سينمائيات

سيدة لكل العصور

مقالات الرأى

الأربعاء, 02 مايو 2012 08:56
بقلم :مصطفي درويش

كلمة «ليدي» تعني بالعربية «سيدة رفيعة المستوي» وأحياناً تعني في المملكة المتحدة لقباً شرفياً، يمنح للنساء اللواتي قمن بأداء عمل كان من شأنه إعلاء شأن الوطن.
ومن هنا منح «مارجريت تاتشر» لقب «ليدي» تكريماً لها عما قدمته من خدمات للمملكة أثناء توليها رئاسة مجلس الوزراء، وعندما جري إنتاج فيلم موضوعه يدور وجوداً وعدماً حول سيرتها، وقع الاختيار علي «الليدي الحديدية» عنواناً له، وليس «المرأة الحديدية» كما جري ترجمته، علي نحو سوقي، إلي اللغة العربية.

كل ذلك أقوله بمناسبة فيلم موضوعه هو الآخر يدور حول سيرة سيدة ليست كغيرها من نساء العالم الحر، حيث تزدهر الحرية وتحترم حقوق الإنسان.
وتحديداً ليست مثل الليدي «مارجريت تاتشر» بل النقيض لها تماماً أنها «أونج سان سوكي» وطنها «بورما» حيث ولدت وقت أن كانت «بورما» مستعمرة بريطانية، في امبراطورية شمسها آخذة في الغروب.
والآن وبعد الاستقلال فبدلاً من اسم «بورما» أصبح اسمها «ميانمار»، أما الفيلم الذي يدور موضوعه حول سيرتها، أي «سوكي» فعنوانه من كلمة واحدة «الليدي» والمقصود به أن الفيلم يتناول سيرة سيدة غير عادية صاحبة مقام رفيع، فما الذي جعلها سيدة غير سائر النساء بحيث يصنع فيلماً روائياً طويلاً من نوع الإنتاج الضخم عن سيرتها أثناء حياتها، وهو بالنسبة لجنس النساء أمر نادر الحدوث، في دنيا السينما، خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار أنها طوال حياتها وحتي يومنا هذا لم تشغل مركزاً مرموقاً مثل الليدي «مارجريت تاتشر» كما أنها خارج وطنها «ميانمار» وعدد آخر من البلدان الآسيوية ليست من المشاهير.
تميزت «سوكي» عن غيرها من نساء جيلها، شرقاً وغرباً بنضالها الباسل والمتواصل من أجل تحرير وطنها «بورما» المكبل

بالأغلال من براثن الطغمة العسكرية التي استبدت بحكم البلاد، منذ انقلابها علي النظام الديمقراطي واستبدالها به نظاماً ديكتاتورياً سافراً في وحشيته، وإهداره لكل ما هو متصل بكرامة الإنسان وحقوقه.
وتميزها هذا هو الذي حفز «لوك بيسون» إلي إخراج فيلم عن سيرتها.. و«بيسون» واحد من مشاهير السينما العالمية وغير معروف لنا في مصر لأن معظم أفلامه لم تتح لها فرصة العرض العام عندنا، إما لأسباب رقابية أو غيرها من أسباب.. ولقد أتاح له مهرجان الدوحة «ترابيكا» الأخير أن تستهل عروضه وتختتم بفيلمين من إخراجه.
أولهما «الذهب الأسود» وثانيهما «الليدي» الذي كان بحق مسك الختام وإهداء لمناضلة قل أن يجود بمثلها الزمان.. يستهل «بيسون» فيلمه، وقبل ظهور عنوانه «بسوكي» صغيرة ليس لها من العمر سوي ثلاثة أعوام، في حضن ابيها، يحكي لها بناء علي طلبها حكاية بورما، وقت أن كان بلداً غنياً بطبيعة سخية، زاخرة بالماس والنمور والأفيال.
ويخرج من الحديقة الغناء ليدلف إلي مبني حيث يقيم، ثم يستقل سيارة تتجه به إلي مبني حكومي حيث يجتمع مع بعض الرفاق، للعمل من أجل «بورما» مستقلة، ديمقراطية وما هي إلا بضع دقائق حتي يقتحم جنود مكان الاجتماع ويغتالوه هو ومن معه من الرفاق.
بعد هذا الحدث الفاجع «1947» تمر الأيام أعواماً بعد أعوام حتي تصل بنا إلي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، حيث تعيش «سوكي» في مدينة أوكسفورد مع زوجها الأستاذ الإنجليزي بالجامعة،
وابنيهما التوأم حياة سعيدة إلي أن يجيئها خبر مرض أمها المقيمة في بورما، ولزوم سفرها والسهر علي رعايتها قبل أن تودع الحياة.. وأثناء وجودها إلي جوار أمها بالمستشفي تفاجأ بفتية وفتيات جرحي يطاردهم عسكر من الجيش، بوحشية منقطعة النظير.
وبدءاً من ذلك المشهد الدموي وبناء علي طلب مجموعات من المثقفين ومن فئات أخري أن تقود حملة مناهضة للديكتاتورية لأنها الشخص الوحيد المؤهل لذلك بحكم أنها ابنة جنرال، بطل من أبطال مقاومة الاستعمار، ولقي حتفه لأنه كان من المنادين ببورما، مستقلة وديمقراطية معاً.
إزاء كل ذلك وجدت «سوكي» أنه من الواجب عليها أن تقبل قيادة الحركة الوطنية المطالبة بالديمقراطية وبدلاً من العودة إلي زوجها وابنيها في أوكسفورد بقيت في «ميانمار» حيث كانت الحرب بينها وبين الطغمة العسكرية سجالاً، استعملت فيها كل الوسائل لإرغامها علي مغادرة البلاد، ومن ثم تكون عودتها لقيادة الحركة من الصعوبة بمكان، إن لم تكن أمراً مستحيلاً.
ولكنها صمدت للعواصف وبعضها كان مميتاً.. أقول صمدت بفضل عزم أكيد، وإرادة من حديد، وبفضل زوجها الذي صمد هو الآخر فعمل علي تشجيعها وكان المحرك لعملية ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام، ونالتها فعلاً، وكانت بذلك أول شخص محددة إقامته، يفوز بها ولا يستطيع بحكم ذلك الذهاب إلي العاصمة النرويجية لحضور احتفالية التكريم «2001».
ورغم ذلك الفوز المبين ظلت الزمرة الحاكمة مستمرة في عنادها فأبقت علي تحديد إقامتها، زهاء خمسة عشر عاماً.. خيرت بين السفر للالتقاء بزوجها، قبل أن يجيئه الموت بالسرطان، وبين البقاء شبه معتقلة، محرومة من رؤية ابنيها، ففضلت البقاء في الوطن الذي هو خير وأبقي.
كانت بحق مثلاً يحتذي به في البذل والعطاء، والتضحية بالذات، والصبر والحب في أسمي معانيه.. وكان لابد أن يتوج كل ذلك بنجاح حملتها من أجل الديمقراطية فقبل عام أو يزيد انتهي قيد تحديد الإقامة، وسمح لها بالترشيح هي وأعضاء رابطتها لمقاعد في المجلس النيابي، خلت لأمر ما.
وقبل بضعة أسابيع جاءت نتائج الانتخابات بفوزها هي ورفاقها بمعظم المقاعد.. وكان ذلك بعد بضعة أشهر من عرض الفيلم شرقاً وغرباً عدا مصر وربما إيران.

مصطفي درويش