تساؤلات حول السياسات الزراعية المتخبطة

مقالات الرأى

الجمعة, 18 أبريل 2014 22:10
د. عبدالعظيم الطنطاوي بدوى

 

يعتبر قطاع الزراعة في مصر قطاعاً نشطاً يسهم بدور فعال في الاقتصاد المصري، حيث يشارك بنسبة 20% من إجمالي الناتج المحلي ويستوعب ما يزيد علي 30% من العمالة

المصرية، 14.8% من جملة الصادرات السلعية غير البترولية، كما يؤمن جانبا من خامات الصناعات الزراعية، ويتيح فرص عمل لما يقرب من 27% من السكان، إلا أن الزراعة المصرية تعاني أزمة حقيقية، فمساحة الأرض المنزرعة التي تقدر بـ 8.5 مليون فدان لا تكفي الاحتياجات الغذائية تحديداً، إذ تبلغ مساهمة الإنتاج الزراعي 50% فقط من الحاجة لمحاصيل القمح والذرة والفول، 2% للعدس، 8 لزيوت الطعام، 68% للسكر واللحوم والألبان المجففة والزبد البقري، ونظراً لندرة الموارد الطبيعية من أرض ومياه وانتشار الكثير من الأمراض والأوبئة النباتية والحيوانية وتوسيع دائرة الفقر الريفي، يتوقع أن تزيد الفجوة الغذائية مستقبلاً نظراً للمشاكل الزراعية والتسويقية التي تواجه المزارعين من عدم توفير مدخلات الإنتاج من أسمدة وتقاوي ومبيدات بالأسعار والجودة المناسبة.
هذا فضلاً عن مشاكل تسويق مخرجات الإنتاج من المحاصيل المختلفة وترك المزارعين فريسة للتجار والوسطاء ومحتكري السلع الغذائية والمستفيدين من مصدري ومستوردي تلك السلع الغذائية المقربين من متخذي القرار، وهذا يؤدي إلي اتخاذ قرارات تسويقية غير مدروسة خاصة باستيراد وتصدير المنتجات الزراعية تصب في صالح تلك الفئة وتسبب ضرراً بالغاً بالاقتصاد القومي والمزارعين والمتاجرة بقوتهم, مما ينتج عن تلك السياسات عزوف كثير من المزارعين عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية المهمة وهذا ينعكس علي زيادة الفجوة الغذائية وارتفاع فاتورة استيراد تلك السلع الغذائية مما يشكل عبئاً علي الموازنة العامة للدولة عام بعد الآخر.
تلك السياسات تؤدي مستقبلاً إلي أن تصبح مصر مستورداً كاملاً للغذاء بعد ارتفاع الفجوة الغذائية خلال الثلاث سنوات السابقة إلي 60% من حاجة البلاد من الغذاء وفي هذا الصدد طالعتنا الصحف بتصريح وزير التموين بالبدء في استيراد الأرز من الخارج لتغطية متطلبات بطاقات التموين بداية من شهر إبريل 2014.
فيما يتعلق بمحصول الأرز لهذا العام 2014 وما هو معلوم وموثق بوزارة التموين ووزارة الزراعة، يوجد في مصر علي الأقل نصف مليون طن أرز أبيض زيادة عن الحاجة من الإنتاج المحلي للأرز المصري لموسم 2013 فلماذا الاستيراد؟.. هذا فضلاً عن أن الأرز المصري يتميز بجودة عالية ويحقق أعلي سعر في السوق العالمي حوالي 980 دولاراً للطن، بينما الأرز المستورد لا يقبل عليه المستهلك المصري نظراً

لاختلاف نمط الاستهلاك سواء للأرز طويل أو متوسط الحبة، حيث أنه مرتفع في نسبة الاميلوز ويكون جاف بعد الطهي ولا يقبل عليه المستهلك المصري.
وقد سبق استيراد تلك النوعية من الأرز من الخارج وتم توزيعها علي بطاقات التموين بنفس سعر الأرز المصري ولم يقبل عليها المستهلك المصري وقدم علفاً للإنتاج الحيواني، فكيف يتم مساواة الأرز المستورد الذي يستورد بسعر 420 دولاراً للطن، بالأرز المصري الذي يصدر بسعر 980 دولاراً للطن، بذلك يكون هناك خسارة حوالي 560 دولاراً للطن بجملة حوالي 280 مليون دولار علي الخزانة العامة الدولة إذا ما تم تصدير نصف مليون طن من الأرز المحلي الزائد عن حاجة الاستهلاك المحلي وعدم استيراد أرز من الخارج، حيث إن مصر حققت الاكتفاء الذاتي  من سلعة الأرز وتصدير الفائض منذ سنوات وحتي هذا العام، وكانت مصر تصدر سنوياً حوالي مليون طن أرز أبيض يحقق عائد حوالي مليار دولار سنوياً قبل إيقاف تصدير الأرز في عام 2008.
إن ما يحدث من سياسات متخبطة ومغرضة لمصلحة فئة معينة وفي غير صالح الدول والمزارعين، فعلي سبيل المثال هذا العام موسم 2013/2014 كيف يتم وقف تصدير الأرز أثناء الحصاد بداية من شهر سبتمبر مما أدي إلي انخفاض سعره إلي 1700 جنيه للطن، ثم تم فتح التصدير في نوفمبر من نفس العام بعد انتهاء الحصاد مباشرة بعد أن تم تخزينه لدي التجار ومحتكري السلعة بتلك الأسعار المخفضة ليرتفع السعر مرة أخري بعد فتح التصدير إلي 2300 جنيه للطن لمصلحة من هذا الفرق في السعر خلال شهر، ثم أوقف التصدير في نفس الشهر (في نوفمبر) وانخفض السعر مرة أخري إلي 2000 جنيه للطن والآن تتجه الحكومة إلي فتح استيراد الأرز في مارس من الخارج هذه السياسة سوف تؤدي إلي القضاء علي الأرز المصري نهائياً واستيراد سلعة لا يقبل عليها المستهلك المصري لانخفاض الجودة لهذه النوعية من الأرز المستورد إلي أدني مستوي.
هذا دليل علي أن الذي يوجه السياسة التسويقية للمنتجات الزراعية مجموعة المستفيدين والمقربين من الوزراء ولا أحد يفكر في مصلحة البلد وتشجيع الزراعة ومنع الاحتكار ووضع سياسة تسويق عادلة لمنتجاتنا الزراعية وعدم ترك المزارعين فريسة للتجار والمحتكرين مما سوف ينعكس بالسلب علي الزراعة المصرية وارتفاع فاتورة استيراد الغذاء وهجرة المزارعين للأرض الزراعية وتحويلها إلي كتل خرسانية.


رئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق