مصر في عهد مبارك.. فشل الدولة (1 - 4)

مقالات الرأى

الأحد, 06 نوفمبر 2011 23:07
بقلم: حمزة قناوي

يدور اللغط والجدل في مصر بين الحين والآخر حول مصر ما قبل ثورة 25 يناير ومصر بعد الثورة، وسمعنا كثيراً من الآراء التي - في اعتقادي - لم يطلقها سوي «الفلول» وبقايا منتسبي الحزب الوطني والنظام البائد ومنتفعيه من أن مصر في عهد مبارك كانت «دولة»

بحق رغم بعض العيوب والمشكلات، التي شابتها مثلما يحدث في أي دولة، بينما كانت دولة ناجحة وتتقدم - ولو ببطء - وتتمتع بالاستقرار والتوازن، وهذا الكلام عار من الصحة تماماً، فمصر فقدت كل مقومات الدولة الناجحة - أو حتي المستقرة - في عهد النظام السابق وتحولت إلي دولة فاشلة ومصطلح الدولة الفاشلة ليس «إهانة» وطنية لبلد ما، إنما هو مصطلح تعتمده الأمم المتحدة لتطبيقه علي بلدان فقدت الحد الأدني من مقومات التحقق علي ثلاثة مستويات هي «الاجتماعي والاقتصادي والسياسي» ولكيلا يبدو استنتاجنا غير دقيق تعالوا نري ماذا قالت تقارير الأمم المتحدة عن مصر في عهد نظام مبارك ولماذا اعتبرت مصر دولة فاشلة علي مدار ثلاثة عقود بناء علي هذه المؤشرات التقييمية الثلاثة؟
المؤشرات الاجتماعية التي علي أساسها تعد الدولة فاشلة: أولاً: تصاعد الضغوط الديموغرافية «زيادة السكان وسوء توزيعهم والتوزيع العمري والنزاعات المجتمعية الداخلية.. إلخ» ومصر تعج بكل هذه المشكلات بدءاً من معدلات زيادة السكان المرتفعة «1.3 نسبة زيادة المواليد

سنوياً» وسوء التوزيع الجغرافي متحقق عبر ترك أكثر من 96٪ من مساحة مصر الإجمالية خالية من السكني والإقامة علي الشريط النيلي الضيق للبلاد.
ثانياً: الحركة السلبية والعشوائية للاجئين أو الحركة غير النظامية للأفراد تخلق معها حالة طوارئ معقدة «ينتج عنها الأمراض ونقص الغذاء والمياه الصالحة والتنافس علي الأرض ومشكلات أمنية للدولة» وهذا كله متحقق في مصر، وحالة الطوارئ القائمة عبر 29 عاماً، لم تستطع حل المشكلات القائمة في المجتمع المصري.
ثالثاً: الميراث العدائي الشديد الذي يجعل الجماعات المظلومة تنتظر الثأر «عدم العدالة والاستثناء السياسي والمؤسسي وسيطرة أقلية علي الأغلبية».. وهذا الوضع القائم بالفعل في مصر، فعدم العمل بالقانون أو سيادة العدالة والاحتكام إلي الدستور، جعل الناس يفقدون الثقة تماماً في الدولة، وللأسف فإن النظام الذي كرس منذ 29 عاماً للأحكام العرفية، وإطلاق يد الصلاحيات لمن هم غير مؤهلين ولا يملكون حق نيلها، بحيث يسود النفوذ والفردية والمصلحة والعشوائية في الحركة المجتمعية، كل هذا أنتج مواطناً مصرياً فاقداً للثقة في الدولة، وبدأت الخصومات الثأرية تظهر في التكتلات التي أخذت أشكالاً عدة، بدءاً من الأقباط وعلاقتهم المحتقنة بالمسلمين، رغم كونهم
جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني المصري، وبدو سيناء الذين يشعرون بأنهم مختصمون من قبل الدولة باستمرار، بسبب حملات اعتقالهم والتنكيل بهم، واعتبارهم متهمين دائماً عن أية أعمال شغب أو إرهاب في سيناء حتي يثبت العكس، وكذلك هناك الجنوب المصري، الذي يشعر أهله بالغبن، حيث لم تمتد يد التنمية إليهم بأي مساعدة منذ نحو نصف قرن.
رابعاً: الفرار الدائم والعشوائي للناس «هجرة العقول وهجرة الطبقات المنتجة من الدولة والاغتراب داخل المجتمع».. أما عن الفرار العشوائي والدائم للناس فمصر تشكل أعلي نسبة مهاجرين ومقيمين في الخارج بين الدول العربية، إذ يتراوح العدد المعلن عنه من وزارة الخارجية ووزارة القوي العاملة في مصر بين 9 و10 ملايين مصري يعيشون في الخارج، وهو رقم مخيف في بلد يكاد يتساوي عدد متعلميه بمن يرزحون في الأمية، إذ معظم من غادروا مصر هم من المتعلمين تعليماً عادياً وفي تخصصات تستفيد منها البلدان التي تحتويهم وتهيئ لهم فرصة العمل والحياة، وتقتلع أسباب فشلهم بمصر التي هي في أشد الاحتياج لهذه الكفاءات من الشباب من أجل نهضتها من وضعها المتأخر الذي صارت فيه.
أما عن الاغتراب داخل المجتمع، فهذا أيضاً قائم، بل إنه كاد يتحول إلي ظاهرة بين الشباب المصري الذي ارتفعت معدلات الاكتئاب والانتحار بين أفراده بمعدلات غير مسبوقة، وتراجعت قيم الولاء لبلدهم، وقد أصبح معظم الشباب المصري غير آبه بشيء وقد لفته حالة من اللامبالاة والتبلد.
هذا هو المقياس - المؤشر التقييمي الاجتماعي الذي يؤكد فشل مصر كدولة في ظل النظام السابق، أما المؤشران الآخران الاقتصادي والسياسي - وهما علي نفس درجة أهمية الرصد - فنترك لهما المجال لمقال قادم.

------------
شاعر مصري مقيم في الخارج
[email protected]