايين دولار‮.‬

ويعكس هذا الموقف ان واشنطن كانت تعتبر‮ »‬بن علي‮« ‬أحد رجالها المخلصين في‮ ‬الشرق الأوسط والسؤال هنا‮: ‬لماذا لم تتدخل امريكا لحماية رجلها في‮ ‬تونس؟‮.. ‬لماذا تركته‮ ‬يفر مذعوراً‮ ‬دون ان تمد له‮ ‬يد العون؟‮.. ‬يجيب اللواء عادل سليمان مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية‮: »‬أمريكا تعاملت مع‮ »‬بن علي‮« ‬طبقاً‮ ‬للقاعدة التي‮ ‬تتعامل بها مع كل حلفائها هي‮ ‬تغليب المصالح العليا لواشنطن،‮ ‬فأمريكا لا تدعم شخصاً‮ ‬بسبب علاقته الوثيقة بها ولا بسبب خدماته التي‮ ‬يقدمها لواشنطن ولكنها تدعمه مادام محققاً‮ ‬للمصالح الامريكية وعندما‮ ‬يفقد هذا الشخص ما‮ ‬يمكنه من خدمة المصالح الامريكية فإنها تتخلي‮ ‬فورا عنه‮«.‬

سألته ولكن بن علي‮ ‬لم‮ ‬يكن رجلاً‮ ‬عادياً‮ ‬بالنسبة لواشنطن فالأنباء تؤكد أنه كان علي‮ ‬علاقة بالمخابرات الامريكية أي‮ ‬انه كان مخلصاً‮ ‬إلي‮ ‬أبعد الحدود لأمريكا؟

اللواء عادل سليمان‮: ‬أي‮ ‬رئيس دولة له علاقات مع أجهزة المخابرات العالمية وبالتالي‮ ‬القضية ليست في‮ ‬هذه العلاقة وانما في‮ ‬شكل تلك العلاقة فهل هي‮ ‬تتم في‮ ‬اطارها السليم أي‮ ‬بما‮ ‬يحقق مصالح الدولة التي‮ ‬يرأسها من‮ ‬يتعامل مع‮ ‬cia‮ ‬أم أنه‮ ‬يستغل تلك العلاقة لتحقيق مصالح خاصة،‮ ‬وفي‮ ‬كلتا الحالتين فإن واشنطن كما قلت لا تدعم سوي‮ ‬من‮ ‬يحقق مصالحها ولا‮ ‬يهمها أي‮ ‬شيء آخر واذا كان‮ »‬زين العابدين‮« ‬كان أحد رجالها فإن لديها من الوسائل ما‮ ‬يمكنها من تجنيد ألف من مثل‮ »‬زين العابدين‮« ‬يخدمون مصالحها‮.‬

وفي‮ ‬ذات الاتجاه‮ ‬يشير السفير عبد الرؤوف الريدي‮ ‬سفير مصر السابق في‮ ‬واشنطن الي‮ ‬ان امريكا رحبت بتولي‮ »‬زين العابدين بن علي‮« ‬حكم تونس عام‮ ‬1987،‮ ‬وخلال سنوات حكمه ارتبط‮ »‬بن علي‮« ‬بعلاقات قوية مع أمريكا بجانب علاقته التقليدية القوية مع فرنسا‮.‬

ويضيف في‮ ‬تونس الشعب ثار وهاج وخلع‮ »‬زين العابدين‮« ‬ولم‮ ‬يكن امام واشنطن سوي‮ ‬تركه لمصيره‮ »‬ما كانش ممكن تعمله حاجة‮«.. ‬خلاص الموضوع خرج من ايديهم‮.‬

 

أهم الاخبار