رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

بل.. ثعلب الدبلوماسية المصرية

عباس الطرابيلى

الأحد, 15 سبتمبر 2013 23:08
بقلم - عباس الطرابيلي

إذا لم أكتب عن أسامة الباز.. عمن أكتب اليوم؟.. وإذا كان كل شعب يفخر برجاله العظام  - خصوصاً رجال الدبلوماسية والسياسة - فإن لنا أن نفخر أن من طين هذه الأرض الطيبة خرج لنا الدكتور أسامة الباز..

وإذا كان المعروف أن رجال الدبلوماسية الكبار يعيشون في أبراج عاجية عالية ولا يختلطون بعامة الناس، فإن هذا الرجل لم يكن كذلك.. بل كان من عامة الناس، وكانت أسعد لحظاته أن يقف بينهم يتزاحم علي الأتوبيس أو يقطع تذكرة سينما.. أو يركب مترو حلوان، قديمه وحديثه.. وكثيراً ما لمحته يسير مستمتعاً بمفرده في شوارع القاهرة، بلا حراسة ولا هيلمان.. بل إنه كثيراً ما كان يترك مكتبه في المقر القديم لوزارة الخارجية قصر الامير كمال الدين حسين الذي أهداه إلي الحكومة ليكون مقراً لوزارة الخارجية عقب تصريح 28 فبراير 1922.. كان يترك مكتبه لينطلق «ويتمشكح» في ميدان التحرير وينطلق إلي باب اللوق إلي محل الفول الدمياطي الشهير هناك ليأكل الطبق الذي يحبه.. أو إلي شارع قصر النيل.. أو سليمان باشا ليستمتع بجمال عمارات الشارعين!!
<< والمؤكد أنه شرب هذا التواضع من والده العالم الأزهري الشيخ السيد الباز الذي كان مدرساً بالمعهد الديني العريق بدمياط، وكان أسامة الباز يحن كثيراً إلي مسكنهم في سوق القلل الشهير بدمياط في بداية سوق الخضار وسألته مرة لماذا نحن إلي سوق البلح.. فأسرع بالرد.. بل قل سوق القلل.. وكان هذا

هو الاسم الصحيح إذ كان مخصصاً لعرض وبيع القلل والأباريق وغيرها من الفخاريات المصنوعة من طمي النيل..
<< وأسامة الباز تعلم كل مرحلة الابتدائية والثانوية وهي تسع سنوات في نفس المدرسة التي تعلمت بها - مدرسة دمياط الابتدائية.. ثم الثانوية، وهي نفس المدرسة التي تعلم فيها أيضاً زملاؤه: السفير الدمياطي الكبير عبد الرؤوف الريدي.. والمهندس حسب الله الكفراوي ويسري الشامي أحد الضباط الاحرار.. ورغم أن جسمه لم يكن رياضياً إلا أنه كان يحن أيضاً إلي صالة الجيمنزيوم الشهيرة بهذه المدرسة وإلي قاعة السينما حيث كان يعرضون علينا فيها أفلاماً تعليمية رائعة.. وكان ذلك بالطبع قبل يوليو 1952!!
<< وكان الرجل يحن كثيراً لهذه المدرسة.. والفسحة ساعة العصاري بشارع البحر ثم غروب الشمس علي لسان رأس البر.. وعندما ذكرته بواقعة قيامه بحلق كل شعر رأسه بالموسي - يعني «زلبطة» قال لي إنه فعل ذلك مراراً حتي يجبر علي البقاء في البيت في الأيام التي تسبق الامتحانات كي يتفرغ.. للمذاكرة.. بينما كان شقيقه الذي التحق بالكلية العسكرية كان يزهو يوم الفسحة وهو طالب بالخروج ببدلة الفسحة العسكرية وشريطها الأحمر ليجذب أنظار البنات!! إلا أسامة، يرحمه الله.
<< وكثيراً ما كان يدعوني إلي غداء عمل -
وبالذات كلما زار ياسر عرفات القاهرة ليلتقي بالرئيس مبارك.. وكان موعدنا دائماً في مطعم مشويات شهير ملاصق لأحد الفنادق الكبري عند بداية جزيرة الزمالك الجنوبية وأمامنا نافورة النيل الشهيرة، وكان هذا اللقاء يتكرر ليتحدث لنا الزعيم الفلسطيني أبو عمار ويشرح لنا آخر المستجدات في القضية الفلسطينية اذ كان الدكتور أسامة الباز هو مسئول الملف الفلسطيني لسنوات طويلة وكان مقرباً للغاية من أبو عمار ورفاق نضاله.. وكان يعتز بأنه عاش في دمياط وكان يقدمني لأبو عمار بقوله «بلدياتي الدمياطي» وكثيراً ما كان يصر علي ان تشرح زوجتي للسيدة قرينته طريقة عمل صيادية السمك بالأرز الأحمر البني.. فقد كان يعشقها وكان يداعبني متسائلاً: هو أحسن سمك لعمل الصيادية البوري والا الوقار فكنت أرد علي الفور: بل سمك القاروص!!
<< وفي حياته عدة محطات.. الأولي عندما اختاره الرئيس الشهيد أنور السادات ليكون مرافقاً للفريق حسني مبارك قبيل وأثناء عمله نائباً لرئيس الجمهورية.. لكي يطوف به العالم «ثقافياً» ودبلوماسياً وسياسياً أي يقوم بإثراء الجانب الفكري عند حسني مبارك قبل أن يصبح رئيساً وهو نفس الدور الذي قام به جمال مبارك، ابن الرئيس حسني مبارك.
والثانية عندما أصبح مديراً سياسياً لمكتب الرئيس مبارك، اذ كان يصب عنده كل أسرار الدولة المصرية.. وهنا اتساءل - بل طالما سألته - هل كتبت مذكراتك عن هذه الفترة التي اقتربت فيها من الرئيسين السادات ومبارك.. وكان يرد: لم يحن الوقت بعد.. تري هل كتبها بعد أن اعتزل العمل في السنوات العشر الأخيرة من حياته.. وهل سجل لنا أسرار الملف الفلسطيني الذي كان أبرع من تولي مسئوليته؟.
رحم الله أسامة الباز الذي تعلم في مدرستي.. دمياط.. وتخرج في جامعة هارفارد بعد أن درس في جامعة القاهرة.. وتولي مسئولية إدارة المعهد الدبلوماسي والعزاء لكل زملائه ومحبيه.. ورفاقه المخلصين.