رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الدويك يكتب:ها قد عدنا يا صلاح الدين

محمد الدويك

الاثنين, 02 سبتمبر 2013 07:41
بقلم :محمد الدويك

(1)

عزيزتي ريم، لا أدري إن كنت في مزاج ملائم لتسمعي كل هذا الدفق المتناقض من حوادث التاريخ ومآسي السياسة أم لا.. صنعت طعامي بيدي. وأعددت لك طبقا. كل مرة يظل مكانه حتى يفسد ولا تأتين. لكني لن أكف عن ذلك. عسى أن تتذوقي يوما ما صنعت يداي.


(2)

عندما هرب عبد الرحمن بن أمية. صقر قريش. آخر رجال الدولة الأموية، من مصيره الأسود (132 هـ)على يد ابي محمد السفاح، أول أمراء الدولة العباسية، وأخيه أبو جعفر المنصور وقائد الجند أبو مسلم الخرساني، لم يجد سوى بلاد المغرب العربي يلوذ بها كأبعد نقطة عن مقر الشام. ومن هناك استطاع أن يعبر إلى ما وراء البحر ويدخل اسبانيا ليؤسس للدولة الإسلامية في الأندلس. بعد أن فتحها قبل ذلك موسى بن النصير وطارق بن زياد (95هـ).

لاحظي أن صراعات الملك وجرائم السلطة لا تتوقف عند دين بعينه، فالسلطة تفسد الدين والايدولوجيا، ها هما خلافتان اسلاميتان يتقاتلان ويسفك كل منهما دماء أخيه المسلم ويتعقبه إلى آخر الارض. لم تكن مشكلة اقامة شريعة أو تطبيق نصوص الدين. بل نزعات قبلية بحتة. وصراعات مصالح. وغريزة السلطة.

الله في كتابه العزيز يقول، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)

لكن منذ متى ونحن نسمع لكلام الله.. فالكل يريد العلو في الأرض.

ثم انتقلت الحضارة العربية بما كانت تحمله من رقي وثقافة وفنون، إلى أوروبا المظلمة المليئة بالطاعون والجهل وسطوة الكهنة.. حتى أنهم سمعوا لأول مرة لعزف العود على يد العرب. على يد أبي الحسن بن نافع، الملقب زرياب. والذي أنشأ دار المدنيات. أول دار لتعليم الغناء والموسيقى.. وتعلموا لعبة الشطرنج. حتى أن كلمة "شاه مات" لازالت مستخدمة بذات النطق العربي في الانجليزية.. وبدأوا في استخدام أدوات الطعام ومناديل السفرة.. لمسة أناقة جاء بها العربي المترف من بغداد ودمشق.

وعاش المسلمون هناك لقرون، لم يثبت عنهم أنهم أجبروا أحدا على الإسلام. لم يكسروا صليبا ولم يعتدوا على كنيسة ولم تمتد يدهم للتخريب والإبادة.

وبمجرد أن اشتد عود الأوربيين، وقاموا بإجلاء العرب عن جزء من الأندلس، بدءا من طليطلة 1085مـ شنوا هجمات صليبية على المناطق العربية غاية الوحشية. قتل وتخريب وإحراق وهدم لكل معالم الحضارة. بل عندما استردوا الأماكن التي عاش فيها المسلمون قاموا بعمليات تطهير عرقي كاملة وهدم المساجد و اتخاذ بعضها مزابل أو دار لهو.

واستمرت الجرائم في حق المسلمين، حتى العصر الحديث، فنقول ونحن واثقون أنه في النصف قرن الأولى من القرن العشرين تمت مذابح تطهير عرقي وديني ضد المسلمين في يوغوسلافيا والتركستان والصين أودت بحياة ما يزيد عن 50 مليون مسلم.

ولم تهتز شعرة واحدة في رأس العالم "المتحضر" لمثل تلك المذابح.

(3)

برنارد شو، كان يقول عن الانجليز، كلما عرفتكم أكثر كلما ازددت حبا للكلاب. لما نهبوه من شعوب العالم الفقير ولما

قتلوه من أبناءهم تحت لواء الاستعمار.

حتى أن بروكسيل. عاصمة بلجيكا. التي اشتهرت بالماس والشيكولاتة. لازالت تحصدهما من مستعمراتها في افريقيا من الكونغو.

