رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وهم الرئيس القادم

مقالات الرأى

الأربعاء, 14 مارس 2012 08:33
بقلم- فادي محمد

كلما سُئِلْت عن من سأرشح بانتخابات الرئاسة، أجد نفسي مُضطراً أن أصارح سائلي بالحقيقة الصادمة و هي أني لست مُهتماً بانتخابات الرئاسة، ليس هذا فحسب، بل أني أعتبرها حلقة جديدة من مسلسل بيع الأوهام؛ الذي بدأ باستفتاء مارس مروراً بإنتخابات البرلمان إنتهاءاً بوهم الرئيس القادم !

أتبنى هكذا موقف على الرغم من وجود أسماء يسارية مشهود لها بالنضال كحمدين صباحي و خالد علي و أبو العز الحريري و أسماء مقبولة كعبد المنعم أبو الفتوح من بين قائمة المرشحين المُحتملين للرئاسة. فتُرى لماذا أتبنى هذا الموقف الشاذ المُخالف؟
هل أتبناه إعتقادا مني بأن المسألة قد حُسمت مُسبقاً بفوز مرشح العسكر و تيارات الإسلام المُسيَس التوافقي؟ بالقطع لا، لأن ذلك مُتوقَع و لا مفاجأة فيه، و ليس من شأنه أن يضعف من عزمي في حالة أن هناك مرشح أؤمن بقدرته على صنع التغيير.                                                                                                                
هل أتبناه كرد فعل غاضب لإنسحاب البرادعي؟ الجواب لا، لأنني لم أكن يوماً بردعاوياً، ذلك بالإضافة إلى "زهقي" من منهجية إدارة البرادعي لحملته الإنتخابية؛ فحملات الرئاسة في دول العالم الثالث لا تُدار من خلال تويتر و فيسبوك!
إذا ما سر عدم إهتمامي بأول إنتخابات -يدعون أنها ستكون نزيهة- للرئاسة ؟
سر عدم إهتمامي هو أني سئمت من مسرحيتهم الهزلية السخيفة، سئمت من مساوماتهم و صفقاتهم، سئمت من صراعهم على سلطة بالية زائلة مُتناسين أن ثمة مجتمعاً يغلي لعقود، يغلي من شدة الفقر و البؤس.
أحدثكم يا سادة عن مجتمع سكان العشش و المقابر الذين لم يجدوا

مفراً من حياة الذل و الهوان، عن الغلابة الذين يصطفون منذ الساعات الأولى لفجر كل يوم أمام مستشفيات الأورام و الكبد أملاً في أن يجدوا مُسكنا لألامهم و أوجاعهم.
أحدثكم عن ال 40% الذين لم يعبأوا بالمشاركة في إنتخابات برلمانهم التافه منزوع الصلاحيات؛ عن شباب العشوائيات المُهمشون، عن من لا دخل لهم بصراع علية القوم حول الليبرالية و السلفية و العلمانية؛ عن أطفال شوارع اليوم، بلطجية شوارع الغد؛
عن مجتمع المقهورون في الأرض الذين يُمثل لهم ثمن زجاجة نبيذ، كالتي يخشى أن يُحرَم منها نجيب ساويرس، ثروة طائلة.
أحدثكم عن من خرجوا من "الثورة" بلا "حمص"؛ فلقد حظى الإخوان ببرلمانهم الموعود، و حظى "الشباب الطاهر" ببضعة حقوق تتعلق بالحريات السياسية، بينما ظل الفقراء في جوعهم و فقرهم.
و لكن دعوني أؤكد لكم أنهم لن يبقوا خانعين طويلاً، فحينما يقرر هؤلاء أن يحولوا غضبهم الكامن إلى ثورة حقيقية على واقعهم البائس اليائس، لن تبقى سلطة لرئيس أو سطوة لجيش، فهؤلاء لا يملكون شيئاً ليخسروه ولم يتبقَ لهم شيئاً ليهابوه.
سيرد علي أحدهم و يقول: "ما هو ده بقى دور الرئيس القادم، أنه يحل مشاكل الناس ديه" و رداً على هذا، أود أن أؤكد لكم أن الرئيس القادم –على فرض أنه لن يكون المرشح التوافقي المشئوم، و تلك
فرضية ضعيفة- لن يأتي "ليحل مشاكل الناس ديه"؛
إنما سيأتي لعمل التوازنات بين العسكر و الإخوان، سيجد نفسه تائهاً بين جنرالات فاسدون يعملون بعزم للحفاظ على وضعية خاصة تحميهم و تحفظ نفوذهم الباطل، و بين نواب مهووسين يعملون بنفس العزم لطرح قضايا من نوعية غلق المواقع الإباحية و تحريم أدب نجيب محفوظ و منع أفلام خالد يوسف.
سيجد الرئيس المُنتظًر نفسه ضائعاً بين صلاحياته الدستورية الواسعة و بين عجزه عن تفعيلها –حيث أنه لا سلطة حقيقية بدون أن تضمن ولاء الأجهزة القمعية للدولة جيشاً كانت أم شرطة، و كلنا يعلم أن ولاء تلك الأجهزة لن يكون للرئيس المُنتظَر.
و بينما نحن مشغولون بصراعاتهم التافهة، سنُفاجأ جميعاً أن ساعة ثورة المُعدَمين قد حانت، و أنه لم يعد لدينا سبيلٌ للهرب من هذا السيناريو المرعب المخيف الذي نرى مقدماته في كل شيء يجري حولنا.
و لكي لا أُتهَم بالتشاؤم و السوداوية، سأطرح على قارىء هذة السطور ما أراه سبيلاً أخيراً لتفادي هذا السيناريو الكارثي؛
السبيل الوحيد هو أن تكون مكافحة الفقر و المرض و العشوائيات و غيرها من صور التفسخ الإنساني هي الأولوية القصوى -بل و الوحيدة- لمن سيحكمون البلاد في الفترة القادمة. الأولوية التي تُسخَر لها كل الموارد و الطاقات، الأولوية التي تنحاز اليها الدولة في كل المواقف و تحت أي ظروف؛
و كفاكم حديثاً عن تشجيع الإستثمار و جلب الإستثمار و “تدليع” الإستثمار، لأنني مُتأكد أن الحل لكارثة العشوائيات لن يأتي به أحد المستثمرين الأتراك أو الألمان. كفاكم خداعاً لنا و لأنفسكم بادعائكم الكاذب أن الحل في الصدقات و الهبات؛
افرضوا الضرائب التصاعدية، شيدوا الصناعة الوطنية التي تهدف لحل أزمة البطالة لا لتكديس الأرباح الأسطورية، أوقفوا دعم الطاقة لمصانع القطاع الخاص، كفاكم عبثاً بأقوات الفقراء، كفاكم تفضيلاً لمصالح الأغنياء.
أي شيء غير ذلك سيدفعنا دفعاً نحو ثورة من لا يهتمون بديمقراطيتكم الزائفة، ثورة المسحوقين و المُعدَمين..ثورة الجياع.

--------
فادي محمد