أزمة اقتصادية.. ونهضة سينمائية عالمية

فى 2011.. الحروب أهم موضوعات الأفلام

فن

السبت, 31 ديسمبر 2011 18:33
كتب: مصطفى درويش

نظرة طائرة على الأفلام التى جرى عرضها بدور السينما فى مشارق الأرض ومغاربها، أثناء السنة التى على وشك الرحيل،

تكفى لرسم صورة مشرقة لفن السينما، على نحو يجنح بنا إلى التفاؤل الشديد بمستقبل الفن الوليد.
فرغم الأزمة المالية الحادة الآخذة بخناق أكبر سوقين للإنتاج السينمائى العالمى السوق الأوروبية المشتركة والسوق الأمريكية، حيث استديوهات هوليوود الكبرى، رغم ذلك ازدهرت السينما كماً وكيفاً.
فعدد الأفلام التى تم عرضها ازداد وموضوعاتها تنوعت على نحو غير مسبوق فى تاريخ السينما، فحتى السينما الصامتة التى أصبحت فى ذمة التاريخ منذ أكثر من ثمانين عاماً، صار لها مكان ضمن تلك الأفلام، بفضل «الفنان«، وذلك الفيلم الفرنسى الصامت، إلا من الموسيقى التصويرية المصاحبة لأحداثه المجردة من الألوان الطبيعية، فيما عدا اللونين الأسود والأبيض، والمتوج نجمه الأول «حان دوچاردان» بجائزة أفضل ممثل فى ختام مهرجان كان 2011، والمرشح فوق كل هذا، قبل بضعة أيام، لست جوائز كرة ذهبية، من بينها جائزتا أفضل مخرج وسيناريو مبتكر، وكلاهما من إبداع صاحب الفيلم «ميشيل هازانا يسياش».
هذا، ولن تمضى سوى بضعة أيام إلا ويكون مرشحاً للعديد من جوائز الأوسكار، وأرجح الظن أنه لن يكون الفيلم الوحيد الخارج عن سرب الأفلام المتكلمة، فثمة حنين إلى ما يسمى بالسينما الصامتة، ذلك النوع من الفن الذى كان قد وصل إلى أوج نضجه، وقمة نجاحه، وإذا به فجأة توجه إليه ضربة قاضية من اختراع انطلق السينما، فتكلمت وحتى يومنا هذا لم تكف عن الكلام.
وذلك الحنين يبدو واضحاً فى «هيجو» لصاحبه المخرج الأمريكى «مارتين سكورسيزى»، ففيلمه هذا يوجه تحية لبدايات السينما فى فرنسا، وذلك فى مشهد اكتشاف الصبى «هيجو» المختفى فى محطة القطارات «مونبار ناس»، بباريس إن واحداً من رواد السينما الأوائل «جورج ميليس» يمتلك بالمحطة كشكاً متواضعاً، لبيع اللعب والحلويات، فمما يعرف عن ذلك الرائد الذى مات معدماً، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً.
إنه أسس أول استديو سينما فى العالم وأنه أخرج حوالى خمسمائة فيلم صامت، ولم يبق منها ناجياً سوى بضعة أفلام، من بينها «رحلة إلى القمر» 1902، وذلك الفيلم الذى تم ترميمه، بجهد جهيد، حتى عاد كما كان فيلماً ملوناً.
وفى احتفالية كبرى، جرى عرضه، أثناء فعاليات مهرجان كان الأخير، هذا وقد أسند «سكورسيزى» دور «ميليس» إلى النجم «بن كنجسلى»، الفائز بجائزة أوسكار أفضل ممثل رئيسى عن تقمصه لشخصية «غاندى» فى فيلم «غاندى» 1982.
وفى السياق نفسه، لا يفوتنى أن أذكر أن ثمة فيلمين تم عرضهما، دون أن يكون ثمة ضرورة للكلام لفهمهما فكلاهما كان صامتاً لم يصاحب مشاهده الانزريسير من الحوار، وأصوات الأشياء والحيوانات، وأحد الفيلمين «الطاحونة والصليب» صاحبه المخرج البولندى «ليبيخ مايفسكى» وموضوعه مستوحى من لوحة للفنان التشكيلى «بيتر بروجويل» رسمها بريشته أكثر من أربعة قرون من عمر الزمان، وفيها سر الحياة اليومية فى البلاد الواطئة إبان حقبة الاحتلال الإسبانى الغاشم.
ومن بين ما صوره صلب السيد المسيح مستبدلاً جنود ذلك الاحتلال بجنود

