هموم مصرية

يوم البكاء‮ .. ‬علي‮ ‬السودان‮ »‬1‮«‬

عباس الطرابيلى

الأحد, 09 يناير 2011 09:25
عباس الطرابيلي

اليوم الاحد‮ ‬9‮ ‬يناير عام‮ ‬2011‮ ‬هو في‮ ‬نظري‮ ‬أسوأ‮ ‬يوم في‮ ‬تاريخي‮.. ‬وتاريخ كل مصري‮.. ‬وسوف‮ ‬يصبح أسوأ‮ ‬يوم في‮ ‬تاريخ السودان،‮ ‬وسوف‮ ‬يعي‮ ‬كل السودانيين كم أخطأوا لأنهم لم‮ ‬يعرفوا كيف‮ ‬يحافظون علي‮ ‬بلدهم بلداً‮ ‬واحداً‮ ‬موحداً،‮ ‬ينعم فيه الكل بالمساواة والمواطنة الحقيقية‮.. ‬والعدل‮.. ‬وسوف‮ ‬يبكون قريباً‮ ‬دماً‮ ‬وليس مجرد الدموع‮..‬

حقيقة بكيت بحرقة‮ ‬يوم‮ ‬28‮ ‬سبتمبر‮ ‬1961‮ ‬عندما وقع انفصال سوريا عن مصر وكاد السلاح المصري‮ ‬يواجه ويقتل الشقيق السوري‮ ‬فوق اللاذقية‮.. ‬ولكنني‮ ‬سأبكي‮ ‬دماً‮ ‬اليوم‮ ‬9‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬وانا اشاهد إنفصال جنوب السودان عن شماله‮..‬

والجيل الذي‮ ‬بكي‮ ‬في‮ ‬يناير‮ ‬1956‮ ‬عندما صوت السودانيون للاستقلال وليس للوحدة مع مصر هم الذين‮ ‬يبكون اليوم لتمزيق السودان بين شمال وجنوب وربما‮ ‬غدا إلي‮ ‬شرق‮.. ‬وإلي‮ ‬غرب‮.. ‬فنحن جيل وحدة وادي‮ ‬النيل‮..‬

‮** ‬والسودانيون اليوم ربما لا‮ ‬يتذكرون الجهد الجهيد الذي‮ ‬أنشأ السودان الموحد حتي‮ ‬جعله اهله اكبر دولة في‮ ‬افريقيا من حيث المساحة‮.. ‬ولا‮ ‬يتذكرون كيف تم صنع وتوحيد السودان الحديث من عام‮ ‬1821‮ ‬وحتي‮ ‬عام‮ ‬1916‮ ‬عندما تم ضم سلطنة دارفور إلي‮ ‬تلك الاراضي‮ ‬لتصنع السودان الواحد الموحد‮.. ‬رغم ما ضاع من أراضٍ‮ ‬جنوبه وغربه وشرقه كان‮ ‬يفترض أن تضم إليه‮.. ‬ولكنها ارادة الدول الاستعمارية التي‮ ‬وقفت دون انشاء امبراطورية قوية وواحدة في‮ ‬هذه المنطقة وتنسي‮ - ‬الان‮ - ‬أجيال السودانيين المعاصرة جهود تحديث السودان من أيام محمد علي‮ ‬باشا الي‮ ‬ايام حفيده الخديو اسماعيل ولا الطرق والسكك الحديدية والتلغراف ولا المدارس ولا العيادات‮.. ‬والاهم من كل ذلك أن هؤلاء المنشئين العظام حموا السودان من ان تتنازعه

قوي‮ ‬الاستعمار التي‮ ‬كانت تتلمظ فرحاً‮ ‬وفرحة لتنقض علي‮ ‬قطعة من هنا واخري‮ ‬من هناك كان الهدف انشاء دولة واحدة هي‮ ‬دولة وادي‮ ‬النيل‮.. ‬وكان هدفهم انشاء المستعمرات‮: ‬انجليزية،‮ ‬فرنسية،‮ ‬بلجيكية،‮ ‬ايطالية،‮ ‬ألمانية،‮ ‬وما أسعد كل هؤلاء الان‮.. ‬وهم‮ ‬يرون،‮ ‬بل ويدفعون ابناء جنوب السودان إلي‮ ‬الانفصال‮..‬

‮** ‬اليوم‮ ‬يذهب الجنوبيون‮: ‬في‮ ‬الجنوب وفي‮ ‬الشمال‮.. ‬وفي‮ ‬دول الجوار ليقولوا رأيهم وهو في‮ ‬الغالب مع انفصال الجنوب بينما هم أول من سيدفعون ثمن هذا الانفصال،‮ ‬وعلينا هنا أن نجد اجابة علي‮ ‬هذا السؤال الذي‮ ‬سيبقي‮ ‬واقعاً‮.. ‬هو‮: ‬من السبب في‮ ‬هذا الانفصال‮.. ‬ولماذا‮.. ‬ومن الرابحون،‮ ‬ولماذا‮ ‬يحارب‮ ‬غيرنا من اجل الوحدة‮.. ‬ولماذا‮ ‬يحاربون الانفصاليين،‮ ‬والطريف أن الولايات المتحدة‮ - ‬وهي‮ ‬الان اكبر مؤيد للانفصال‮ - ‬خاضت حربا طاحنة ضد الانفصاليين في‮ ‬العقد السادس من القرن‮ ‬19‭.‬‮. ‬وها هي‮ ‬كندا تنجح في‮ ‬حماية اتحادها وتتصدي‮ ‬لفكرة انفصال اقليم كويبيك الفرنسي‮ ‬اللغة والهوية ولكن باسلوب ديمقراطي‮ ‬عجز عنه السودان‮.. ‬ولهذا سيفقد جنوبه‮!!.‬

