عندما بكى قاضى المحكمة الدولية

فكرية أحمد

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 10:57
بقلم : فكرية أحمد

كان يوما على غير العادة بهذا البلد البارد، دافئا مشمسا، فهرع الناس كعادتهم الى الشوارع والشواطئ غير مصدقين حلاوة الطقس، الذى ما كان يلبث وأن ينقلب على عقبيه ليمطر ويبرق ويرعد، ثم يعود ثانية دافئا محررا الشمس من قيد الغمائم، مثلهم، استلهمت دفء الشمس فى جولة صافية على شاطئ بحر الشمال، بمنطقة شهيرة تعرف بالكايك داون، مستجيبة لدعوة رجل كريم، عرفت ضميره قبل أن أعرفه شخصيا، كأول قاض عربى فى محكمة جرائم حرب يوغسلافيا السابقة، الدكتور فؤاد عبد المنعم رياض، علامة القانون الدولى.

 

عرفته وزوجى الكاتب الصحفى من خلال عملنا، وتجاوزت المعرفة لعلاقة اسرية، فى دعوات متبادلة وزيارات، كمغتربين مصريين فى بلد لا يحتضن كثيرا الغرباء،  وكانت دعوته لنا  لتناول شطائر بالتفاح والعسل، وهى وجبة تشتهر بها هولندا تعرف بـ «بنى كوك» تشبه القطايف لدينا ولكن بصورة أكبر حجما واكثر رقاقة، كنا قد تعاهدنا بألا نخوض فى احاديث العمل ومتاعبه، وان نستمتع جميعا بهذا اليوم الرائع وبصوت أمواج البحر والرمال النقية الناعمة المنتشرة كبساط مخملى بأرجاء الشاطئ.

ولكن ما إن رأيته، حتى استشعرت انه حمل معه هموم عمله، ولم يتركها كما وعد خلفه،  كانت نظراته شاردة وحزينة، نظرات استنطقت السؤال الصحفى

رغم الوعد السابق بأن نحاذر احاديث العمل  «ماذا بك».  كانت قضية ضحايا «جيب سيربرنتشيا» المسلم على أوجها فى أروقة المحكمة الدولية ليوغسلافيا بلاهاى، وكانت أوراق وملفات القضية مفتوحة على الفظائع البشعة التى ارتكبها الصرب ضد المسلمين، جرائم يشيب لها الولدان، واجابنى «أنا لا أستطيع النوم من هول ما رأيت من حقائق هذه الجرائم، من يصدق، كانوا يلقون بمواليد الأطفال المسلمين فى الهواء ويتلقفونهم على أسنة السلاح، وكأنهم العاب يتسلون بها.

وانحدرت رغم عنه دمعة حاول اخفاءها بسرعة ترفعًا، ولكن هل يعيب دمع الضمير الحى قدر الرجال لا والله، وءردف قائلاً: ناهيك عما لاقاه الرجال والنساء بمعسكرات الاعتقال من قتل وتعذيب، انا لا انام ولا اعتقد انى سأخلد للنوم، كما أن أهالى الضحايا لن يهدأوا او يستريحوا، إلا بعد ان نرى معا مرتكبى هذه الجرائم وقد نالوا العقاب، ولكن أى عقاب، مهما بلغت أعوام السجن لن تكفى لجرائم هؤلاء، إنهن ليسوا بشراً، لا يمكن أن يكونوا بشر .

كان هذا اللقاء والحوار فى ربيع عام 0002،

على أحد  شواطئ هولندا، وأعرف تماما لماذا حاصرنى هذا الموقف وأنا أرى غضب أهالى شهداء ثورتنا الحبيبة، وهم يصرون على حضور محاكمة مبارك والعادلى، وكل من شاركوا أو تواطأوا فى قتل شهداء الثورة، تواطأوا ولو بالصمت المريب.

نعم من حق هؤلاء ان يشاهدوا محاكمة القتلة والسفاحين عن قرب،  عسى ان تهدأ نيران لوعتهم، وحرقة فجيعتهم، عسى ان ترتاح ارواح شهدائهم، انه اقل حق من حقوقهم أن يشاهدوا عن قرب القصاص العادلة من القتلة، قتلة أبناءهم وأزواجهن، بناتهم واطفالهم، وهذا أقل شىء بعد التعويضات الملائمة يمكن تقديمها لأهالى الشهداء، انه حق مشروع وإنسانى دللت عليه دموع واحد من انقى وابرع قضاة مصر الدوليين الدكتور فؤاد رياض.

وإذا كانت العلة بان قاعة المحكمة لا يمكن ان تكفى لأهالى الضحايا،  لماذا لا يتم إجراء المحاكمة فى مكان او قاعة كبيرة، مثل قاعة المعارض الكبرى مثلا، أو قاعة للمؤتمرات، على أن يتم عمل شاشات عرض كبيرة،  لعرض تفاصيل المحاكمة بالصوت والصورة للراغبين فى حضورها عن قرب.

أريحوهم واستجيبوا لمطالبهم الصغيرة، نعم مطالب صغيرة مقارنة بالثمن الباهظ الذى دفعوه على جوانب الثورة كى تكون، اثلجوا صدورهم بمحاكمات عاجلة عادلة لا رأفة فيها للمجرمين والسفاحين، فما ارتكبه هؤلاء فى حق الشعب لا يقل بشاعة عما ارتكبه الصرب، اجعلوهم يرون وجه القتلة عن قرب، ليشاهدوا نظرات الندم والألم، لا تحرموهم او تهمشوهم، إنهم أصحاب الحق والقضية، وليس فى هذا رغبة للشماتة او الانتقام، ان عدل القصاص، أليس كذلك يا دكتور فؤاد، أعلم أنك معى فى مطلبى.

[email protected]