الاحتلال الرومانى فى أرض فلسطين.
أما الفيلم الآخر فهو «أربع مرات» لصاحبه المخرج الإيطالى ميكيلا نجلو فرمانتيرو، وعلى غير المعتاد لا يحكى فيلمه حدوتة، مكتفياً بعرض حياة الناس اليومية متمثلة فى راعى غنم مسن، نراه وهو يتسلق جبلاً فى أثر قطيع من الماعز، ونباح كلبه يملأ الفراغ، ثم نراه عائداً إلى القرية، حيث ينتظر عجوزاً تكنس أرض الكنيسة، فإذا ما انتهت من عملها، جمعت بعضاً من التراب الناتج عن كنسها، وخلطته بالماء، ثم شربته بوصفه دواء!!
ومما تميزت به السنة سينمائياً، فوق هذا، عن سنوات سابقة، كان بضعة أفلام رفيعة المستوى، مدارها السياسية.
اثنان من بينها يدور موضوعها حول مسيرة نساء لعبن دوراً كبيراً، فى تغيير مسار أوطانهن إلى الأحسن، وربما فى مسار الإنسانية جمعاء أولهما «المرأة الحديدية» لصاحبته المخرجة «فيليدا لويد».
وفيه عرضت لسيرة مارجريت تاتشر أول امرأة تولت رئاسة مجلس الوزراء البريطانى ولدهشة أعدائها، ومن بينهم زملاء لها فى حزب المحافظين، ساست أموراً معقدة أشد تعقيداً بعزم أكيد وإرادة من حديد، تجلياً فى حرب جزر الفالكلاند التى أدارتها ببراعة، حتى انتهت بهزيمة الغزاة، والإطاحة بالطغمة العسكرية الحاكمة فى الأرجنتين.
هذا وقد تقمصت شخصية «تاتشر» ببراعة منقطعة النظير نجمة النجوم ميريل ستريب.
أما الفيلم الثانى، واسمه «السيدة» فصاحبه المخرج الفرنسى «لوك بيسون» ويدور موضوعه حول رحلة «أونج سوكير» مؤسسة حركة حقوق الإنسان فى بورما، والمتوجة بجائزة نوبل للسلام.
بدءاً من تفتح وعيها مع فاجعة اغتيال العسكر لوالدها السياسى المخضرم، مروراً بنضالها ضد الطغمة العسكرية الحاكمة المنقلبة على النظام الديمقراطى، وانتهاء باعتقالها، ومنعها من السفر، خارج البلاد، إلى حد الحيلولة بينها وبين مغادرة بورما، لتسلم جائزة نوبل للسلام.
ومن بين الأفلام السياسية الأخرى التى مدارها سيرة شخصية بارزة، وأراها جديرة بالذكر، فيلم «ادجار» لصاحبه المخرج «كلنت ايستوود»، ففيه تناول المخرج حياة «ادجار هوڤر»، ذلك الرجل الداهية الذى أسس إدارة المباحث الفيدرالية الأمريكية، وبحكم هيمنته عليها، زهاء خمسين عاماً، أصبح خطراً يتهدد الحريات العامة على نحو غير مسبوق فى تاريخ بلد ينظم أموره دستور يعتبر بحق واحداً من أمهات الدساتير.
ومن عجب أن يتقمص شخصيته الكريهة النجم «ليوناردو دى كابريو»، أما الأفلام التى مدارها السياسة عموماً فأخص من بينها بالذكر أولاً «زهور الحرب» لصاحبه المخرج الصينى «زانج ييمو»، وتقع أحداثه فى مدينة نانكين، وقت ارتكاب الغزاة اليابانيين لجريمتى ذبح الأبرياء، واغتصاب نساء المدينة، بوحشية منقطعة النظير، والفيلم ذو طابع ملحمى، وفيه يلعب النجم الأمريكى «كريستيان بيل» دور قسيس غربى لجأت إلى كنيسته جموع من النساء، طلباً للنجاة من الاغتصاب.
وثانياً «منتصف مارس» لصاحبه الممثل والمخرج جورج كلونى، واسم فيلمه مأخوذ من عبارة قالها المنجم ليوليوس قيصر، محذراً إياه من الذهاب إلى مجلس الشيوخ الأمريكى يوم الخامس عشر من مارس، ولكنه رغم التحذير، ذهب إلى ذلك المجلس، حيث لقى مصرعه، حسبما جاء فى مسرحية «يوليوس قيصر» لويليم شكسبير.
وموضوع الفيلم يدور حول الانتخابات الأمريكية، وما يصاحبها من مؤامرات وألاعيب قذرة، تحاك فى الظلام، حول سمعة المرشحين، لإجبارهم على التخلى والاستسلام.
