الرئيس القادم وتحديات الثورة (1/2)

مقالات الرأى

السبت, 18 يناير 2014 23:06
لواء بالمعاش أحمد عبدالفتاح هميمى

< فى مقالٍ سابق نُشر فى هذه  فى هذه الصحيفة الغراء يوم 5/1 تحت عنوان «الاستفتاء على استقلال وكرامة وطن», تحدثتُ عن المغزى الجوهرى للاستفتاء يومى 14 و15 يناير 2014, وأنه ليس استفتاءً على  الوثيقة الدستورية, بقدر ما هو استفتاءً على تأكيد وتقنين إرادة هذا الشعب الوطنية, التى عبّر عنها بثورته فى 30 يونية 2013, من أجل الحفاظ على استقلال وكرامة الوطن, والتصدى لكل المخططات الأجنبية التى تستهدف أمنه القومى, وإسقاط نظام الحكم الذى تآمر لتحقيق تلك المخططات, ثم تأكيد وإبراز إصرار الشعب على الاستمرار فى طريق تحقيق باقى أهداف ثورته, رغم ما يواجهه من عدائيات الخارج والداخل.

< وها هى نتيجة الاستفتاء تعلن عن انتصار الشعب, وأنه صاحب الكلمةِ العليا والإرادةِ الواعية الحرة, وأن ثورته بأهدافها الوطنية النبيلة, هى ثورة حقيقيةٌ بكل المعايير السياسية والتاريخية, ثم هى رسالةٌ واضحةٌ ومحددةٌ لكل دول العالم, مضمونها وفحواها قول الشاعر: إذا الشعب يوماً أراد الحياة, فلابد أن يستجيبَ القدر, ولابد لليلِ أن ينجلي, ولابد للقيدِ أن ينكسر.
< إن عظمة هذا الاستفتاء وقوة مدلوله, ليست من نسبة المشاركة فيه فحسب, ولكنها تكمن فى أمورٍ أهم, من بينها أنه استفتاءٌ أتيحت المشاركة فيه لكل المصريين دون إقصاءٍ أو تمييز, وتوافرت له كل الضمانات القانونية والعملية, وتضافرت فيه جهودُ كلِ مؤسسات الدولة وأجهزتها الاعلامية, فى تناغمٍ رائع كفل أداءً لوجستياً جيداً, وعبّر بجلاءٍ عن إرادة الدولة السياسية بالالتزام بالنزاهة والشفافية, فضلاً عن المراقبة - غيرِ المسبوقة شكلاً وعدداً - من جانب العديد من الجهات

الرسمية والمنظمات الدولية والحقوقية والأهلية والإعلامية, وجرت فى ظل عداءٍ ظاهرٍ وتربصٍ من بعض القوى الأجنبية للثورة المصرية, وجرائم لأذناب تلك القوى بالداخل, ومع ذلك تشير تقارير المراقبة فى مجملها, إلى سلامة المنظومة الاستفتائية برمتها, والإشادة بالقائمين عليها.
< إن نتيجة هذا الاستفتاء سوف تظل علامةً مضيئةً فى تاريخ النضال الوطنى, وستكون بحقٍ هى حجر الأساس لتحقيق أهداف الثورة, وبناء مستقبل مصر المنشود, وهنا يأتى حديثنا عن الخطوة التالية المرتقبة, والتى أعتقد أنها ستبدأ بقرارٍ من السيد رئيس الجمهورية المؤقت, بإجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ بعد شهرٍ ونصف على الأكثر, وقراره بذلك لن تشوبه شائبة, سواءً من الناحية السياسية المرتبطة بخارطة المستقبل, حيث أجمعت القوى الوطنية على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية, أو من الناحية القانونية, حيث سيكون قراره مستنداً الى نص المادة رقم 230 من الدستور الجديد ووفقاً لما له من صلاحياتٍ تشريعيةٍ مؤقتةٍ تجيز له تحديد إجراءات الانتخاب.
< نأتى بعد ذلك للحديث عن الرئيس القادم - بغض النظر عن شخصه ومرجعياته الوظيفية - فأعتقد أن فترة ولايته الأولى ستكون فترةً تاريخيةً فارقةً, بل لا نبالغ إذا اعتبرناها أهم وأخطر مرحلةٍ فى تاريخ مصر الحديث, وذلك لأن العالم بأسره أصبح الآن مسرحاً لصراعاتٍ دوليةٍ مشتعلة وتصادم أيديولوجيات محتدم, وفى ظل استئثار دولةٍ وحيدة بكل عناصر القوة,
مع غياب قيم الحق والعدل والإنسانية, فإن الجارى على المسرح العالمى منذ نحو ثلاثة عقود, ما هو إلا تنفيذٌ لمخطط عنصرى, يهدف إلى إعادة تقسيم وترتيب الخريطة السياسية للعالم أجمع, وفقاً لموازين القوة الجديدة, وبما يتفق مع أيديولوجية ومصالح هذه القوة أو تلك.
< ولقد كان المخطط لمصر فى هذا الإطار - شأنها شأن محيطها الإقليمى - أن يتم أولا انتزاع سيادتها من بعض أرضها, ثم يتم تقسيمها بعد ذلك إلى أربع دول, فيتحقق الأمن الأزلى لإسرائيل, حسبما يعتقد اللوبى الأمريكى الصهيونى.
وهنا نستطيع القول بكل فخرٍ واعتزاز, إن شرارة ثورة 30 يونية, استطاعت أن توقف هذا المخطط, وتفرض على أصحابه مراجعة حساباتهم وإعادة النظر فى المسار كله من جديد. ومن هنا أيضاً يأتى التحدى الأكبر الذي يواجه الرئيس القادم, وهو تحقيق أهم أهداف الثورة على محورها السياسى, والمتمثل فى الحفاظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه, وتحرير الإرادة الوطنية من كل صور الهيمنة والتبعية, واستعادة وترسيخ الدور الرائد لمصر على الساحة الدولية, بما يليق بمكانتها وتاريخها وحضارتها.
< إن هذا التحدى يحتم علينا أن نتخلص من الاعتقاد الخاطئ بأن الولايات المتحدة الأمريكية هى الحبل السُرى الذى يمدنا بالحياه, ويحتم على الرئيس القادم أن يقيم علاقاتٍ استراتيجيةً مدروسةً مع الشرق, ولكن دون فصامٍ أو عداءٍ مع الغرب الذى يجب أن  نجرى معه حواراً تفاوضياً عاجلاً, وبمنطق عقائدى- وأكرر بمنطقٍ عقائدى - حتى يتسنى الاتفاق على اُطرٍ أمنيةٍ تحقق مصالحه دون إخلالٍ بأمننا القومى. وحتى ينجح الرئيس القادم فى هذا التحدى, فلابد أن يكون مدعوماً بحب شعبه والتفافه من حوله وتماسكه من خلفه, فتلك هى قوته الحقيقية التى تمكنه من مواجهة الغرب والتعامل مع الشرق, وعليه فى نفس الوقت أن يعيد توحيد الصف العربى حوله, فهو العمق الأمنى الاستراتيجى لمصر, بحكم التاريخ والثقافة والجغرافيا, فلا مكانةَ لمصر تحسب لها دون عالمها العربى.
< وللحديث بقية عن تحديات المحاور الأخرى التى تنتظر الرئيس القادم.
‏E-Mail :[email protected]