رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اسم سوزان .. والطعام للجميع

فكرية أحمد

الخميس, 02 يونيو 2011 10:24
بقلم : فكرية أحمد

 

عندما تسير في أي من شوارع المحروسة، ويستوقفك مشهد احدهم بجسده النحيل ووجهه المتسخ، وملابسه التي تخفي اكثر مما تستر، ونظرة البؤس تخترق اعماقك وتتهمك باللا رحمة واللا مسؤلية، ماذا سيحدث اذا ما قدمت له كتابا من الكتب اياها المطبوع عليه صورتها الباسمة وعبارتها "القراءة للجميع"، ماذا يحدث لو قدمت هذا الكتاب الي الطفل البائس الجائع المنتهك الآدمية، أو قد يكون منتهك العرض ايضا، لتهديه اليه مع نفس ابتسامتها.

كل ما سيفعله الطفل بالكتاب، ان يتلقفه في لهفة، ويرمقك بنظرة دهشة إن لم تكن »قرف« او »احتقار«، وسيهرول الي اقرب بائع ساندويتشات فول وطعمية، ليعطيه الكتاب الثمين المزخرف بالالوان ووجوه الاطفال "الشبعانة"، عسي ان يأخذه البائع ليلف فيه الساندويتشات، ويعطي لابن "الشوارع" ساندويتشا بدلا منه أو حتي قطعة خبز بلا فول أو طعمية، ليسد جوعه، لأن معدته الفارغة هي نداؤه الاول وليس عقله، علي الاقل في هذا العمر الذي يحتاج فيه لغذاء الجسم، حتي يتمكن من استيعاب غذاء العقل.

وهذا بالضبط ما فعلته من كانت سيدة مصر الاولي، عندما اطلت علي الشعب المصري من شرفة قصرها المنيف، لم تصل عيناها الي اطفال الشوارع، المكدسين في العراء اسفل الكباري، او المغتصبين علي اسطح القطارات، او النائمين علي الارصفة وبين صناديق القمامة تحت رحمة زعماء العصابات وقادة التسول والشذوذ، واقتصرت نظرتها علي الاطفال الذين يجدون آباء تصحبهم للمدارس، آباء

يقدمون لهم الطعام والشراب والملبس، ويذهبون بهم الي المكتبات العامة في اوقات الفراغ، فقصرت اهتمامها عليهم تحت شعارات ثقافة الطفل بهدف التربح غير المشروع.

لأنها تعلم ان ابواب الثقافة تجتذب اصحاب الياقات البيضاء، واصحاب الايادي البيضاء من اثرياء العرب، الذين يسعدهم ان تسجل اسماؤهم كمساهمين في مشروعات من هذا النوع بمصر، وتجتذب الملايين من اموال المنظمات الدولية والاهلية المعنية، لذا تبنت هذا المشروع بقوة، وبتنا نري شعار "القراءة للجميع" في كل مكان، الحواري والازقة، علي اسوار المدارس، علي اتوبيسات النقل العام المتهالكة، علي اسوار سجون الاطفال التي سجلت بعهد مبارك وسوزان اعلي معدلات لجرائم الاطفال، بل و ملصقا علي صناديق القمامة التي يأكل منها اطفال الشوارع، لتخلق بذلك اكبر مفارقة اجتماعية في تاريخ الاجيال بمصر.

وهكذا بدلا ان ترفع شعار الطعام للجميع للاطفال اولا، كما تفعل بعض زوجات المسئولين في دول اخري انظمتها محترمة، فإذا بها تفرض نفسها علي الشعب المصري كراعية للامومة والطفولة، وترفع الشعار الاسهل والايسر، شعار لا يكلفها رعاية الفقراء والبؤساء من اطفال مصر، وليجد شعار "القراءة للجميع" رواجا بين "طبقات المرتاحين" من فئات الشعب، واستهلكت في ذلك مئات الملايين من اموال مصر في طباعة

كتب فاخرة، وفي احتفالات البذخ لافتتاح المكتبات هنا وهناك، بجانب اختفاء التبرعات التي انهمرت عليها لاتمام المشروع، ولتترك ملايين الاطفال علي مدي جيلين او اكثر نهبا للموت والفقر والانتهاك.

وحتي لا يتهمني البعض بالدونية والجهل، وتفضيل الطعام علي ثقافة الطفل، اذكرهم بأن طفلا جائعا مريضا، لا يمكن ان يتحول في المستقبل الي انسان مثقف متعلم، واع ومسئول، قوي ولديه طاقة بناءة، ام ان اطفال الشوارع ليسوا من ابناء الوطن.

واذكر ان الاتحاد الاوروبي بجلالة قدره، رغم ارتفاع مستويات رعايته للاطفال الاوروبيين صحيا، وتعليميا وثقافيا، اطلق مؤخرا مشروع هائل اسمه "فاكهة لتلاميذ المدارس" لتقديم طبق فاكهة لكل تلميذ ابان الدراسة مجانا، حرصا علي صحة الاطفال، وبالطبع لا يوجد اطفال شوارع في دول الاتحاد، لأن التعليم الزامي، ويجرم الآباء الذين يتهربون من الحاق اطفالهم بالمدارس، ومن يفتقد الرعاية في اسرته، يتم انتزاع حضانته من والديه، وتسند رعايته لاسرة بديلة، او لدار خاصة، بل يوجد مشروع الآن لرفع سن التعليم الالزامي الي 21 عاما بدلا من 18 الآن.

وهكذا قرأ جزء من اطفال مصر المتخمين بالنعم، القصص المنمقة والملونة، علي حساب وجبة طعام أو فرصة رعاية صحية كان يمكن ان يحظي بها اطفال الشوارع، والذين لم نسمع يوما عن اي مشروع لسوزان لرعايتهم، بجمعهم في مؤسسات لانقاذهم من الضياع واطعامهم وكسائهم وتعليمهم، أو حتي تعليمهم حرفة.

لذا أري أن من السخف ان يستمر اسمها علي اي من هذه الكتب، او اي من المشروعات التي وضعت اسمها عليها بالذهب علي حساب اطفال الشوارع، وليس كما قالت الكاتبة إقبال بركة إن مطلب ازالة اسم سوزان طفولي وسخيف، لأن بقاء اسمها سيرمز دوما ويخلد حقبة هائلة من الفساد والافساد، واهدار المال العام علي حساب الفقراء البسطاء المشردين خاصة اطفال الشوارع.