الطريق الوحيد

وابور الجاز والمزلقان

محمود غلاب

الثلاثاء, 19 نوفمبر 2013 22:13
بقلم - محمود غلاب

المأساة الإنسانية في كارثة قطار دهشور هي أن 17 قتيلاً من ضحاياه من أسرة واحدة، لم يتبق منها إلا طفل واحد يرقد مصاباً في المستشفي بعد فقده الأب والأم والأشقاء والأقارب، وتكرار حوادث القطارات واستهتار المسئولين في طريقة التعامل معها ومواجهتها يؤكد ان مصر لم تتغير،

عندما شبت النيران في قطار الصعيد عام 2002 وكان يعج بالمسافرين لقضاء عيد الأضحي مع عائلاتهم، اتهم الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء في ذلك الوقت «وابور جاز» أشعله راكب لإعداد الشاي بأنه وراء الحريق، كما حمد الله علي عدم وجود أجانب في القطار وعدت، واكتفت الحكومة بصرف تعويضات هزيلة وبلع أسر الضحايا جراحهم وعدت، مثال آخر علي الإستهتار بأرواح البشر كان في قطار آخر متجهاً من الصعيد إلي القاهرة، كانت أسرة بسيطة مكونة من أب وأم وطفلين من بين ركابه واستأذنت الزوجة في دخول حمام القطار وتأخرت طويلاً في الحمام وأثناء البحث عنها عثر علي أشلاء جثتها فوق قضبان السكة الحديد بمنطقة جرجا، وكانت الكارثة أن أرضية الحمام الحديدية قد «دابت» من الصدأ، وقاد حظ هذه السيدة العثر إلي استخدام الحمام في اللحظة التي تأهبت فيها أرضيته للسقوط فوق قضبان السكة الحديد أثناء سير القطار بأقصي سرعته! الغريب ان هيئة السكة الحديد أقسمت علي أن هذه السيدة التي عثر علي جثتها مقطعة فوق القضبان ليست من ركاب القطار، كما نفت سقوط الحمام وتم تشكيل لجنة برلمانية لمعاينة القطار في ورش السكة الحديد، وكانت المفاجأة أن هيئة السكة الحديد كذبت علي مجلس الشعب وقامت بتركيب أرضية حمام جديدة بدلاً من التي سقطت للتغطية علي جريمة قتل الراكبة.
وأوصت اللجنة البرلمانية بمحاسبة كل من كان له دور في هذه الواقعة وعدت. نفس الشيء حدث في قطار دهشور الذي قتل وأصاب أكثر من 60 مواطناً كانوا عائدين من حفل زفاف فقد أمر الرئيس عدلي منصور أثناء وجوده في الكويت للمشاركة في مؤتمر القمة العربية بالتحقيق في أسباب كارثة القطار ومحاسبة كل من كان له دور فيها. وكالعادة وبنفس الاستهتار في التعامل مع كوارث القطارات المروعة تم القبض علي عاملي المزلقان وحبسهما بتهمة القتل والاصابة الخطأ، هذا كل ما يتم فعله في كل كارثة مثلما حدث

في كارثة قطار أسيوط وقليوب والبدرشين وفي جميع الخطوط التي شهدت كوارث القضبان، كان هناك برنامج شهير في التليفزيون باسم «إديني عقلك» ولو حاولنا استخدام العقل للبحث عن المتهم الأساسي في جريمة دهشور فمن يكون؟!. وزير النقل الدكتور إبراهيم الدميري الذي لبّس التهمة لـ«وابور جاز» في حريق قطار الصعيد بالاتفاق مع رئيس وزرائه عاطف عبيد وطار فيها الدميري بالإقالة، قال بعد كارثة دهشور انه وافق علي انشاء كوبري للسيارات فوق مزلقان دهشور المنكوب، يعني فيه مشكلة والمنطقة تحتاج إلي كوبري علوي واشتكي الأهالي وضجوا بالشكوي ولم يسأل عنهم أحد، وجاء الكوبري علي جثث الضحايا، كما قال ان المزلقان كان مغلقاً أثناء سير القطار وانه شكل لجنة للتأكد، وقال رشاد عبدالعاطي نائب رئيس السكة الحديد ان المزلقان كان مغلقاً والأجراس كانت تعمل وان معاينة النيابة أثبتت وجود الجنزير الذي يغلق به المزلقان.
طيب إذا كان ذلك كذلك، فلماذا تم القبض علي عاملي المزلقان وحبسهما إذا كانا قد قاما بدورهما في إغلاق المزلقان وليس مطلوباً منهما أكثر من ذلك وليس من مسئوليتهما إذا كانت سيارة النقل وأتوبيس الركاب قد اقتحما المزلقان المغلق أثناء سير القطار! لكن المفاجأة أن عاملي المزلقان أثبتا في أقوالهما أمام النيابة عدم إغلاق. وقالا لم يتم ابلاغهما بقدوم القطار حتي يقوما باغلاق المزلقان وأيد هذه الأقوال سائق القطار ومساعده، المواطنون الذين شاهدوا الحادث أكدوا ان المزلقان كان مفتوحاً أثناء مرور القطار، كذب المسئولين وراء استمرار هذه الكوارث المروعة ولا يمكن اختصار المسئولية بجرائم القطارات في عامل المزلقان البسيط ويهرب الكبار، ان رئيس الوزراء ووزير النقل وكبار المسئولين بهيئة السكة الحديد هم المتهمون الأساسيون بقتل ضحايا قطار دهشور، ومطلوب ادلاؤهم بأقوالهم أمام النيابة وتحملهم المسئولية الجنائية بالاضافة إلي المسئولية السياسية، عن هذه الكارثة ان استمرار البحث عن كبش فداء بعد كل كارثة كما كان يحدث في الماضي يجب ألا يكون له وجود بعد الثورة وفي دولة القانون. أرواح الناس ليست لعبة ولا يساويها أي منصب.
مطلوب ترسيخ ثقافة تحمل المسئولية والاعتراف بالخطأ لا نقول انتحروا، كما يحدث في دول أخري عندما يكتشف المسئول انه أخطأ، لأن الانتحار حرام، ولكن تحلوا بالصدق وقولوا أخطأنا وتحملوا نتائج إهمالكم.