‮** ‬ويبدو أن السودان سيتلقي‮ ‬دورساً‮ ‬مؤلمة وهو‮ ‬يري‮ ‬جنوبه‮ ‬ينفصل وينسحب‮.. ‬ولكن هل تعلم السودانيون شيئاً‮ ‬من قضية تقسيم القارة الهندية إلي‮ ‬هند وباكستان ووقوع كشمير حائرة بينهما‮.. ‬ولا تلك الحروب الدامية التي‮ ‬وقعت بين الهند وباكستان مرة ثانية وثالثة بل وانقسام باكستان المنقسمة ذاتها إلي‮ ‬باكستان في‮ ‬الغرب وإلي‮ ‬بنجلاديش في‮ ‬الشرق‮.. ‬وفي‮ ‬آخر الجنوب نجد دويلة

سيريلاكنا التي‮ ‬هي‮ ‬سيلان سابقاً‮..‬

وهل نسي‮ ‬السودان كوريا التي‮ ‬انقسمت إلي‮ ‬شمال وجنوب ثم اشتعلت فيها الحروب الدامية،‮ ‬التي‮ ‬اشتركت فيها جيوش‮ ‬38‮ ‬دولة‮.. ‬حتي‮ ‬لم‮ ‬يكن ابناء كل كوريا‮ ‬يجدون دود الارض ليأكلوه مع أوراق الشجر‮..‬

وهل نسي‮ ‬السودان فيتنام التي‮ ‬انقسمت إلي‮ ‬شمال وجنوب ثم قامت بينهما الحرب‮: ‬الشمال تدعمه روسيا والصين والجنوب تدعمه امريكا ومعها جيوش‮ ‬غربية عديدة،‮ ‬حتي‮ ‬تم تدمير كل شيء في‮ ‬الدولتين‮..‬

وهل‮ ‬ينسي‮ ‬السودان‮ ‬يوغوسلافيا التي‮ ‬ما ان مات بطلها القومي‮ ‬القوي‮ ‬جوزيب بروز تيتو حتي‮ ‬انقسمت إلي‮ ‬دويلات‮.. ‬وكل دويلة انقسمت إلي‮ ‬اجزاء ومازالت النار تحت الرماد حتي‮ ‬بعد ان تدخلت كل اوروبا‮.. ‬وتدخلت معها الامم المتحدة‮.‬

وهل‮ ‬ينسي‮ ‬السودان ما حدث للاتحاد السوفيتي‮ ‬الذي‮ ‬كان قوة عظمي‮ ‬يناطح امريكا ويسبقها إلي‮ ‬غزو الفضاء والهبوط علي‮ ‬سطح القمر،‮ ‬ولكنه ما إن تحطم حتي‮ ‬تحول إلي‮ ‬15‮ ‬دولة‮.. ‬بل ان روسيا نفسها وهي‮ ‬الدولة الام لم تسلم ذاتها من دواعي‮ ‬الانقسام الداخلي‮ ‬فنجد القومية الشيشانية تحلم بالتحرر من سيطرة موسكو‮.. ‬ونجد ابخازيا كذلك وقصصاً‮ ‬عديدة تحدث وراء اسوار الكريملين تأكل الدولة التي‮ ‬كانت‮ - ‬وحدها‮ - ‬تستطيع أن تقول للولايات المتحدة‮ : ‬قفي‮ ‬حيث انت‮..‬

‮** ‬لم‮ ‬يتعلم السودان شيئاً‮ ‬من ذلك‮.. ‬ولم‮ ‬يع مخاطر ما هو ماض إليه بارادته‮.. ‬بل برغبته وهناك من‮ ‬يفرح وهم كثيرون‮..‬

كل هذا‮ ‬يحدث ومصر‮ ‬غائبة عن الوعي‮ ‬لا تدري‮ ‬ما‮ ‬يخططه لها الاعداء ويدبرون‮.. ‬ولقد‮ ‬غابت مصر كثيراً‮ ‬عن السودان‮.. ‬بل‮ ‬غابت عن كل افريقيا،‮ ‬وانكفأت علي‮ ‬قضية واحدة خارجية هي‮ ‬قضية فلسطين‮.. ‬فلا هي‮ ‬استطاعت ان تحلها حلاً‮ ‬عادلاً‮ ‬بعضها لاسباب خارجية عن ارادتها‮. ‬وبعضها بسبب تهاونها‮.. ‬ولا هي‮ ‬تفرغت لحل مشاكلها الداخلية‮.. ‬فغرقت مصر في‮ ‬بحر فلسطين‮.. ‬وتاهت في‮ ‬بحر الرمال المصري‮ ‬هنا وهناك‮..‬

‮** ‬وغداً‮ ‬نواصل تشريحنا لقضية السودان‮.. ‬نقول الاسباب وان كانت مرة‮.. ‬ولكن الاشد مرارة أن ما‮ ‬يحدث اليوم في‮ ‬جنوب السوان انما هو جريمة مسئول عنها شمال السودان قبل‮ ‬غيره‮.‬

وغدا نشرح كل ذلك‮.. ‬نقصد كل تلك المؤامرة‮.‬