رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

السودان.. وتداعيات انفصال الجنوب

عباس الطرابيلى

الاثنين, 11 يوليو 2011 08:54
بقلم - عباس الطرابيلي

خلاص أصبح السودان الواحد.. سودانين اثنين، وضاعت جهود محمد علي باشا التي بدأت عام 1820 من أجل انشاء كيان واحد اسمه السودان.. وكذلك جهود الخديو اسماعيل التي بدأت عام 1865 لزيادة مساحة هذا السودان، ليصبح اكبر دولة في افريقيا من حيث المساحة.. سواء بالفتح.. أو بالكشوف الجغرافية حتي دخلت كل البلاد المحيطة ببحيرة فيكتوريا - بما فيها مملكة اوغندا - تحت الحكم المصري.

اذ علي مدي 55 عاماً بدأت من عام 1820 وحتي استقرت مساحة السودان تم تكوين السودان.. واذا لم تكن هناك «دولة» اسمها السودان قبل ان يدخلها محمد علي بجيشين عام 1820.. فان اسماعيل ترك دولة مترامية الاطراف من البحر الاحمر شرقاً إلي تشاد غربا.. وحتي جنوب خط الاستواء جنوباً.. هذا هو السودان الذي انفق عليه كل المصريين المال الوفير وانشأوا العديد من المدن وشقوا الطرق ومدوا طرق الحضارة والسكك الحديدية وخطوط التلغراف.. فما هو مصيره الآن؟!.

<< هذا السودان الواحد المتحد - وبسبب سوء ادارة اهله له يتمزق الآن.. فقد انفصل ربع مساحته عنه ليصبح ابتداء من اول امس جمهورية جنوب السودان وعاصمة جوبا.. بكل مديريات خط الاستواء وغيرها شمالها وشرقها وغربها بينما دارفور التي ضمها اسماعيل عام 1874 ثم اعيد ضمها عام 1916 أيام حفيده السلطان حسين كامل، معرض الآن للانفصال.. مع قلاقل شديدة في شرق السودان.. فهل كتب علي السودان أن يشهد اهله الآن تمزق اراضيه وتفتت حدود دولة التي كانت الاكبر مساحة في افريقيا.

<< ولا جدال ان سوء ادارة اهل الشمال لباقي اراضي السودان وراء هذا التمزق.. ووراء رغبة مناطق كثيرة في الابتعاد عن الخرطوم وحكام الخرطوم.. فكان هذا المصير الذي تعاني منه مناطق عديدة.. في السودان.. ولا

أحد ينكر نظرة ابناء الجنوب - مثلاً - للشماليين وهم يتهمون ابناء الشمال بالتعالي عليهم وعدم اقامة خدمات تذكر لابناء الجنوب فهل يتألم محمد علي باشا.. والخديو اسماعيل والسلطان حسين كامل بن اسماعيل في قبورهم الآن مما صار إليه أمر هذا السودان العزيز علي كل مصر وكل المصريين.

وهل يبكي سعد زغلول ألماً وهو الذي رفض سحب جيش مصر من السودان بناء علي طلب بريطاني.. عقابا لمصر علي مصرع السردار لي ستاك فيها.. وهل تدمع عينا مصطفي النحاس حزناً وهو الذي اعلنها صريحة «تقطع يدي.. ولا أوقع بها علي قرار يفصل السودان .. عن مصر».

<< وها هو السودان «بيد ابنائه» يصبح سودانين.. الدولة الواحدة اصبحت دولتين لكل واحدة علمها وجيشها وعاصمتها.

هل سيحل العداء محل ما كان يجب ان يستمر صداقة وأخوة في الوطن رغم سنوات الحرب الاهلية، بسبب سوء تعامل الشماليين مع الجنوبيين.. ام سيتوصل العقلاء - علي الجانبين - الي الابقاء علي آخر صلات الدم والزمالة في وطن واحد.. ام ان الحروب الطويلة تركت بصماتها الدامية بين الطرفين.. وهل ستتوصل الخرطوم وجوبا الي علاقة معاملة الند بالند.. ام تظل الخرطوم تنظر الي جوبا نظرة التابع للمتبوع.

<< ان هناك قضايا عالقة بين السودانين: الدولتين.. وهي قضايا يمكن ان تهدد بعودة الحرب والصراع بينهما..

هناك قضية البترول الذي يتواجد 75٪ منه في الجنوب والخلاف علي ما سبق ان استلمته الخرطوم ولم يصل بعد الي جوبا.. وهل يستمر ضخ بترول الجنوب عبر

اراضي شمال السودان حيث يتم تصديره من بور سودان وحيث يتم تكريره هناك.. ام تخشي جوبا من ضغوط شمالية تجعل حرية الجنوب يده مغلولة في تصديره.. الي ان تفكر جوبا في مد خط لنقل هذا البترول اما الي كينيا ومن ثم الي المحيط الهندي.. او عبر الكونغو ليصل الي المحيط الاطلنطي.. من اجل ان تبتعد جوبا عن ايدي الخرطوم الثقيلة؟!

وهناك مشكلة «أبيي» وهي نقطة تماس عند جنوب كردفان.. فضلاً عما فيها من حقول للبترول.. وهذه يمكن ان تتحول الي حقل ألغام قابلة للانفجار، وتظل مثل كشمير: قنبلة بين الهند وباكستان.. وهناك ايضا مشاكل علي حدود مديرية النيل الأزرق وغيرها..

<< وهناك قضايا سودانيين جنوبيين مازالوا يعيشون في الشمال عددهم يتجاوز المليونين، يتمركز اكثرهم حول الخرطوم نفسها.. فهل تتشدد الخرطوم في اعتبارهم اجانب.. عليهم الرحيل.. ام تتركهم الي حين يسوون اوضاعهم.. وهم ان عادوا الي الجنوب سوف يصبحون قنابل اخري في الجنوب لانهم سوف يطلبون العمل والسكن.. في دولة تعاني من نقص الخدمات ونقص المساكن اي يمكن ان يصبحوا قوة ضغط علي الحكومة الوليدة في الجنوب.. وفي المقابل هناك اعداد كبيرة من الشماليين يعملون في الجنوب.. ويكاد يسيطرون علي معظم التجارة فيه..

<< ويخطئ الشماليون ان اعتبروا ان انفصال الجنوب سيعطيهم فرصة لتنمية بلاد الشمال وتعويضه عما فاته واهله بسبب اعباء الحرب الاهلية.. تماما كما يخطئ اهل الجنوب ان الانفصال أو الاستقلال كما يسمون ما حدث سيوفر لهم فرصة طيبة لكي يحكم الجنوبيون بلاد الجنوب وتصبح ثروات الجنوب للجنوبيين..

ان هناك تركة مثقلة امام اهل الشمال الذين ينتظرون الكثير.. وتركة رهيبة امام اهل الجنوب الذين خاضوا حربا اهلية استمرت من قبيل عام الاستقلال «1960».

<< ذلك ان امام الكل عقبات وعقبات.. ويخطئ اهل الشمال اذا اعتقدوا ان ايام القحط قد ولت بسبب الحرب الاهلية تماما كما يخطئ اهل الجنوب اذا فكروا للحظة واحدة ان ايام السمن والعسل قادمة لا ريب فيها..

امام السودان الشمالي بعد ان نفض اعباء الحرب.. وامام السودان الجنوبي بعد ان سكتت اصوات المدافع.. امامهما الفرصة لبناء دولة عصرية في كل منها.. هل يتحقق ذلك.. هذا ما سوف تكشفه الايام القادمة.