وفي ليبيا حصص النفط يتم توزيعها على بلدان حلف الناتو وفقا لمشاركات كل بلد في الطلعات الجوية التي نسفت الجيش الليبي.. ليست حرب تحرير إذن لكنها صورة بدائية للبحث عن غنائم الحرب. إنها تغليف متحضر للسرقة والإغارة والاستعباد.

وفرنسا تقاتل المتشددين في مالي غرب افريقيا، ليس لحفظ السلم والأمن الدوليين. لكن لأن شركة توتال الفرنسية هي صاحبة امتياز النفط هناك. كما أنها تحصل على ثلث احتياجها من اليورانيوم من مالي.

مجرد بلطجي يحافظ على دائرة نفوذه إذن..

كان نيتشة، الفيلسوف الألماني يقول، اقهر الضعيف واصعد فوق جثته.. تلك هي الفلسفة الكامنة في نفوسهم جميعا. القوة هي أصل الأشياء، بمعزل عن ما هو أخلاقي أو انساني. المادة والمصلحة يتفوقان على الحب والرحمة.

أما القرآن فقد اختصر الرسالات في كلمتي "الكتاب والميزان" ليقوم الناس بالقسط. فكانت القيمة عنده تسبق المنفعة، والحق يهيمن على القوة.

لن أتحدث عن العراق الذي ذبحوه ذبحا فيما يمثل أكبر جريمة حديثة ارتكبها العالم المتحضر.. سلموا البلد الى الانقسام والحرب الطائفية والإنهيار الكامل. في حين جلسوا يقتسمون حصص النفط.. في واحدة من أغنى بلدان العالم. وأعرقها.

مادلين أولبرين سألوها عن نصف مليون طفل عراقي يموت تحت الحصار، قالت بكل برود وهي تعقد ساقا فوق أخرى: أضرار جانبية!

جاء الخواجة الاوروبي يدق باب عاصمة الرشيد والمأمون والمعتصم.. ويافجعتهم في قبورهم.

(4)

جاء الجنرال الفرنسي هنري غورو إلى دمشق بعد انتصاره في معركة ميسلون عام 1920 على البطل السوري يوسف العظمة، ووقف على قبر صلاح الدين يركله بقدمه عساه يسمع ويقول له:

"ها قد عدنا يا صلاح الدين."

لتعود بلادنا إلى ظل الاحتلال مرة أخرى بعد أن كان صلاح الدين قد حررها في لحظة تاريخية فذة عام 1187 م بعد قرن كامل من الاحتلال الصليبي. لحظة تاريخية فذة لأن المنطقة العربية لم تتوقف التهديدات  عليها طيلة ثلاثة قرون بمجرد أن انسحبوا عن أوروبا. تلى ذلك قوات جنكيز خان وهولاكو وما قاما به من تخريب ودمار لكل عواصم الإسلام. بداية من بلاد ما وراء النهر حيث سمرقند وطشقند وبخارى.

ولم يزل خطرهم إلا على يد سيف الدين قطز عام 1260. بجيش مصري استنقذ سقوط الخلافة العباسية في بغداد.. ومن بعده قوات سيف الدين قلاوون عام 1282 سلطان مصر.

ويلومون على مفهوم الجهاد في الإسلام ويتهموه بالعدوان، في حين أنه كان حائط
الصد في المنطقة الإسلامية ضد هجمات الأسبان والبرتغال والمغول والصليبيين. وعندما تراجع الجهاد صارت بلادنا محتلة قديما وحديثا.

رغم أن تشريع القتال في الإسلام بدأته آية سورة البقرة،
(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا).. 190 فهو رد فعل مشروط بمن بدأنا القتال. وفي كل الأحوال منهيون عن الاعتداء.

وآية سورة الحج،
(آذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. وأن الله على نصرهم لقدير)..39
فكان القتال مرتبط برد الظلم الواقع على المؤمنين.

والآية الثالثة التي تأمرنا بكف اليد عن كل من كف يده عنا.
(فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم. فما جعل الله لكم عليهم سبيلا). النساء 90

وحديث الرسول،
"دعوا الحبشة ما ودعوكم. واتركوا الترك ما تركوكم".. صحيح الجامع.

