رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

انقلاب على الثورة!

عـادل صبـرى

الأحد, 11 سبتمبر 2011 09:10
بقلم: عادل صبري

كانت مصادفة أن نكتب الأسبوع الماضي، عن أن فكرة الانقلاب على حكم الرئيس مبارك لم تكن وليدة الثورة، وإنما خطط لها قبل ذلك بعدة أشهر على الأقل، وما نشره موقع « ويكليكس»  الأحد الماضي،

من وثائق أكدت ما ذكرناه  بأن قادة الجيش كانوا على وشك تنفيذ انقلاب على نظام الحكم نهاية 2007. فقد كان الرئيس السابق يعلم تماما أن الشرعية الدستورية وحدها لا تكفي لتنصيب نجله مقاليد السلطة، لذا كان يردد بأنه لن يورث ابنه الحكم، رغم علمه بالمؤمرات التي كانت تحيكها زوجته وجماعة التوريث التي نعتناها في عز مجدهم في مقالات عديدة بـ « عصابة التوريث» . فقد كانت السيدة الأولي للبلاد تدفع برجال الأعمال والساسة من الحزب الوطني وغيرهم في باقي الأحزاب والقوى المتعاونة مع النظام إلى ضرورة قبول فكرة التوريث، التي كانت ستأتي عبر انتخابات صورية، لا تحمل التوريث بالمفهوم الملكي، وإنما على الطريقة الجمهوركية التي ابتدعها حافظ الأسد في سوريا وأراد تنفيذها القذافي ومبارك وعلى صالح. وتجاهلت السيدة الأولي قوة الجيش في الدولة، بعد أن حاول أعوانها على مدار سنوات تفريغه من قياداته، ونسيت ما كان يعلمه زوجها يقينا أن الشرعية الدستورية لا تغن أي رئيس قادم عن مبدأ الشرعية العسكرية التي يتنمي لها نظام حكم ثورة يوليو بالكامل.

ظل أبن مبارك يجهز عدته للانقضاض على شرعية النظام العسكري، مرة بتحالفه مع الولايات المتحدة ، وتارة بتقربه للشباب ورجال الأعمال والساسة الراغبين في انهاء حكم  العسكر، وثالثة بالاقتراب من دائرة صنع القرار في المؤسسة العسكرية. وفي كل مرة كان يظن أن الأمور في يده، خاصة بعد أن أدخل الشرطة في لعبة السياسة، وضمن موالاة العادلي ورجاله في أية أمور يريدها لتنفيذ مشروعه. لهذا حرص جمال مبارك ونجله وكبار معاونيه على إدارة المعركة مع الثوار عن طريق وزارة الداخلية، ولم يعلن حالة الاستنفار العسكري، يوم 28 يناير ظنا منه أن الأمر هين، وأن لجوءه للقوات المسلحة يعني تسليمه بقوة العسكر التي يريد نجله الانقضاض عليها بشتى الطرق. وفي أحلك المواجهات التي عصفت بالنظام كان هم مبارك أن تظل القوات

المسلحة بعيدة عن الساحة، وطلب أن تغمض عينيها فقط عما سيجري للثوار من سحق وقتل على يد الداخلية وعملائها، وبلطجية النظام والحزب الوطني، عشية موقعة الجمل.

تأخير المواجهة بين العسكريين والشعب جاء في صالح الثورة، وساعد على ذلك الروح العالية الي تشكلت أثناء المظاهرات بين القوات المسلحة والمواطنين، فظهر الحياد على أنه تحالف بين الجيش والشعب في مواجهة النظام، وفاز الشعب بأفضل ثورة في تاريخ الانسانية. لم ترض جهات عديدة بأن تظل تلك العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، خاصة أن القرارات والأماني التي خطط لها في بداية الثورة، استهدفت مواصلة روح الثورة، وتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، وهي الحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وملاحقة قتلة الثوار.  كانت الأهداف معلنة ولكن هناك من يضع دوما أسلاك شائكة في سبيل تحقيقها، وبرز في الأفق شكوك في نوايا الطرفين. كان أحرى بالمجلس العسكري أن يواصل مسيرته في طمأنة الناس على مصيرهم، ولكنه لم يفعل ذلك إلا لعدة أسابيع، وتركت البلاد مفتوحة أمام ممارسات البلطجة التي يجيدها الحزب الوطني وأعوانه وطائفة من اللصوص خريجي الليمان  وأقسام الداخلية.