والفيلم مرصع بأسماء كوكبة من مشاهير الممثلين أذكر من بينهم، فضلاً عن «كلونى»، كلاً من «بول جياماتى» و«فيليب سيمور هوفمان»، الفائز بجائزة أوسكار أفضل ممثل رئيسى عن أدائه لدور الأديب الأمريكى ترومان كابوت فى فيلم «كابوت» 2006.
وثالثاً «هذا ليس فيلماً» لصاحبه المخرج الإيرانى «جعفر باناهى» وفيه صوت نفسه من محبسه، حيث يقضى مدة العقوبة المحكوم بها عليه من قضاة الملالى فى إيران.
ورابعاً: «فى أرض الدم والعسل» وهو أول فيلم تخرجه النجمة الفاتنة «انجلينا جولى»، وفيه عرضت لجرائم الإبادة الوحشية التى ارتكبها الجنود الصربيون فى حق مسلمى البوسنة، أثناء الحرب الأهلية التى عصفت بذلك الجزء من يوغوسلافيا، وقت تفككها، وتحولها إلى جمهوريات مستقلة متناحرة يحارب فيها الإنسان أخاه الإنسان الذى كان عوناً له فى جهاده نحو الكمال هذا عن الأفلام التى يغلب عليها الطابع السياسى.
أما الأفلام الأخرى التى تعبر عن حساسية عصرنا، من خلال حياة الناس العاديين، فما أكثرها فى سنة تميزت باشتراك معظم المخرجين بأفلامهم فى عروضها، ومن بينهم أذكر على سبيل التمثيل «ستيفن سبيلبرج» الذى لم يكتف بالمشاركة بفيلم واحد، بل شارك بفيلمين أحدهما ملحمى «حصان الحرب» وتدور أحداثه أثناء الحرب العالمية الأولى والآخر من نوع التحريك «مغامرات تافنين» و«تيرينس مالديك» الذى شارك بعد انقطاع عن الإخراج، استمر زهاء خمسة أعوام بـ«شجرة الحياة»، فيلمه الفائز بالسعفة الذهبية كبرى جوائز مهرجان كان «2011».
ولارس فون ترير»، ذلك المخرج الدنماركى الذى شارك هو الآخر بميلانكوليا فيلمه الفائز بنجمته الأمريكية «كريستين دانست» بجائزة أفضل ممثلة فى مهرجان كان الأخير وكلا الفيلمين «شجرة الحياة» و«ميلانكوليا» يدور موضوعه، بأسلوب فريد، حول معنى الحياة، ومواجهة خطر الفناء.
و«ألكسندر بين» ذلك المخرج الأمريكى المقل الذى عاد بعد غياب طويل، بفيلمه «الأحفاد» وفيه يلعب النجم «جورج كلونى» دور رب أسرة مكونة من ابنتين، يكتشف بفضل قول إحداهما إن أمها التى رحلت عقب حادث أليم، كانت تخونه مع آخر فيحاول التوصل إلى معرفة الشخص الذى كانت معه ترتكب الخيانة الزوجية، وفى الوقت نفسه يحاول الحد من مشاعر كراهيته لزوجته الخائنة، حرصاً منه على مشاعر ابنتيه منها «اشهد فارهاجى» ذلك المخرج الإيرانى، الذى بهر مهرجان برلين الأخير بفيلمه «انفصال» فتوجه بـ«الدب الذهبى» ارفع جوائزه والفيلم يعرض للحياة العادية، من خلال انتهاء العلاقة الزوجية بين بطليه «نادر» و«ياسمين» بالانفصال.
يعرض لها كما يعيشها الناس فى مجتمع متزمت، مقيد للحريات، فيكشف النقاب عما فى ذلك المجتمع المتمسك شكلياً بأهداب الفضيلة، من نفاق مستتر، بغيض.
رومان بولانسكى المخرج البولندى، ذائع الصيت، وهو بدوره قد شارك بفيلمه «المذبحة» بطولة كيت ونسليت «جودى فوستر» و«كريستوفر فالس».
الفيلم مأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه وفيه يكشف «بولانسكى» النقاب عما فى المجتمع الأمريكى من تمزق للعلاقات الاجتماعية، على نحو يثير الفزع فى القلوب. و«ودى آلن» ذلك المخرج الأمريكى متعدد المواهب الذى شارك بواحد من أجمل أفلامه وأروعها «منتصف الليل فى باريس» فيلم أقرب أن يكون حلماً، يذهب سريعاً كما تذهب الأحلام، هذا بعض من كثير عرض فى سنة ثرية بروائع الأفلام.
يبقى لى أن أقول إن أياً من الأفلام السابقة عدا فيلم «التحريك» لم يكتب له العرض العام فى ديار مصر ولا ينتظر الترخيص له بذلك فى مستقبل قريب.. وكفى!!