رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

البحر‮.. ‬يأكل شمال كفر الشيخ‮!‬

عباس الطرابيلى

الاثنين, 20 ديسمبر 2010 09:37
بقلم: عباس الطرابيلي

نحن فعلاً‮ ‬شعب لا‮ ‬يقرأ ولا‮ ‬يتعلم‮.. ‬وينام فلا‮ ‬يستيقظ إلا علي‮ ‬الكارثة‮! ‬إيه الحكاية هذه المرة؟‮.‬ لقد كنت أول من حذر من تآكل أرض مصر الغربية من البحر المتوسط‮.. ‬بسبب التغير المناخي،‮ ‬وتوقع ارتفاع منسوب البحر عن مستوي‮ ‬الأرض المجاورة له‮.. ‬والبعض اتهمنا بالسوداوية واننا نبحث عن كل ما‮ ‬يعكر المزاج المصري‮.. ‬وليس فقط ارتفاع منسوب البحر‮.. ‬ولكن هجمات البحر‮ ‬تأكل الأرض عاماً‮ ‬وراء عام‮.. ‬وقد عشت عمري‮ ‬كله وأنا أتابع مأساة مصيف رأس البر الذي‮ ‬أكلت أمواج البحر صفوفاً‮ ‬وراء صفوف من هذا المصيف،‮ ‬وتكررت هذه المأساة عند رشيد‮.‬

وفي‮ ‬الأيام الأخيرة،‮ ‬أكلت نوة‮ »‬قاسم‮« ‬مساحات كبيرة من قري‮ ‬القطاع الشمالي‮ ‬من محافظة كفر الشيخ‮.. ‬وبالذات بين مدينتي‮ ‬البرلس ورشيد‮.. ‬ووصلت الي‮ ‬قري‮ ‬عديدة وأغرقتها‮.‬

‮** ‬ولكن ظهرت خطورة هجمات البحر علي‮ ‬الطريق الساحلي‮ ‬الدولي‮ ‬الذي‮ ‬يربط بين مدينة رفح في‮ ‬أقصي‮ ‬شرق مصر والسلوم آخر مدينة علي‮ ‬حدود مصر الغربية مع ليبيا‮.. ‬وهو طريق أنفقت مصر علي‮ ‬انشائه مليارات عديدة ليس فقط في‮ ‬طرق كانت تعبر البحيرات‮.. ‬ولكن أيضاً‮ ‬في‮ ‬الجسور والكباري‮ ‬علي‮ ‬المواقع المائية المختلفة‮.. ‬فماذا فعل موج البحر وبالذات خلال نوة قاسم في‮ ‬المنطقة التي‮ ‬يمر فيها هذا الطريق الدولي‮ ‬في‮ ‬شمال محافظة كفر الشيخ؟‮!.‬

‮** ‬يقول المحافظ اللواء أحمد عابدين ـ وفقاً‮ ‬لما نشرته جريدة الوفد أمس ـ ان مياه البحر وصلت الي‮ ‬هذا الطريق واجتازته في‮ ‬بعض المواقع أمام قرية الحنفي‮ ‬غرب البرلس واقتحمت المنازل وقال في‮ ‬تصريحات صحفية ان مياه البحر لو ارتفعت‮ ‬10‮ ‬سنتيمترات في‮ ‬النوة الأخيرة لانهار الطريق الدولي‮.. ‬هنا لنا عدة ملاحظات نحاسب عليها الذين

صمموا هذا الطريق،‮ ‬في‮ ‬هذه المنطقة المنخفضة وكيف لم‮ ‬يتوقعوا ذلك فيبتعدوا عن شاطئ البحر بمسافة كبيرة لتأمين الطريق‮.. ‬أو ـ علي‮ ‬الأقل ـ‮ ‬يرتفعون بمنسوب الطريق ولو نصف متر عن منسوبه الحالي‮.. ‬أو لم‮ ‬يقترحوا بناء حاجز حجري‮ ‬أو أسمنتي‮ ‬يفصل بين البحر والطريق‮.. ‬وها نحن نري‮ ‬ان البحر المتوسط أصبح علي‮ ‬مسافة لا تتعدي‮ ‬200‮ ‬متر في‮ ‬بعض المناطق عن هذا الطريق الحيوي،‮ ‬الذي‮ ‬ظللنا نحلم به طريقاً‮ ‬يربط بين مناطق شمال الدلتا،‮ ‬التي‮ ‬ظلت معزولة عن باقي‮ ‬مناطق مصر وكانت مرتعاً‮ ‬لمهربي‮ ‬المخدرات وقطاع الطرق الذين كانوا‮ ‬يقطعون المنطقة في‮ ‬عز شمس النهار‮.‬

