رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إعلان الحرب على الحرب

مقالات الرأى

الاثنين, 04 مايو 2015 20:41
د. محمد يونس

نعيش مفارقة عجيبة تنطلق من التناقض بين قيم الإسلام وواقع المسلمين اليوم، ففي حين أن اسم ديننا مشتق من السلم، وتحية المسلمين في معاشهم ومعادهم هي السلام الذي به نبدأ لقاءاتنا وننهيها، بل إن هذا المعنى نردده بصلواتنا أكثر من 10 مرات يومياً، إلا أن ثقافة السلم تغيب في وعينا أو هكذا يبدو حال المجتمعات الإسلامية التي تشهد الكثير من مظاهر الحروب والنزاعات وسفك الدماء.

هذه المفارقة دعت نخبة من علماء الدين والباحثين لمناقشة وسائل مواجهة العنف والمخاطر التي تحدق بالأمة، وذلك تحت مظلة «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» الذي انعقدت دورته الثانية خلال الأيام القليلة الماضية في أبو ظبي بحضور الإمام الأكبر شيخ الأزهر و60 عالماً وباحثاً بالعلوم الدينية.
استهدف اللقاء السعي لخلق تيار سلام قوي بالمجتمعات المسلمة يناهض تيار الغلو والتطرف. وركزت مناقشاته على تأصيل قيم السلم في الإسلام، وتصحيح المفاهيم والمصطلحات المغلوطة، تجديداً لجذوة البعد الإنساني الشفيف في روح الدين الحنيف؛ بما يليق بسمو الإسلام وقيمه الأخلاقية، المتعالية على الأحقاد والكراهية وكل أشكال العنف والمظلمات.
واهتمت أيضا بالكشف عن بنية السلم الثقافية، المتماهية مع روح القرآن وجوهر السنة النبوية الشريفة منذ فجر الإسلام، معززة بإرث غني من الدراسات والشرعية، التي تؤطر مفاهيم السلم ومنهجياته على المستويات المعرفية والثقافية،

انطلاقاً من القاعدة الفقهية، التي اعتمدها السلف على مدى قرون، ومفادها: «أن المسلم والكافر فى مصاب الدنيا سواء».
لفت نظري أفكار فارقة وثرية، من أبرزها أن الإنصاف في النقاش مع الخصوم، كما أمر به القرآن الكريم يؤسس للصلح والسلم، في حين تؤسس الخشونة ومحاولة السيطرة على الغير ومصادرة آرائهم لكل الحروب. لذلك يبدأ السلم من المساحة التي نرى فيها أن للآخر حقوقاً.
في هذا السياق عرض الدكتور عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الإيراني الأسبق، أطروحة تؤكد أن حق الاختلاف والتعبير عن الذات من أولويات الحقوق، التي أولاها القرآن الكريم عناية كبيرة، فيقول تعالى: «قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ» – (سبأ الآيات 24- 26).
ويلاحظ أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- يقول للخصم في النقاش دعك من الحديث عن الماضي: «قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» أي لا تؤخذون بجرمنا ولا نؤخذ
بجرمكم. بمعنى أن النقاش الذي يبدأ بذكر أخطاء الآخر أو جرائمه سوف يؤدي إلى التباعد، فالقطيعة، والحرب، بينما يفتح تجاهل ذلك أفقاً إيجابياً لاستمرارية النقاش.
وخلُص الدكتور مهاجراني إلى أن هذا الاسلوب من النقاش يقوم على فلسفة السلم والصلح والوئام لا على الحرب والخصام. وهذا ما يدعو جميع العلماء والمفكرين إلى الانخراط في جبهة «إعلان الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلماً على سلم»، بحسب ما نادى به العلامة عبدالله بن بية رئيس المنتدى.
وكشف المنتدى عن غياب ثقافة السلم بالمجتمعات الإسلامية بينما تتمدد ثقافة العنف الذي يبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير نتيجة عوامل عديدة من الظلم حصرها في الخطاب الديني الخاطئ السائد لدى بعض المتطرفين.
هذا ما نبه إليه الإمام الأكبر شيخ الأزهر قائلاً: «إن الحملات التي تشنها وسائل الإعلام على الخطاب الديني باعتباره المسئول عن ظهور «داعش» وأخواتها، تتصف بالسطحية في تبسيط الأمور، وهي إذ تختزل أسباب ظهور هذه الجماعات في سبب واحد هو الخطاب الديني فإنها تتغافل عن عوامل أخرى دفينة دفعت بهؤلاء الشباب إلى انتهاج العنف المسلح».
وقال إن «الإخفاقات المتتالية وثقافة التهميش التي عاشها هذا الجيل على أكثر من مستوى أسهمت إسهاماً واضحاً في شعور الكثيرين بالإحباط واليأس، وبخاصة الإخفاقات السياسية والاقتصادية والنفسية، مشيراً إلى أن الخطاب الديني وحده ليس هو الحل، بل هو جزء من حل المشكلة، فهناك خطابات عدة سياسية واقتصادية وتعليمية وثقافية وإعلامية وفنية كانت كلها معاول هدم وتحطيم لآمال الناس وأحلامهم وتحتاج الآن إلى إصلاح لا يقل شأناً ولا خطراً عن إصلاح الخطاب الديني.
أعتقد أن الأمام الأكبر يضع بذلك البداية الصحيحة لمواجهة هذه القضية، فهل من مستجيب؟
[email protected]

ا