كان المبدأ القديم، إن لم تغزو، تغزى.. وكانت الامبراطورية الاسلامية تتعامل بهذا المبدأ الواقعي. إلا أن غزوات الإسلام كانت تعترف بديانات الآخر، وتعتبرهم أهل ذمة وعهد. وتكفل لهم العبادة والحياة والتعايش الآمن. بينما كانت غزوات الصليبيين والمغول – القدامى والجدد – تحمل الخراب والتدمير والاستعباد..

لو فعلناها نصير ارهابيين ولو فعلوها يصيروا متحضرين.. و يضعوا احتلالهم تحت شعارات براقة. بل كان الرجل الأبيض يعتبر احتلال المناطق الفقيرة وظيفة وعبئ يجب أن يقوم به   White man burden  

هذا العالم المتحضر يحتفظ بقوة نووية مهولة تكفي لتدمير العالم أجمع 15 مرة متتالية.. أي خبل هذا! وأي وحشية تلك. وأي سفاهة وجنون لوثت عقولهم.. ليس غريبا، فأكبر مبلغ أنفقه العالم في القرن العشرين كان على صناعة السلاح.. 200 حرب شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية كان الغرب المتحضر ضالع فيها بالوكالة بعيدا عن أرضه. يمول بالسلاح ويحصل على المقابل بالعملة الصعبة. يصنعون أدوات الموت. ثم يقفون بربطات عنق زاهية في جنيف يقولون بعيون دامعة: نحن نبحث عن السلام لشعوب الأرض. نرجوكم توقفوا عن القتال!

(5)

أقرأ في الصحف أن الإخوان تستخدم جماعات ضغط أوروبية لإيقاع عقوبات اقتصادية على مصر.. كأنهم باعوا أرواحهم للصليبين مثلما فعل أمراء العباسيين عندما كان احدهم يستنجد بالصليبين ضد أخيه أو ابن عمه أمير المقاطعة المجاورة.

ثم أقرأ في الصحف، أن هناك من يرحب بتدخل أمريكي في سوريا ضد بشار. لا أهتم بالحدث. فقط أفكر كيف يشعر صلاح الدين الذي قضى عمره يدافع عن دمشق ضد جد جد ديفيد كاميرون.

الحرب في سوريا ليست بين حق وباطل. بل بين طرفين كلاهما على باطل. ولكن هناك باطل وطني وباطل أجنبي.

و كأن أحدهم يرفع يديه إلى السماء متضرعا: اللهم أعز الإسلام بحلف الناتو!

يقول المحلل السياسي الاسرائيلي أوري هاينز، أن عدد القتلى في الصراع الدائر في سوريا ربما يفوق عدد كل من مات في الصراع الاسرائيلي مع السلطة الفلسطينية خلال عقود. وأنه من مصلحة اسرئيل أن يظل الوضع كما هو عليه. أن لا ينتصر طرف على طرف. وأن يقضوا حربا أهلية طويلة الأمد في تكسير العظام والاستنزاف الداخلي والانهاك الاقتصادي والشعبي، وبذلك تضمن اسرائيل حزاما عربيا آمنا لدول منهارة فقيرة مفككة تعيش حروبا أهلية وصراعات مسلحة.

وينصح اسرائيل أن تستلقي وتشاهد من بعيد دون أن تتدخل.. وفق مبدأ، لو رأيت عدوك يدمر نفسه فلا تقاطعه.

بينما تتفرغ هي لتطوير تكنولوجيا صناعة الطائرات بدون طيار، بوصفها البلد الأول عالميا في تصدير هذا النوع من التكنولوجيا.

----

قابلتكِ،ريم، المرة الأخيرة، ولاحظت أنك تخليتِ عن غطاء رأسك.. أرى خجلا في عينيك يليق بمن خرجت للمرة الأولى بشعرها البني الطويل المنسدل.. لا يهم، فأبو يوسف تلميذ أبي حنيفة كان يرى أطراف الشعر عورة مخففة.. لا تخجلي يا عزيزتي فنحن قد تعرينا من كل ورق التوت الذي كان يستر عوراتنا المخففة منها والمغلظة، وصرنا أضحوكة التاريخ.

تحياتي