رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مائة يوم على ولاية الرئيس!

عـادل صبـرى

السبت, 06 أكتوبر 2012 23:32
بقلم: عادل صـبري

قبل مرور مائة يوم على ولاية الرئيس مرسي، عبر المصريون في كلماتهم التي تخرج من أفواههم في أجهزة الإعلام والصحف عن حالة الانفصام التي تنتابهم هذه الأيام. فهناك أقلام وألسنة شرعت للفتك بالرئيس الذي لم يف بالوعود التى فرضها على نفسه قبل توليه المسئولية.

وعلى الجانب الآخر، هناك متطوعون، انتشروا عبر الانترنت والتلفزيونات والأوراق الحمراء والصفراء للدفاع عن الرئيس. وبين هذا وذاك تقف الأغلبية الصامتة بلا حول ولا قوة. المشهد الساخن لم يربك المواطن العادي فحسب، بل رجال الأعمال الذين هالهم أن تصبح مرة دوما على فوهة بركان. وليس بخاف على أحد أن الآلاف من المستثمرين العرب والمصريين علقوا كثيرا من مشروعاتهم التي شرعوا في تنفيذها أو استكمالها، بعد الانتخابات الرئاسية إلى مرحلة ما بعد محاسبة الرئيس واقرار الدستور الجديد، ومعرفة ما ستؤول إليه البلاد، على الأقل في الأشهر المقبلة.
من حق كل مصري أن يحاسب الرئيس على ما قال أو وعد به، بل من حق كل مواطن أن يسأل رئيسه على ما يقوم به في نطاق عمله أو حدود مسئولياته، ولكن هذا الحق المكتسب من قوة  الواقع أو القانون هل نلتزم بحدوده وفقا للعرف وتلك القوانين؟! نحن نعلم جميعا أن المسئولية قائمة على مبدأ المشاركة. وأخشى ألا يُعجب القراء بمكاشفتهم، بحالة الانفصام التي تصيبنا جميعا في مقتل. فبعض الناس محدودة التفكير تفضل أن تضع ما نقوله في قوالب سبق أن تدربوا عليها، فإما أن تكون معهم أو في دائرة الأعداء، ولم تعد تقيس الأفكار بقدر ما تحمله من مضمون أو إثارة للمناقشات التي تساهم في الخروج من المشاكل التي تحيط بنا، بغض النظر عن مدى اتفاق تلك الأفكار معهم أو ضدهم، فالمهم في نهاية المطاف قدرتها على تحقيق المصلحة العامة. من هذا المنطق أجد أن مبدأ المحاسبة التي يرفعها البعض لمحاسبة الرئيس ظالمة، تماما، بنفس القدر الذي ظلم نفسه، بتعهده بحلها خلال هذه الفترة الوجيزة.
لا أدري كيف تجرأ الرئيس ووعد بحل أكبر معضلتين في تاريخ الشعب المصري المتعلقتين بالمرور والقمامة خلال هذه المدة؟. فمن يعد بذلك اعتبر أن لديه أملا خارج سياق الواقع بشعب اعتاد طوال