‮** ‬وأري‮ ‬ان من واجبنا أن نحاسب الذين صمموا الطريق في‮ ‬هذه المنطقة خصوصاً‮ ‬وانه‮ ‬يربط بين موانئ مصر من رفح والعريش الي‮ ‬بورسعيد ثم دمياط‮.. ‬الي‮ ‬الاسكندرية والدخيلة‮.. ‬الي‮ ‬أن نصل الي‮ ‬مرسي‮ ‬مطروح ثم السلوم‮.. ‬وأقول لهؤلاء ألم تسمعوا عن‮ »‬جسر أبو قير‮« ‬الذي‮ ‬أقامه محمد علي‮ ‬باشا ومن بداية حكمه ليحمي‮ ‬أراضي‮ ‬شمال اقليم البحيرة التي‮ ‬كان البحر‮ ‬يغزوها ـ خلال مثل هذه النوات ـ وبعد أن أقام هذا الجسر قام باستصلاح كل هذه الاراضي‮ ‬واستصلحها وأعدها للزراعة ـ وأوصل اليها مياه الري‮.. ‬ثم قام بتوزيعها علي‮ ‬الناس‮.. ‬هي‮ ‬الآن من أكثر أراضي‮ ‬مصر خصوبة وانتاجاً‮.. ‬حتي‮ ‬ولو كان محمد علي‮ ‬قد وزعها علي‮ ‬معاونيه وكبار الملاك في‮ ‬عصره‮.‬

‮** ‬والآن لم‮ ‬يعد أمامنا إلا أن نبني‮ ‬جسراً‮ ‬مماثلاً‮ ‬في‮ ‬هذه المناطق المنخفضة لنحمي‮ ‬الأراضي‮ ‬الزراعية فيها لحمايتها من مياه البحر ونحمي‮ ‬الشواطئ من عوامل النحر‮.. ‬بعد أن أغرقت مياه البحر منازل كثيرة في‮ ‬مناطق الحنفي‮ ‬وعزبة الشامي‮ ‬وعماد‮.. ‬وأمر المحافظ بفتح جسور وتركيب ماكينة لرفع المياه وشفطها من الشوارع لحماية المنازل من الانهيار‮.‬

وبناء مثل هذا الجسر هو الحل لانقاذ كل هذه المناطق لمواجهة ارتفاع منسوب البحر،‮ ‬سواء في‮ ‬مثل هذه النوات أو في‮ ‬المستقبل عندما‮ ‬يرتفع منسوب البحر عموماً‮ ‬بسبب التغير المناخي‮.‬

‮** ‬وأمامنا تجارب عديدة‮.. ‬منها تجربة في‮ ‬الأراضي‮ ‬المنخفضة في‮ ‬هولندا حيث أقامت الحكومة هناك جسوراً‮ ‬عملاقة داخل بحر الشمال ثم أقامت محطات رفع عملاقة لنقل المياه الي‮ ‬خارج هذه الجسور وتم تحويل كل هذه الاراضي‮ ‬الجديدة الي‮ ‬أجود الاراضي‮ ‬لزراعة الازهار والخضراوات والفراولة‮.. ‬وهذا هو سر طواحين الهواء القديمة المنتشرة هناك لترفع المياه وتلقي‮ ‬بها في‮ ‬القنوات الداخلية ليس فقط في‮ ‬هذه الاراضي‮ ‬الجديدة‮.. ‬بل والقديمة أيضاً‮.. ‬وقد سبق أن نشرت تحقيقاً‮ ‬صحفياً‮ ‬مصوراً‮ ‬بعنوان‮ »‬الذين سرقوا مدنهم من البحر‮« ‬ووقتها زرت أعظم معامل ومراكز البحوث المائية في‮ »‬دلفت‮« ‬وهو من أشهر مراكز البحوث في‮ ‬العالم‮.. ‬ولمن لا‮ ‬يعلم فان الاسم الرسمي‮ ‬لهذه البلاد هو‮ »‬الاراضي‮ ‬المنخفضة‮« ‬فلماذا لا ندرس تجربتهم‮.. ‬ومحاولة تطبيقها عندنا في‮ ‬الساحل الشمالي‮ ‬المصري‮.‬

‮** ‬وفي‮ ‬مدينة نيو أورليانز أكبر مدن ولاية لويزيانا علي‮ ‬خليج المكسيك رأيت منسوب المدينة منخفضاً‮ ‬عن منسوب مصب نهر المسيسيبي‮ ‬ثاني‮ ‬أطول أنهار الدنيا بعد النيل،‮ ‬ولما كان منسوب فيضان هذا النهر كثيراً‮ ‬ما‮ ‬يرتفع فيهدد ويغرق أجزاء من المدينة‮.. ‬لهذا تم انشاء حائط طولي‮ ‬كبير‮ ‬يفصل بين مسار مصب هذا النهر وبين شوارع ومباني‮ ‬المدينة لحمايتها من مياهه‮.‬

‮** ‬خلاصة القول اننا‮ ‬يجب أن نفكر من الآن في‮ ‬حماية هذا الطريق الحيوي‮ ‬الذي‮ ‬أحيا كل مناطق شمال الدلتا من‮ ‬غزو البحر‮.. ‬وأري‮ ‬ذلك مهمة أساسية أمام الدولة،‮ ‬ولا أقول أمام وزير الري‮ ‬الدكتور علام،‮ ‬الذي‮ ‬ربما لم‮ ‬يسمع عن جسر أبو قير‮.. ‬أو حائط نهر المسيسيبي‮.. ‬أو حتي‮ ‬معهد دلفت‮!!.‬