رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

رمضان زمان.. والأكل البيتي!

عباس الطرابيلى

السبت, 06 أغسطس 2011 08:56
بقلم:عباس الطرابيلي

كشف شهر رمضان التطور الكبير في سلوكيات كل المصريين وتلك هي حكايتنا اليوم..

فإذا كان البيت المصري يعيش الآن عصر «الهوم ديلفري» فإن هذا البيت اصبح يعتمد بشكل كبير علي «استيراد» الطعام من المطاعم.. بعد ان كان يجهزه ويطبخه داخل البيت.. سواء المشروبات.. أو الحلو.. أو الطعام نفسه. ولكن ذلك كان قبل هوجة الامريكان أي طلب الطعام من خارج البيت!!

 

ولنبدأ بالحلوي وبالذات حلوي رمضان

<< كان من المستحيل ومن النادر ان يطلب البيت صينية كنافة من محل الحلواني أو طبق قطايف أو حتي لقمة القاضي وبلح الشام وبالنسبة لكنافة رمضان كان البيت يشتري الكنافة غير مطبوخة وكان عمالها يستعدون لصنع الكنافة «العجين» قبل رمضان بأسبوعين وكان يحتكر صنع الكنافة العجين «أي الخيوط» عدد محدود ومعروف من عائلات دمياط.. اشهرها الحاج إبراهيم الفطايري. كان هو ملك صنع الفطير الدمياطي، وكان الفطير نوعين: فطير حلو أي محلي بالسكر والمكسرات.. وفطير حادق أي بالجبن الرومي ولكن كان هذا وذاك دائماً ما يغرق في بحر السمن السايح!!

وكان الحاج إبراهيم ـ ومحله بما فيه الفرن ـ في الشارع التجاري.. تخيلوا كان يعد كمية من الفطير في اليوم الواحد ولا يتجاوز هذا العدد وكان سعر الفطيرة ـ من النوعين ـ أربعة قروش.. أما الفطيرة السوبر فسعرها كان اربعة قروش ونصف!! وتلك كانت اسعار أوائل اربعينيات القرن الماضي. وبصراحة مازال طعم هذه الفطيرة في فمي، بعد مرور أكثر من 70 عاما!!

وإذا كان الفطايري من اوائل الذين ابتدعوا فرن الكنافة الشعر الا أن دمياط كان بها حوالي 6 أو

7 أفران مماثلة كان هناك فرنان في شارع سوق الغلال أحدهما ملك مروان وكان صاحب اشهر مقلة.. وثانيهما ملك مطاوع وكان صاحب وكالة لاستيراد المواد الغذائية من الشام وفلسطين وتركيا وايطاليا!!

والفرن كان يبني من الطوب الاحمر والطين لإعداد «بيت النار» الذي تعلوه صينية من النحاس وبجوارها وعاء لاعداد عجينة الكنافة ووعاء يوضع فيه العجين مثقوب من اسفل يسمح بمرور أو نزول العجين علي شكل خيوط من العجين السائل.. ما ان ينزل علي الصينية حتي تنضج في أقل من نصف دقيقة ليجمعها صانع الكنافة.

<< وكان البيت الدمياطي يشتري هذه الكنافة العجين من هذه الافران.. ليتم اعدادها في الصواني.. وهذه الكنافة إما تحشي بالكريمة أو الجبنة الحلوة.. أو تحشي بالمكسرات المجروشة ثم ترسل الي الافران البلدية التي كانت منتشرة في المدن القديمة والصغيرة ويكون السائل السكري جاهزاً لاستقبالها عند عودتها من الافران ساخنة ومازلت أحن الي هذه الصينية فهي أحلي من أي كنافة سواء بلدية مثل هذه أو سورية وشرقية.. وكانت كنافة البيت تكسب دائماً.. ويا سلام علي صينية كنافة امهاتنا.. وبالمثل كانت البيوت أيامها تصنع القطايف بكل انواعها العصافيري وذات الحجم العادي والحشو.. كما تريد الاسرة.

ولكن كانت «قدرة الفول» العائلية لها طقوس خاصة فالبيت الدمياطي كان يعشق «القدرة البيتي» وقدرة زمان كانت تصنع من الفخار وهذه كانت تذهب الي

الفرن البلدي ليتم تسويتها في «جورة الفرن» المملوءة بناتج بيت النار وكان يتم تجميعه وتدفن فيه حتي رقبتها قدور أو قدر الفول، الكبيرة المملوكة للمطاعم.. والصغيرة العائلية وكانت تذهب الي الجورة من الليلة السابقة.. ليتم انضاجها ببطء وعلي مهل.. لتتحول حبات الفول والعدس الاصفر والفول المجروش الي هذا الطعام السحري «زبدة الفول» وبالمناسبة ما يتبقي في جورة الفرن.. يصبح أشهر مادة للبناء في مادة القصرميللي التي تقوم مقام الاسمنت والجبس.

<< أما قدرة الفول الاخري فكانت زمان من النحاس.. قبل تصنيعها من الالومنيوم. وهذه كانت تجهز ويتم انضاجها في البيوت حيث كانت توضع بعض الوقت علي وابور الجاز.. في مساء اليوم السابق ثم توضع علي لمبة جاز سهاري لتستكمل نضجها بهدوء وهذا يعطي الفول طعماً ومذاقاً خاصاً.. زي الزبدة ولكن بعد حوالي 8 ساعات.. وكانت القدرة يوضع فيها الثلث فول تدميس صحيح والثلث من الفول المجروش والثلث من العدس الاصفر وشوية ارز مع طماطم وتوم. وللاسرة بعد ذلك ان تقدم هذا المدمس بالزيت الحار والليمون.. أو بالثوم المحمص في الزيت.. أو بالطماطم. أو بالبيض أو باللحم المفروم المعصج.. وهكذا أكثر من 14 طبقاً مختلفاً من المدمس بهدف اثرائه بما يفيد الجسم.. والعقول..

وقدرة الفول البيتي كانت تعد كل يوم لنأكلها إما في الافطار أو في السحور. ولكن البيوت الان تستخدم سخاناً كهربياً للتدميس بدلاً من جورة الفرن البلدي أو حتي اللمبة السهاري.. مع وضعها بعض الوقت علي العين الصغري، في البوتاجاز.. هذا اذا لم تكن الاسر اليوم تطلب «المدمس» ديلفري.. وحتي عجينة الطعمية.

<< وبالمناسبة كان البيت الدمياطي يخبز خبزه في البيت ولم يعرف الدمياطي عيش الحكومة إلا متأخراً وكنا نسميه العيش الخاص كما كان البيت الدمياطي يصنع احتياجاته من الجبن.. ومن اللبن الجاموسي الدسم.. وقليلاً ما كانوا يصنعونه من اللبن البقري..

<< وبالذمة هذا الكلام الذي نكتبه الآن لنستعيد أياماً عظيمة.. أم الكلام في السياسة وقرف السياسة.. وكل قدرة فول بيتي وانتم طيبون!!