رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التصويت الطائفي «ورطة» مصرية على الطريقة اللبنانية !

علي خميس

الثلاثاء, 20 ديسمبر 2011 09:03
بقلم -علي خميــس

إذا دخلت الطائفية من الباب دفنت الحرية، وهربت الديمقراطية من الشباك، ولن أكون مبالغا لو قلت إن التصويت الطائفي الذي كان عنوان المرحلتين الأولى والثانية للانتخابات هو بمثابة السطر الأول في شهادة وفاة الثورة المصرية، فقد كنا نتعلق بتلابيب الديمقراطية

فإذا بنا نهوى في سرداب الاستقطاب الطائفي بصورة لم تعرفها مصر حتى في عهد الاحتلال، وإذا كانت ثورة 1919 وحدت الهلال والصليب قبل 90 عاما فإن ما حل بنا قبل أيام من شأنه أن يجهض أهداف ومكتسبات جميع الثورات المصرية بما فيها ثورتنا الوليدة.
لن أقول تعالوا نتعلم من تاريخنا الممتد عبر سبعة الآف سنة فيبدو أن هذا التاريخ الطويل لم يعد يشفع لنا، وربما كانت الأمية السياسية التي خلفها النظام السابق هي التي أفرزت هذه الحالة الشاذة في المجتمع المصري، دعونا نتجاوز تاريخنا الملىء بالدروس المستفادة وتعالوا نستلهم العبر من تجارب أشقائنا وجيراننا لنعرف كيف وصلت الطائفية بلبنان وحولتها من منارة للحرية الى مسرح للصراعات الإقليمية والأطماع الدولية؟
شكلت الطائفية في لبنان معضلة أساسية يزداد تأثيرها السلبي على الدولة والمجتمع، مع تزايد الازمات الداخلية والصراعات الاقليمية والدولية، وتعدد الأديان والطوائف في لبنان ليس هو المشكلة.. فالمشكلة تكمن في النظام الطائفي واستخدام الدين والطائفة في التجاذبات والصراعات الطبقية السياسية لقوى داخلية وخارجية ذات مصالح خاصة بها ومتعارضة.
وبدأ بروز الطائفية في تاريخ لبنان الحديث بالترابط مع تصاعد الصراع الخارجي بين السلطنة العثمانية المسيطرة على لبنان

والمنطقة، وبين تغلغل الدول الأوروبية التي بلغ التطور الرأسمالي فيها مرحلة الإمبريالية التي حملت معها الصراع للسيطرة على بلدان وشعوب وأسواق اخرى وإعادة اقتسام العالم .
وكانت أولى نتائج هذا الصراع في الفترة ما بين 1840-1860 باستخدام التعدد الطائفي واثارة الحساسيات لطمس الصراع الطبقي الذي تجلى بالعاميات الشعبية الفلاحية ولإقامة نظام القائمقاميتين، واحدة يسيطر عليها الدروز على جنوب خط الشام، والأخرى للمسيحيين.
انتهت هذه المرحلة بمواجهة الثورة الفلاحية (طانيوس شاهين) بأحداث فتنة طائفية عام 1859-1860.
استغلت الدول الأوروبية هذا التطور ذريعة للتدخل المباشر في الداخل اللبناني بحجة حماية الطوائف، فرنسا ترعى الطائفة المارونية، روسيا الأورثوذكس، النمسا الكاثوليك، وانجلترا الدروز... الخ. وتبقى الطائفة السنية والشيعية تحت رعاية وسلطة تركيا.
بعد ذلك جرى تقسيم المنطقة وفقاً لاتفاق «سايكس بيكو»، ومع بدء الانتداب الفرنسي واعلان لبنان الكبير بحدوده الراهنة عام 1920، برزت مراعاة الطوائف في تركيبة المجالس لكن دون اعتماد توزيع المواقع الرئيسية على طوائف محدّدة.
ظن البعض أن الطائفية ستتبخر بانتقال لبنان الى مرحلة الاستقلال ولكن التوافق الذي جرى عام 1943 بين ممثلي الطوائف أوجد عرفاً بتوزيع المناصب الرئيسية للسلطة على أساس طائفي، مرتبطاً بحالة ظرفية ومؤقتة بهدف نيل الاستقلال.
ليس هذا فحسب بل أدت الانقسامات التي جرى فيها
استخدام الطائفية في ظل تصاعد ازمات النظام داخلياً واحتدام الصراع العربي الاسرائيلي والمخطط الهجومي الأمريكي على المواقع والقوى التحررية العربية الى احداث 1958. ثم إلى إشعال الحرب الاهلية التي تفجّرت عام 1975، والتي تداخلت فيها العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية، وأدت الى اطالتها وزيادة طابعها التدميري. وقد كشفت هذه الحرب مدى الضرر والخطر الذي ينجم عن الطائفية على الشعب والوطن.
ورغم ما جاء في اتفاق الطائف 1989 من ضرورة تشكيل هيئة وطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية، وضرورة انتخاب اعضاء المجلس النيابي الثاني خارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس شيوخ للطوائف. فإنه كرّس بالنص التقاسم الطائفي والمذهبي للمواقع الرئيسية للدولة. ونشأ عن ذلك وأيضا عن الممارسات السلطوية التي يطغى عليها طابع المحاصصة الطائفية والفئوية، ترسيخ وتفشي الطائفية في الدولة والمجتمع. ولم يجرِ تشكيل الهيئة الوطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية .
وبعد مرور نحو 170 عاما على انطلاق شرارة الطائفية يبدو الانقسام السياسي والاجتماعي الذي يمر به لبنان حاليا اعمق مما كان كان عليه خلال الحرب الاهلية السابقة ، ورغم ان الانقسام خلال الحرب الاهلية كان ما بين المسلمين والمسيحيين لكنه كان ايضا ذا طابع سياسي واضح ما بين قوى سياسية يسارية وقومية عربية لبنانية ذات توجهات علمانية، وزاد على ذلك تطور آخر بالانقسام في الشارع المسيحي حيث انقسم المسيحيون الى محورين رئيسيين موزعين على طرفي الانقسام الاسلامي في لبنان بين السنة والشيعة.
هذا ما أحدثه الحراك الطائفي في لبنان الشقيق ورغم كل ما يقال بأن الحالة المصرية مختلفة الا أن المقدمات متشابهة وأخشى أن تكون النهايات واحدة اذا ما انجرفنا في هذا الطريق الوعر، ومازالت أمامنا فرصة سانحة لتصحيح مسارنا بنبذ العصبية والطائفية في اعادة المرحلة الثانية وكذلك في المرحلة الثالثة للانتخابات البرلمانية، فالخيار اليوم في أيدينا وغدا قد ينقلب علينا!

[email protected]