عمره عدم احترام اشارات المرور، ويعتقد  أن كسر الإشارة «جدعنة» والوقوف في الممنوع يدخله في دائرة « علية القوم». لقد راهن الأعداء من قبل على أن الشعب المصري إذا ما التزم بضوابط المرور فإنه سيكون الشعب الأفضل في العالم، ولا ننسي ما كتبه وزير الدفاع الصهيوني الأسبق موشي ديان قبل حرب أكتوبر المجيدة، بأنه راهن على عدم قدرة المصريين على شن حرب لاستعادة سيناء، إلا إذا رآهم وقد انتظموا في تسيير حركة المرور. وقد لا يعلم أغلبية المصريين أن الحملة الفرنسية التى جاءت إلى مصر فوجئ رجالها بحالة التلوث الشديد في الشوارع المصرية الضيقة في الحواري. وهالهم أن يروا البيوت المصرية من الداخل نظيفة بينما يلقون ببرازهم وقاذوراتهم في الميادين وعلى رأس الحارات وفي التلال التي تتخلل الأحياء. هذه الظاهرة التي فشلت الحملة في حلها، وجعلتهم يتندرون في كتاب» وصف مصر» عن  انتشار» البق والبراغيث» في بيوت المصريين، هي نفسها التي حاول الخديوي اسماعيل باشا القضاء عليها بشتى السبل. فقد حاول الخديو اسماعيل ردم بركة الفيل والأزبكية والخليج المصري المسمى الآن بشارع بورسعيد بالقاهرة، لوقف زحف الحشرات الطائرة على العاصمة، حيث تتراكم المياه العفنة بعد موسم الفيضان، وتنشر الوباء في البلاد. فلا ننسى أن وباء الملاريا  كان يتولى خفض نسب السكان سنويا، بعد موسم الفيضان، إلى أن بدأ في الانحسار تدريجيا بعد بناء خزان أسوان، وانتهى تماما بعد تشغيل السد العالي.
لن يفلح الرئيس في تعليم شعب اختار الفوضي المرور في اكسابه أخلاقيات الطرق. ولو حاول فرض الأخلاق بالقانون، لخسر الدنيا وما فيها،» فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا» كما يقول الشاعر، وعلينا أن نعترف جميعا بفقدنا لأخلاقيات الطرق والسير وإقامة الأرصفة. فمنا من يخرج على القانون عمدا أو مضطرا أو رغبة في التقليد، فإن لم يكن أثناء ركوب السيارات
ففي السير أو استغلال الأرصفة وشغلها بما يهوى. ولكي نتوقف عن هذه العادة السيئة نحتاج إلى تغيير أنفسنا ولن يملك أي رئيس قدرة على تغيير هذه السلوكيات التي تسربت إلى عقول الشخصية المصرية قهرا وقسرا. ولن يقدر الرئيس على تعليم الناس الطهارة، وإن استطاع من خلال خطبه المتكررة في المساجد فلن تتعدي خارج بيوتهم. وعلينا أن نستعيد مشهد ما نفعله من وساخات في دورات المياه في أماكن العمل والعامة، وما نلقي به من قمامة في الشوارع على مرأي من الجميع، على الأرصفة والطرقات. ولن تكون الحجة بأنه لا توجد أماكن كافية لالقاء القمامة فمنا من يرى بأم عينيه، من يركبون السيارات الفارهة وهم يلقون بمخلفاتهم في منتصف الشارع، ومن الناس من يحمل ركام البيوت المهدمة ونفايات الورش والمصانع ويضعها أمام المدارس والمساجد والمستشفيات، بلا حياء ولا خجل ولا خوف بأن تتسرب تلك الوساخات إلى رئة أبنائه أو مرضى أقارب له.
لن يستطيع الرئيس مرسي أو غيره أن ينجز مهام منوطة بأخلاق الشعب، وكنت أحسب جماعة الإخوان - التي ينتسب إليها - من الذكاء الذي لا يجعلها تتحمل مصائب شعب بأكمله في مرحلة حرجة  كهذه والتي تستطيع القضاء على قوة أي تنظيم سياسي أو اجتماعي بسهولة. فنحن اعتدنا أن نلقى باللوم على غيرنا، وأن نحاسب أي شخص ونكره محاسبة أنفسنا أو الجلوس أمام المرآة لرؤية عيوبنا التي تنطق بها وجوهنا وألسنتنا. نريد إقامة الديمقراطية بالشكل الذي نريده ولا نطبق أسسها على المكان الذي نعمل فيه أو نستجيب لضوابطها مع من يطالبوننا بها. فلا يجب أن ننتظر من مرسي أن يحل مشاكل مصر المتأصلة في مائة يوم، وإن وعد بذلك شخص فيجب أن نحاسبه فقط لأنه لا يعي خطورة ما يقول ولا طبيعة هذا الشعب الذي مٌسخت شخصيته عبر عصور الظلام الطويلة!. علينا أن ننتبه إلى أن حالة الانفصام التي يعاني منها المصريون وخاصة الفئة التي تعتبر نفسها «النخبة السياسية» وراء الكوارث التي نعاني منها الآن، وأن البلاد مقبلة على أزمة اقتصادية خطيرة، بسبب حالة الفوران السياسي في البلاد، فإما أن تتجه الدولة إلى الهدوء فتقبل الاستثمارات بسهولة أو ندفع الرئيس إل طبع البنكنوت وتدخل البلاد في كارثة مالية جديدة.
لن يغير الله قوما إلا إذا غيروا ما بأنفسهم، فحن قوم نطوي سجادة الصلاة ثم نطلب الرشوة أو نمنحها، وندفع الناس للمحسوبية والفساد، ونطلب ما لا نستحق ولا نعطي بقدر ما نأخذ، و«ندوس» القانون بأقدامنا طالما لن يصب في مصلحتنا ونتمسك به عندما نريد المكاسب. هذه الحقائق أراها في نفسي وبعض من حولي وبالتأكيد في كثير ممن تعرفونهم وتعيشون معهم، علينا أن نبدأ الإصلاح من الداخل،  فلنبدأ بأنفسنا قبل فوات الأوان.
[email protected]