رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حوار مع صديقي القبطي

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 24 يناير 2011 12:27
بقلم - مصطفى عبد الرازق

أخجلني باستقباله الحار في مكتبه لدي رؤيته لي للمرة الأولى منذ نحو عشر سنوات. مشاعره الدافئة كشفت لي زيف مقولة أن من هو "بعيد عن العين بعيد عن القلب"، أو أن المقولة صحيحة ولكن لها استثناءات. بعد البحث في تغير الأحوال في مصر ومحيطها، لم أجد مفرا من أن أصارحه بتحفظي على ما كتبه في مقال له تعقيبا على تفجير كنيسة القديسين. بادرته بالقول: لقد كان المقال يقطر مرارة رغم أنه كان من المنتظر منك وأنت المنتسب لـ "لتيار العلماني القبطي" أن تقدم رؤية مختلفة تتجاوز العاطفة إلى ما هو في القلب من صميم الأزمة! أكد لي على صحة ما أقول وأنني لست الأول الذي يوجه له هذه الملحوظة وأن الأمر يتجاوز المرارة إلى ما هو أكبر.. ما هو ذلك الأكبر؟  لم يكن التوصيف لديه حاضرا.. وجدته يسترسل بعفوية ساردا ما اعتبره هو أسبابا للمرارة.

شعرت بالخجل ثانية ولكن ليس لحرارة الاستقبال، وإنما لحرارة النقاش وأننى أخرجته من حالته المبهجة التي فرضها اللقاء الذي جمعنا كذلك مع آخرين من رفقة رحلة العمر. راح يؤكد لي أنني – إذا ما كان له أن يعتبرني وافدا على مصر -  يجب أن أعيد النظر في العديد من الأمور، فقد جرت مياها كثيرة في مصر خلال السنوات العشر الماضية، على نحو يجعل من مصر غير تلك التي كانت آنذاك! حين رحت أذكره بما

كان أو بما عايشته من انسجام ما أصفه بتلاحم المسلمين والأقباط في مصر، حرص مرة أخرى على أن يؤكد لي أن ذلك لعله شيء قد مضى! أو أنها صورة ذهنية لدى أنا طمسها الواقع. رحت أذكره بأنني وعدد كبير من المسلمين، قد يقترب من عدد الأقباط، كنا من بين الحضور لزفافه في كنيسة بالمعادي في مشهد كان أروع تعبيرا عن الوحدة الوطنية،  راح يشير إلى صديقنا  - المسلم - المشترك والحاضر للحوار مؤكدا على عمق العلاقة الأسرية بينهما ولكن القضية ليست فردية وإنما مناخ عام.

في معرض التفصيل ذكر لي تفاصيل صغيرة كشفت لي أن انتباهه لها ، وهو ذو العقل الكبير، تؤكد على عمق الأزمة وتكشف عما يذكره البعض أنها خطوط للتمايز الطائفي قامت في مجتمعنا! بمزيج من الصراحة والضيق راح يحاول أن يشركني في حيرته التي كان يواجهها عندما جاءه صغيره بكتاب يتضمن درسا حول البيئة يؤكد على أن الإسلام يؤكد على الحفاظ عليها وأن الإسلام كذا وكذا.. تساءل : وأين الآخر غير المسلم، وهو هنا المسيحي. سأله صغيره ماذا يفعل لو جاءه سؤال في الامتحان حول هذا الموضوع؟ بلغة ينتابها الحيرة راح يذكر لي أنه طلب منه أن

يحفظ ما هو مكتوب ويكتبه.. وهل يسعى أب لإفشال ابنه أو رسوبه؟!

حينما أبديت له أن ذلك قد يكون باعتبار أن الأغلبية من المسلمين راح يذكر لي مقطع من فيلم سينمائي مضمونه أن المسلم "كويس" يجب أن يعفو عن أخيه المسلم.. متسائلا : وماذا عن غير المسلم .. هل هو "غير كويس" لأنه كذلك؟

شعرت بوطأة موقفي وأنني رجل من الزمن الماضي، صحيح أنني لم أكن منفصلا عن الوطن تماما، وأدعي المتابعة لكل قضاياه وأنني كنت أدرك بعض ما حدث من تغيرات، إلا أنه يبدو أنها أعمق مما تصورت، فالعائش في الحقيقة، غير الغائب عنها!

أصر صديقي على المزيد من إحراجي بمواقفه التي تمنيت لو أن يلتزمها كل مسلم وقبطي في مصرنا الجميلة، فعلى مستواه الشخصي، وتجاوزا للمناخ الطائفي الذي يتصاعد بين الحين والآخر، حرص على أن يسمى أولاده الثلاثة بأسماء مشتركة مسلمة ومسيحية! علا صوته حين راح يؤكد أنه لا يقبل أن يخدم ابنه في الجيش باسم يبدو مسيحيا خالصا! حينما كان ابنه يشاهد فيلما مسيحيا بدا أنه ينال من قوم فرعون أبى إلا أن يوضح لصغيره على احترام جدوده – المصريون الفراعنة زمن موسى – رغم تأكيده على احترام القيم الدينية مضيفا : إن هويتي الوطنية تأتي في مرتبة أولى على هويتي الدينية!

بعد أن فرغ من كلامه دعاني للحديث، فقد استفاض، وينتظر حديثي، أكد لي ذلك مفهومه للآخر.. فالوجود الذاتي لا يلغي على الإطلاق أن هناك وجودا لآخرين ينبغي لهم أن يتمتعوا بذات الحقوق التي اتمتع بها وقيامهم بذات الواجبات! إذا أقررنا أننا ننطلق من أرضية واحدة عمادها وطن واحد. رغم أشياء كثيرة فقد شعرت بالمرارة تنتقل إلى على حال لم أكن أتصور أن نصل إليها وأطمح في أن نتجاوزها بفضل حكماء الأمة .. مسلمين وأقباط.