ترك الحبل على الغارب جعل البعض يعتقد أن المجلس العسكري، موافق ضمنا على حالة الفوضي التي عمت البلاد، كي تكون أمامه حجة يواصل بها استمراره في الحكم. وجاء تعديل الاتفاقات على الدستور ومواعيد الانتخابات، لتؤكد هذه الشكوك لدى تيارات سياسية واسعة. وزاد الطين بلة مع ما قررته الحكومة من اجراءات تستهدف النيل من حرية وسائل الإعلام، قبل أن تمتد يدها إلى وقف الحريات التي يتمتع بها اللصوص والفاسدين والقتلة الذين يرعون الناس جهارا نهارا ولا يجدون قوات شرطة ولا عسكرية تقف في طريقهم. لذا زاد الاعتقاد بأن المجلس العسكري  يريد أن يتراجع عن كل تعهداته بنصرة الثورة والثوار، لأن الناس ترى أفعالا تتناقض مع الأقوال. قد تكون

هذه الشكوك في غير محلها، ولكن الأجواء الملبدة بالغيوم تدفع الطرفين إلى مزيد من التشكك في نوايا الآخر، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الثعابين التي خرجت من جحورها لتعلب في الساحة على أكمل وجه.

إذن حالة الثقة التي كانت بين الشعب والمجلس العسكري أصبحت على المحك، فالناس من ناحية تريد انهاء حالة الفوران التي نعيش فيها منذ 10 أشهر، ومن ناحية أخرى تريد الاطمئنان إلى أنها وضعت ثقتها في يد أمينة على روحها ومستقبلها. ولن تعود هذه الثقة بسهولة، إلا إذا عرف كل طرف قوة الآخر والتزم بحدوده. فيخطأ من يظن أن المجلس العسكري سيفرط في قوة المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، فهو على يقين أن تلك القوة اكتبسها من ثورة يوليو، لذا لن يعترف بشرعية ثورة أخرى تمحو وجود ثورته الأولى. ومن لا يعجبه هذا التفسير يستمع للأغاني التي يذيعها التلفزيون المصري، والتشبيهات التي تطلق على الثورة الحالية، بأنها ثورة تصحيح مسار الثورة الأولي، وما فعلته الحكومة مع الفلاحين في استاد القاهرة الجمعة الماضية، ومظاهرة العودة إلى عصر الاتحاد الاشتراكي وتوزيع أراضي الاستصلاح على صغار الملاك من المزارعين. وعلى المقابل يريد الشعب أن ينهي حكم العسكر، وكأنه هو العقبة الوحيدة أمام حرية الشعب، بعد أن كان الضمانة الأولي لبقاء الثورة.

بحكم الخبرة، نرى أن الطرفين على النقيض تماما ، وبهذه الصورة لن يلتقيا على خير. فلا ننسى أن المجلس العسكري قامر على روحه بعصيانه لتنفيذ أوامر مبارك بقتل المتظاهرين في ميدان التحرير وكافة الميادين الأخرى. وكاد يدفع الثمن لقاء هذه المقامرة، وأن من في الغرب والشرق يتفق على أن ضمانة الاستقرار في مصر والمنطقة لن يتحقق إلا في وجود قادة عسكريين أقوياء قادرين على التحكم في جيوشهم وشعوبهم.وعلينا أن نؤمن بأن خروج العسكر من السلطة التي كانوا سينقلبون عليها، في عهد الرئيس السابق، يعني أن تبدأ مواجهات بين الجيش والشعب في مراحل لاحقة، وهو أمر مرفوض من العامة والخاصة. لذا لم يبق أمامنا سوى الجلوس على طاولة المفاوضات مع هذه القوة الكبيرة التي يمكنها أن تتحول إلى قوة غاشمة إذا خرج الحوار عن مساره المعهود. ولن يصبح للحوار قيمة إلا أذا اتفق المتحاورون على جدول أعمال واضح، وأهداف عامة يفضلها الجميع، حتى تصبح للاجتماعات هدفا وقيمة. وعلى الجميع أن يبتعد عن الأمور الشخصية والضيقة، فالثورة لم تقع إلا بعد أن اتفق الناس على شعارات عامة، وهي التغيير  الحرية والعدالة الاجتماعية كما كنا نقول في المظاهرات. كل هذه الأمور يمكن وضعها عل طاولة الحوار في عجالة قبل أن يضيع الوقت ونفاجئ بأننا تحت وصاية حكم عسكري دائم أو انقلاب آخر على الثورة.