رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

السماحة في مواجهة الجهالة

مقالات الرأى

الاثنين, 30 سبتمبر 2013 21:57
أحمد الطاهر

أعجبتني السماحة والنبل اللتان كانتا السمة الواضحة على السيدة جيهان السادات زوجة الشهيد البطل خالد الذكر أنور السادات بطل الحرب والسلام.

وذلك في لقائها مع الإعلامي الذي يشع نورا وائل الإبراشي في برنامجه العاشرة مساء على قناة دريم منذ أيام قلائل. ما هذه السماحة وما هذا النبل لسيدة ترملت بعد مقتل زوجها البطل الذي رفع علم مصر خفاقاً بعد أن انتكس في يونيو 1967 والقتلة المجرمون يختارون يوم نصره وجلوسه في ذكرى أكتوبر ليشاهد جنوده الأبطال يمرون أمامه في استعراض عسكري بديع وأبدا لم يكن ليستحق هذه النهاية المأساوية ليموت بعد أن أحيا مصر.
لقد تكلمت السيدة الفاضلة عمن قتلوا زوجها البطل بكل السماحة والنبل وبلا أي بادرة إحساس بالانتقام أو التشفي بعدما حدث لجماعة الإخوان أخيراً .. بالعكس.. لم تر بأساً من أن يخرج قاتل زوجها من السجن عبود الزمر بعدما قضى مدة العقوبة.. إنها تكلمت عن جماعة الإخوان المسلمين بروح إنسانية شفافة تسمو على كل الأضغان.. بل إنها تذكرت أيام صباها عندما كانت تقطن في الروضة وكان قريبا من مسكنها منزل الهضيبي مرشد الإخوان وقتها وأنها كانت متعاطفة مع هذه الجماعة ظناً منها أنها تدعو إلى دين الله فكانت تلم القروش من مصروفها ومن مصروف زميلاتها وتذهب بنفسها إلى بيت المرشد القريب من مسكنها وتعطيه المظروف وما به من قروش.. وكان يبتسم لها شاكراً على هذا التبرع البسيط وإن كان كبيرا في الإحساس والتقدير .. وقالت إنها كانت تشعر بسعادة كبيرة حين تصنع ذلك مرة ومرات رغم أن القروش التي كانت تقدمها بسيطة لكن العبرة هي المشاعر الإنسانية الفياضة لصبية ترى أنها لابد أن تساعد هذه الجماعة المضطهدة التي تعرف الله وتدعو له – هذا ما كانت تعتقده الصبية الصغيرة التي كبرت وتزوجت ضابطاً في الجيش المصري يدعي أنور السادات والذي ستصير معه بعد سنوات زوجة لرئيس مصر والسيدة الأولى.. وأن النهاية المفجعة لهذا الزوج العظيم ستكون على أيدي نفر من الجماعة التي كانت تتعاطف معهم وهي فتاة صغيرة وتقدم لهم المساعدة المادية البسيطة منها ومن صديقاتها..
لقد أعادتني كلماتها وعباراتها الرائعة إلى زمن بعيد حين توفى الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 وكنت أسكن قريبا جدا من منزله بمنشية

البكري في شقة مخصصة للحرس بآخر شارع الحكماء كان بها أحد بلدياتي من أفراد الحرس الجمهوري ومكثت بها طوال سنوات الدراسة الجامعية حتى تخرجت في يونيو 1970 قبل شهور قليلة من موت الزعيم وأثناء هذه السنوات كنت قد تعرفت على خالد ابن الزعيم وكان طالبا جامعيا أيضا كما كان يصلي الجمعة كل أسبوع في مسجد صغير بالعمارة المقابلة للمنزل الذي أقطن به ومن هذا كان التعارف.. وحين علمت بوفاة جمال عبد الناصر. ارتديت ملابسي وأنا في حالة ضياع تقريبا واندفعت إلى منزله ودخلت لأعبر الحديقة الصغيرة ثم إلى الهول المواجه لأراني أمام كل رجالات الثورة وآخرين واحتضنت خالد الذي كان يقف مع حسين الشافعي وعلي صبري لمقابلة الحضور.. ثم جلست لأنظر في الوجوه التي كنت أراها في التليفزيون .. ورأيت أنور السادات جالسا صامتاً في ركن بالمكان الفسيح رأيته ممعن التفكير شديد الحزن واندهشت وقتها لشدة سمرة بشرته وعلامة الصلاة في أعلى جبهته.. تأملته كثيرا ولم يخرج عن جلسته ولا عن الصمت الذي هو فيه.. كان وقتها نائباً للرئيس وتعجبت كيف لا يكون هو من يقف ليقابل الحضور بحكم منصبه ولا أدري فيما كان استغراق السادات في التفكير في جلسته وعدم اندماجه مع باقي زملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة المتواجدين جميعا.. هل كان حزنه على صاحبه الذي سقط فجأة وترك وراءه جبلاً ثقيلاً على نائبه أن يحمله.. أم نراه كان يفكر في الطريقة التي يتخلص بها من زملاء الثورة الذين كانوا لا يعتدون به كثيرا ويتصرفون وكأنه ليس نائبا للرئيس والذي سيصير رئيسا، وهو ما صنعه بعد ذلك وبكل حنكة وصبر فيما عرف بثورة التصحيح حيث قضى على ما سمي بمراكز القوى من زملاء الأمس الذين رآهم عقبة في طريق طموحاته وأحلامه.. ربما هذا هو المشهد الذي رأيت فيه أنور السادات رأي العين لأول مرة ولست أدري إن كنت أكبرته في صمته أم توجست منه
خيفة.
- أعجبني أيضا في حديث السيدة الفاضلة ثناؤها على الفريق عبد الفتاح السيسي بل ورغبتها أن يكون رئيسا لمصر في الفترة القادمة وذلك لكونه رجلا قويا شجاعاً يعرف متى يأخذ قراره في الوقت المناسب وهي صفة الزعماء وكان زوجها البطل كذلك حين أخذ قرار الحرب مع إسرائيل في الوقت المناسب.. وتغنى له عبد الحليم حافظ في ذلك بالأغنية الشهيرة .. عاش اللي قال الكلمة في الوقت المناسب .. وحينما سألها الإبراشي عن المشير طنطاوي وكيف أنه تساهل مع جماعة الإخوان قالت إنها كانت تتمنى أن يكون المشير في قوة وشجاعة السيسي ولو كان ما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.
كانت ملاحظاتها جيدة وتنم عن سعة صدر وإحساس وطني قوي. ولم تنس البسطاء ولا المهمشين في حديثها وأن على الدولة أن تعمل على رفع المعاناة عن فئات كثيرة من بسطاء مصر والذين يعيشون في ظروف صعبة ويتحملون أملا في المستقبل المنشود الذي تتحق فيه أحلام ثورة 25 يناير و 30 يونيو في الحرية والعيش الكريم والعدالة الإنسانية والديمقراطية الحقيقية – ولم تجد حرجا في أن تثني على الرئيس المعزول حين أهدى زوجها البطل «نجمة سيناء» فقد تحدثت عنه بكل الامتنان والتقدير وقالت إنها طلبتها من مبارك ولم يستجب لها .. أنها نفس صافية لإنسانة راقية.. تعطي كل ذي حق حقه .. وتدافع عن وطنها بكل إخلاص.
إن البطل الأسطوري أنور السادات الذي هزم إسرائيل وحطم المانع القوي لخط بارليف وأعاد الكرامة للجيش المصري بعد هزيمته في 1967 هذا البطل والقائد الفذ أحسن الاختيار حين تزوج هذه السيدة الفاضلة ذات الروح الراقية النبيلة والتي تسمو فوق ذرائع النفوس البشرية من ضغائن وأحقاد فحتى حينما سألها الابراشي عن مشهد الاحتفال بذكرى أكتوبر الماضي وكيف أن قتلة السادات من عائلة الزمر كانوا في الصف الأول .. استاءت وعلقت على ذلك بلا ضيق أو غضب أو ألفاظ صعبة ولها حق إن فعلت ذلك كله .. لكنها قالت أن ذلك لم يعجبها ولم يكن لائقا أبداً أن يجلس قتلة السادات في الصف الأول في الاحتفال بيوم أكتوبر الذي هو يوم زوجها الشهيد.
لقد كان الابراشي موفقا حين استضاف جيهان السادات وكانت السيدة التي مازالت مكلومة على زوجها البطل أكثر من إنسان وأكثر من رائعة .. أدعو لها بطول العمر وبالصحة والعافية وأن يعوضها الله خيرا عن مصابها الذي لا ينسى أبدا وعن أيامها الصعبة التي عاشتها من بعده. وليت قتلة زوجها البطل الشهيد شاهدوا هذه الحلقة لكي يخجلوا من أنفسهم إن كانت بقيت لهم مشاعر إنسانية كباقي خلق الله – وللأسف فهم ومن يتبعوهم مازالوا قتلة يمارسون العنف والغدر والقتل والحرق لمصر وشعبها الطيب الذي يعيشون بينه متسترين به – لكن ذلك لن يدوم .. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ...) صدق الله العظيم.