رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الباكون على شفيق.. وعشق الضحية للجلاد !

مع الناس

الاثنين, 18 يونيو 2012 17:37
الباكون على شفيق.. وعشق الضحية للجلاد !
كتبت:عزة هاشم*

عندما أوشك على الغرق أقبلنا عليه مغامرين بأرواحنا لإنقاذه ومددنا أيدينا لنجذبه إلى قارب نجاتنا، ولكن الغريب فى الأمر أنه رفض المساعدة وأصر على التشبث بالقشة التى أوشكت أن تغرقه وعيناه دامعتان ومفعمتان بالأمل والرجاء.

لن يختلف الأمر كثيرا إذا تأملنا حال المتعاطفين الباكين على خسارة الفريق، قد يكون مفهوما وواضحا تماما لنا أن من سيتعلقون بأذيال عهد مبارك هم هؤلاء المستفيدون والمتربحون من نظامه، ولكن المثير للدهشة هو أن نجد من بين هؤلاء المتعاطفين أفراداً عانوا القهر والظلم والجوع، وبالرغم من ذلك يرفضون تماما " الثورة " التى رويت بالدماء وجاءت لتأخذ بأيديهم وتنقذهم من الغرق.

وهنا تنهال التساؤلات: كيف يفكر هؤلاء ؟ لماذا يديرون ظهورهم للحقيقة التى تبدو واضحة وجلية أمام أعينهم ؟ لماذا يؤثرون الغرق متشبثين بالقشة عن قارب نجاتنا؟ هل هم مجانين ؟ أم متواطئين؟ أم أغبياء ؟ أم أن قهر عشرات أعوام مضت جعلتهم صم ، بكم ، لا يفقهون؟

منحوني حياتي

مثلما دارت هذه التساؤلات فى رؤوسنا فإنها دارت قبلا فى رؤوس علماء النفس، الذين توقفوا متسائلين : لماذا يتعلق المجنى عليه بالجانى ؟ والمخطوف بالخاطف ؟ والمظلوم بالظالم؟
كانت أول وقفة لعلماء النفس أمام هذه الظاهرة عام 1973 عندما تم تحرير مجموعة من المحتجزين فى أحد بنوك "ستوكهولم " والقبض على الجناة. ولكن المثير فى الأمر أن الضحايا كانوا يودعون مختطفيهم بالأحضان والدموع! 

بعدها بسنوات تم اختطاف طائرة تابعة لشركة TWA بعد إقلاعها من أثينا، وأجبر مختطفوها قائدها على الهبوط فى بيروت، وبعد تحرير الرهائن ، علق أحد الركاب على مختطفيه قائلا :( لقد كانوا طيبين للغاية

تركونى آكل وأنام لقد منحونى حياتى وحريتى!!!) 

وبلغ الموقف ذروته مع الفتاة "جيسى " التى تعرضت للخطف والاغتصاب والاحتجاز لسنوات عديدة من أحد الأشخاص، وأتيحت لها فرصة الهرب أكثر من مرة ، ولكنها لم تبادر حتى بمحاولة الهرب ، وما وقف أمامه علماء النفس حائرين هو رد فعل الفتاة تجاه مختطفها، فقد كانت تدمع عينيها فى صمت عندما يذكر إسمه بينما رفضت التعليق عليه بأى شكل من الأشكال.

هنا كانت وقفة علماء النفس للبحث فى هذه الظاهرة ومحاولة تفسيرها من خلال ما أطلقوا عليه "متلازمة ستوكهولم "، وتعنى ببساطة الحالة النفسية التى تتضمن ولاء وتعاطف وتعاون ضحايا الإختطاف والعنف مع الجناة من مختطفيهم وميلهم للدفاع عنه، فى اتجاه مناقض لكل ما هو مألوف.

توحد مع المعتدي

ويفسر علماء النفس هذه الظاهرة بأن الضحية التى تقع أسيرة لضغوط كبيرة تخلق حيلة لا شعورية وخادعة للدفاع عن نفسها من خلال التعلق بخاطفها، وهو ما يطلق عليه علماء النفس " التوحد مع المعتدى "، ويحدث ذلك غالبا عندما تبالغ الضحية فى إضفاء صفات القوة والسلطة على الجانى الذى لا تجد ملاذا فى البداية للهروب منه. لا تجد أمامها سواه فإذا بها تلوذ به. وهو ما يؤدى بدوره إلى تضخيم مبالغ فيه لأى تصرف إنسانى بسيط يصدر عن الجانى تجاه الضحية كالحديث معه بلطف فى بعض الأوقات ، أو أن يقدم له ماء

أو طعام. وقد يصل الأمر بالضحية إلى مشاركة الجناة فى مقاومة تحريرها خوفا من الفشل الذى قد يترتب عليه معاناة للجانى.

ولكن هل يمكن أن ينطبق هذا التفسير على المتعاطفين مع النظام السابق ومن يمثله ؟ هل يمكن اعتبارهم هم أيضا "مختطفين" ؟
الحقيقة أن هذا التفسير النفسى وراد جدا ،على الرغم مما ثار ضده من اعتراضات . فإذا تأملنا حال أنصار الفريق شفيق، سنجد أن الكثيرين منهم من المقهورين الذين كنا نتوقع أن يكونوا أول المرحبين بما حدث من تغيير سوف تعود نتائجه عليهم فى المقام الأول، ولكننا فوجئنا بعكس ما نتوقع ، لماذا ؟

لقد كان الكثير من المصريين فى ظل حكم مبارك " مستسلمين " لمصيرهم، وهو ما عززه اعتقاد راسخ بما يمتلكه هذا الرجل ونظامه من قوة وسيطرة مطلقة على مصر طوال ثلاثين عاما. وبمرور الأعوام ومع التصديق والإيمان بما لهذا الرجل من قوة وسيطرة خارقة ومطلقة جعل الكثيرين يعتقدون أيضا بأن لامهرب من هذا النظام سوى إليه. ومن هنا بدأت حالة من " التوحد مع نظام مبارك ومن يمثله " الذى أضفى عليه من الصفات الخارقة التى جعلته مصدرا للتعلق العاطفى لدى العديد من المصريين ،وخاصة " المقهورين". 

وقد ترتب على هذا أن أصبح أقل شئ يبذل من هذا الطرف هو " إحسان" يجب أن يقابل بالإحسان ، وهو ما يحاول أنصاره التعلل به فى دفاعهم عنه ، وينظرون إلى أقل قدر من العطاء الذى يبذله على أنه " تفضل" من خاطف تجاه مخطوفين يعتقدون أن مصيرهم معلق به. وقد نتذكر هنا التعليق الذى سبق ذكره على لسان أحد الضحايا عندما علق على مختطفيه قائلا  " لقد منحونى حريتى وحياتى". 

وفى النهاية يبدو أن هناك مصريين أسرى لعهد اختطاف وأسر جعلهم متشبثين بمختطفهم ويرفضون كل ما بذل من دم وجهد فى إطلاق سراحهم، وبالتالى سيكون دورنا إيجابيا نوعا ما إذا حاولنا إطلاق سراحهم من السجن النفسى الذى استكانوا له ورضوا به، بل ويذرفون الدموع حنينا للعودة إليه..!


 * كاتبة وباحثة نفسية

أهم الاخبار