صواريخ

الانتحار.. والعلاج الوهمي

عبدالعزيز النحاس

الأربعاء, 26 يناير 2011 19:40
بقلم: عبدالعزيز النحاس

قضايا الانتحار تتصدر المشهد، وأصبحت تحتل الأولوية عند الجميع ويتناولها الفقهاء وأصحاب الفتاوي وخطباء المساجد، وتتصدر المنابر الإعلامية.. وهذا الاهتمام الكبير بعمليات الانتحار لم يأت بسبب تحول الأمر إلي ظاهرة، أو نتيجة لاستيقاظ الضمائر فجأة والحسرة علي المنتحرين.. وإنما اهتمام وقتي بسبب النتائج التي يمكن أن تحدث جراء عمليات الانتحار بعد أحداث تونس التي اندلعت شرارتها من جسد محمد بوعزيزي المشتعل اعتراضاً علي الإهانة والظلم وتجبر السلطة، وهي نفس الأسباب التي دفعت عددا من أبناء الشعب المصري والعربي إلي نهج نفس السلوك.. إلا أن الملفت هو رد الفعل تجاه عملية الانتحار من استخفاف وتسطيح، وأحياناً تسفيه.

بداية فإن عملية الانتحار تشكل ظاهرة في المجتمع المصري منذ عدة سنوات وتناولتها بعض وسائل الإعلام من قبل، وكتبت فيها أكثر من رأي في هذا المكان بعد أن فوجئت بإحصائيات بالغة الخطورة تشير إلي أن عدد المنتحرين زاد في العام الواحد علي مائة ألف مواطن، بالإضافة إلي محاولات بلغت 300 ألف فشلوا في الانتحار ومعظم هذه الحالات كانت لأسباب معظمها يتعلق بالفقر والبطالة وعدم القدرة علي مواجهة مصاعب الحياة، والقليل منها يتعلق بظروف نفسية أو عاطفية للشباب، وهي احصائيات تكشف عن عمق الأزمات التي تواجه المصريين، وكانت مثار اهتمام وألم الرأي العام.. إلا أنها مرت مرور الكرام علي المسئولين ولم تشكل بالنسبة لهم أكثر من خبر في بعض وسائل الإعلام.. بينما تغير الأمر الآن وأصبح يشكل اهتماما، ليس

للمنتحر وإنما لرد فعل المجتمع.

في الحالات الأولي للانتحار، تم إعلان الأمر علي أنه لمرضي نفسيين وحاولوا توثيقه بشهادات ـ مضروبة ـ طبيا واجتماعيا من خلال توجيه البعض للاعتراف بالمرض.. ومع زيادة الحالات وتكرار المحاولات صعب الأمر علي السلطة وأبواقها وأصبح يشكل سخرية للرأي العام لدرجة جعلت كثيرين يذهبون مع هذا التوصيف علي اعتبار ان النظام قد تسبب في إصابة المصريين بالاكتئاب واليأس والمرض إلي درجة تدفعهم للانتحار، وبعد أن تدارك النظام خطورة الموقف ذهب كعادته لأسهل الحلول بعيدا عن لب المشكلة عندما دفع خطباء المساجد إلي تناول المشكلة، وتكفير المنتحرين وتهديدهم بأشد ألوان العذاب، كما دفع بمشايخ الفتاوي المستعدين والجاهزين لشتي المواقف والقضايا لترهيب كل اليائسين والمحبطين من عذاب جهنم وخسارتهم للآخرة بعد أن خسروا الدنيا.

ولم ينس سدنة النظام استنهاض أطباء علم النفس وتوجيههم لتسفيه الأمر إلي الدرجة التي جعلت البعض يصور الانتحار علي انه لفت نظر وشهرة أو بطولة زائفة، وكأن حياة الإنسان أصبحت بسيطة وتافهة إلي هذه الدرجة!!

هذه المعالجة القاصرة والسطحية لظاهرة موجودة في المجتمع منذ سنوات ولم يلتفت إليها أحد.. تؤكد أن النظام مفلس كعادته ولا يستطيع مواجهة أي من المشكلات الكبري، وبدلا من مناقشة الأسباب الحقيقية، ذهب للمعالجة الوهمية

ولم يسأل نفسه السؤال الصريح والواضح.. لماذا ينتحر المصريون؟! وهل المشاكل التي يواجهها المصريون علي المستوي الفردي أو الجماعي تستدعي انتحار عشرات الآلاف سنويا؟!

المؤكد أن المصريين أصبحوا أكثر شعوب الأرض عرضة للمشاكل والضغوط النفسية، وكل التقارير المحلية والدولية تؤكد أن حوالي نصف هذا الشعب يعيش تحت خط الفقر ويعاني من أحوال معيشية صعبة، وأن غالبية المصريين يعانون من التضارب والتفاوت بين الدخل وارتفاع الأسعار.. وأن البطالة تضرب الشباب المصري الذي تعلم وتخرج في الجامعات بشهادات ورقية لا تغني ولا تثمن من جوع بعد أن عانت أسرته من تعليمه ودروسه الخصوصية، ويجلس الآن علي المقاهي محبطاً وفاقداً للأمل ويائساً من المستقبل، والقلة الطامحة لا تجد أمامها سبيلاً إلا المغامرة في الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا أو الإضطرار للعمل داخل مصر في مهن متدنية لمجرد تدبير المصروفات الشخصية، بعيدا عن الطموح في الزواج وتأسيس مسكن.. والمؤكد أيضاً أن غالبية المصريين يعانون من تردي الخدمات والمرافق إلي درجة لا نجدها في أصغر دول العالم، وليس أدل علي ذلك من سوء المواصلات والطرق التي تحصد أرواح عشرات الآلاف سنوياً، والأمر لا يختلف في قطاع الصحة حتي بات يطلق علي المستشفيات العامة والحكومية الداخل مفقود والخارج مولود بسبب ترديها، وهذه المستشفيات يرتادها غالبية المصريين بسبب ظروفهم الاقتصادية التي تجعلهم يتحملون المرض والأوجاع ويفضلون الموت علي الاقتراب من المستشفيات الخاصة، المؤكد أيضاً أننا نعيش حياة سياسية فاسدة.. ليس لها علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأدت إلي ترسيخ القهر والظلم والفساد وبات المجتمع يعاني من الرشوة والوساطة والمحسوبية وتراجع القانون، وكل هذا يحدث بسبب احتكار فئة للسلطة والمال والثروة، وتهميش الشعب المصري، وليس أدل علي ذلك من نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة التي عادت بالبلاد إلي الوراء سنوات طويلة.. فكيف يشعر الناس بالرضا والأمان والأمل في المستقبل؟!