رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ديمقراطية القرود.. وديكتاتورية البشر!

علي خميس

الاثنين, 18 مارس 2013 22:59
بقلم: على خميــــس

لا أعرف ما الذى جرفنى إلى التنقيب فى هذه المنطقة، ربما لتردى وتشابك أوضاعنا السياسية فى المجتمعات العربية المتعطشة لرياح الحرية فإذا بها تواجه بعواصف التحريم والتكفير فتختلط عليها الأمور وتفضل الابتعاد عن شبهات الممارسة الديمقراطية وتستسلم لديكتاتورية الأقلية، وربما اندفعت للبحث فى هذه المسألة خلفا للتيار الشبابى الجارف الذى راح يفتش فى الشبكة العنكبوتية عن ماهية الحرية السياسية التى يفتقدها فى ممارساته اليومية نتيجة الاستحواذ والتخوين والتطفيش.

هدانى تفكيرى إلى عالم القرود باعتباره يأتى فى المرتبة الحيوانية التالية مباشرة لعالم البشر، من حيث الذكاء والتصرفات والعديد من الخصال الفيسيولوجية، فكانت المفاجأة ما اكتشفه علماء فرنسيون مؤخرا من أن إحدى مستعمرات القرود من نوع «ماكاك» تطبق فيما بينهم ديمقراطية راقية فى علاقتهم.
وأشار العلماء الذين نشروا بحوثهم إلى صعوبة البحث عن وجود برلمانات أو حكومات أو محاكم دستورية أو انتخابات منتظمة فى المستعمرات الحيوانية، لأن هذه المؤسسات هى صناعة بشرية خالصة، تقوم على تنظيم حياة المجتمع طبقا لأسس ثابتة إلا أنهم وتوصلوا فى الوقت ذاته إلى ان مجتمع قرود الماكاك يتفق فيما بينه على تنفيذ أى عمل من الأعمال من خلال عملية استفتاء وانتخاب جماعي!
فإذا حدثت مشكلة ما فإن قيادة الجماعة تجتمع وتتخذ القرار لحل هذه المشكلة، وإذا كان لدى أحد القردة ثمة رأى أو فكرة للحل فإنه يقوم بطرح فكرته هذه على الآخرين ثم يخرج من الاجتماع بانتظار الحل، لكن القرار الأخير يبقى محصورا بيد اللجنة أو المجلس القيادي، والقردة التى تستحسن الفكرة أو المقترح ولديها رغبة لتحقيق الحل

المطروح، تعبر عن موافقتها من خلال الإشارة.
وإذا حصل المقترح الأصلى على توافق أكثرية القرود، فإنه سيحظى بالموافقة، أما الأقلية فإنها تخضع لإرادة الأكثرية من دون أى شروط، ويصبح القرار خاضعاً للتنفيذ، وأثناء تنفيذ هذا القرار يجب على الجميع احترام طبيعة القوانين السائدة فى المستعمرة، فضلاً عن مشاركة الجميع فى تنفيذه، ولا يستثنى من ذلك الإناث أو الذكور أو حتى الصغار.
وخلص البحث العلمى إلى التزام جميع القرود بالقواعد الديمقراطية لأنها تستخدم من قبل مجتمع المستعمرة الحيوانى بصورة منتظمة ومستمرة.
أما بالنسبة للأنواع الأخرى من القردة، فإن الهيئة القيادية تكون فى العادة هيئة ذكورية حيث تستبعد الإناث من أى دور قيادى وهذا النظام الاجتماعى يمكن رؤيته بصورة جلية عند مجتمع الغوريلا.
وتعيش قردة الماكاك الديمقراطية فى الغالب فى آسيا، ولكن وطنها الآخر الذى تم اكتشافه من قبل المختصين هو شمال أفريقيا، وقيل أنها عاشت فى القارة الأوروبية قديما، ويعتبر الماكاك من أكثر أنواع القردة ذكاء وفطنة وقدرة على التصرف الاجتماعى المنضبط، فضلاً عن سلوكه الطبيعى الهادئ والمؤدب.
على جانب آخر، توصل خبراء سويديون إلى أدلة حاسمة تفيد بأن القردة تخطط مسبقاً من خلال استخدام خيالها والسيطرة على نفسها لتأمين مستقبلها، ويبدو أن الإنسان الذى فشل فى مجاراة القرود فى التنظيم والتخطيط واستيعاب الآراء المعارضة راح يحرم على نفسه وغيره العديد
من الأمور التى أقرتها الفطرة، فاستبدل إنسان العالم الثالث مقولة الديمقراطية والحرية بقاعدة التعايش الاجتماعى وفق قواعد اللعبة السياسية التى تقتضيها النخبة قبل العامة.
وتراهن الأقلية الديكتاتورية على أن الوقت كفيل بتغيير كل شىء، سواء أكان مرتبطا بالفطرة أو بالمكتسبات التاريخية، ودليل إنسان العالم الثالث هنا أن مجموعة من العلماء وضعوا 5 قرود فى قفص واحد، وفى وسط القفص يوجد سلم وضع فى أعلاه بعض الموز، وفى كل مرة يطلع أحد القرود لأخذ الموز يرش العلماء باقى القرود بالماء البارد، وبعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يطلع لأخذ الموز, يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يتم رشهم بالماء البارد، وبمرور الوقت لم يجرؤ أى قرد على صعود السلم لأخذ الموز، على الرغم من كل الإغراءات خوفا من الضرب, بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قرداً جديداً فأول شيء يقوم به القرد الجديد أنه يصعد السلم ليأخذ الموز وعلى الفور يبادر الأربعة الباقون بضربه وإجباره على النزول، وبعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه ألا يصعد السلم مع أنه لا يدرى ما السبب، كرر العلماء التجربة بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد آخر وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدرى لماذا يضرب.
وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة وصار فى القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبدا، ومع ذلك يضربون أى قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب، ومثل هذا الاضطهاد المستمر والتحريم المتعمد يخلق جيلاً من الغباء الاجتماعى حسب نظرية آينشتاين.
وخلاصة الأمر أن إنسان العالم الثالث يتفنن فى تحريم الممارسة الديمقراطية، ليس فقط على نفسه ولكن أيضا على «إنسان الغاب»، فى الوقت الذى يقف فيه دعاة الحرية منبهرين بفيلم «كوكب القرود» وكيف تمسك هذا الحيوان بفطرة الديمقراطية ورفضه استبدالها بديكتاتورية البشر.

[email protected]