رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فهد الدغيثر يكتب: السعـودية.. مصر.. الإمارات

عالمية

الأحد, 08 يونيو 2014 13:33
فهد الدغيثر يكتب: السعـودية.. مصر.. الإماراتفهد الدغيثر
بقلم: فهد الدغيثر

نهنئ مصر بنجاح المرحلة الأهم في «خارطة الطريق» حتى الآن بعد ثورة ٣٠ حزيران (يونيو)، والمتمثلة بإجراء الانتخابات الرئاسية. ونهنئ الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي الذي لا يشك أحد في قوته وولائه وحبه لبلاده، بدليل خروج 24 مليون مصريّ للتصويت، إذ نال الغالبية العظمى منهم.

ما يلفت النظر إيجاباً وإعجاباً، وبعد الإعلان عن فوز السيسي بأقل من ساعتين، هو تصميم المملكة وللمرة الثانية في أقل من عام، على أن تكون الأولى في تقديم التهنئة والدعم اللامحدود لمصر.
جاء ذلك في البرقية الاستثنائية والتاريخية في مضمونها وأبعادها التي بعث بها خادم الحرمين الشريفين إلى الرئيس الجديد عشية إعلان نتائج الانتخابات قبل أسبوع، وتبع ذلك أيضاً موقف مماثل من دولة الإمارات العربية المتحدة لا تنقصه العزيمة ولا التصميم، وكذا تهاني عدد من الدول العربية والأجنبية.
الحقيقة التي لا غبار عليها أن الدول الثلاث التي أتى ذكرها في سياق هذه المقدمة، واخترتها عنواناً لهذا الموضوع، باتت اليوم ومن خلال الحقائق على الأرض هي الأكثر أهمية وتأثيراً في المحيط العربي، فالمملكة والإمارات إضافة إلى قوتهما الاقتصادية، تتمتعان بقيادات حكيمة طالما غلب على نهجها الهدوء والحكمة والتروي وبعد النظر، وقد أطلق السيسي نفسه صفة «حكيم العرب» في وصفه لشخصية الملك عبدالله بن عبدالعزيز. يكفي في الإشارة إلى هذه القوة وجود المملكة ضمن قائمة دول الـ20 الأقوى اقتصاداً في العالم.
توقعاتي المتواضعة أن مصر وبعد التجارب المريرة والمعاناة، هي الأخرى في طريقها إلى تبني وممارسة مثل هذه الصفات والأدوار بقيادة الرئيس السيسي.
هذه الدول الثلاث كما لم يعد سراً اليوم كانت الأكثر إسهاماً وتصميماً على مواجهة الأحزاب الخارجة عن القانون، وفي مقدمها بالطبع حزب جماعة «الإخوان المسلمين»، وهو الحزب الذي خطف ثورة ٢٥ كانون الثاني (يناير) من شبابها المتحمس، وخدع الشعب المصري بالوعود الكبيرة، وبعد فوزه في أول انتخابات حرة تحدث في مصر منذ أمد طويل، مارس كل أنواع المراوغة والمكر في سبيل التشبث بالسلطة، سواء في مصر قبل سقوطه أم من خلال نشر آيديولوجيته في بقية دول ما يسمى بـ«الربيع العربي»، بل وحتى دولنا المستقرة في الخليج.
الشعب المصري العظيم كان سباقاً في المبادرة، وأفشل مخطط «الفوضى الخلاقة» عندما خرج في الساحات والميادين بعد عام واحد فقط من التجربة المرة، مطالباً بإسقاط حكم المرشد.
نتيجة لذلك، ولما كان عليه نهج «الإخوان»، وما أقدمت عليه المملكة والإمارات داخلياً في مواجهة هذا التغلغل الإخواني، أصبحت المملكة والإمارات

ومصر اليوم تسير في تناغم كبير وتوافق لا يشبهه إلا ما تمارسه دول تخضع لاتفاقات الوحدة والمصالح المشتركة. نعم «نجح» الإخوان بالفعل، ولكن نجاحهم أتى في مصلحة توحيد الصفوف بين أقوى ثلاثة أنظمة عربية، كما لم ينجح بذلك أي سياسي سابق من قبل. ولكن هل يكفي أن تتفق السعودية ومصر والإمارات في النجاح الذي تحقق اليوم في مواجهة التطرف والأحزاب المشبوهة وتتوقف؟ بالطبع لا. ليس أدل على جواب النفي من محتويات تلك البرقية التي أشرت إليها، فقد ضمّن الملك السعودي في برقيته الدعوة إلى الوقوف بجانب مصر حاضراً ومستقبلاً لدعم اقتصادها المنهار، وطالب بسرعة الاستجابة إلى عقد مؤتمر للمانحين بادرت أبوظبي وبسرعة لاستضافته.
جميعنا يعرف بالطبع أن نتائج مثل هذا الدعم وتبني الخطط التنموية تعتبر بطيئة وطويلة الأمد في نتائجها، وقد أشار الملك عبدالله في حديثه إلى الشعب المصري بضرورة التحلي بالصبر، بل إن السيسي نفسه حذر من الاستعجال في النتائج من خلال مقابلات عدة استمعت لها قبل فوزه.
الحقيقة التي لا مفرّ منها هي الحاجة لإعادة عجلة التنمية في مصر بمساعدة المملكة والإمارات، ومن يشارك بذلك من الدول الأخرى التي يهمها استقرار مصر، على أن لا يؤثر ذلك بالطبع في سلم الأولويات والمسؤوليات التي تقوم بها المملكة داخلياً، استناداً إلى مبدأ «ابدأ بمن تعول»، وفي مقدمها التعامل بلا كلل ولا تردد ولا تباطؤ مع البطالة في المملكة، وتنويع مصادر الدخل. لكن في مصر ولتحقيق التنمية بأقل المغامرات ثمناً وأقربها إلى النتائج المأمولة، أرى والرأي للجميع أن نخرج - مصر والسعودية والإمارات - من تفكيرنا النمطي القديم في الاستفادة من المعونات والقروض التنموية والمشاريع التقليدية التي سبق وجربناها في كل مكان، ونفكر خارج الصندوق.
في هذا الصدد لماذا لا نؤسس هيئة استشارية عالمية عليا لتنمية مصر يكون مقرها الظهران أو دبي وليس القاهرة، وقوامها وأعمدتها عدد من أكبر وأعرق الدور الاستشارية في العالم كل في ما يخصه، ومطعّمة بخبراء تنمية واقتصاد من كبريات المؤسسات المشهود لها بالإنجاز مثل «أرامكو السعودية» و«إعمار الإماراتية» مثلاً، وكذا مثيلاتها بالطبع من الخبرات
المصرية.
مهمة هذه الهيئة أولاً تجاوز البيروقراطية، وتسهيل منح التراخيص للمستثمرين، وتحديد برامج التنمية الطويلة الأمد، وتقويم المشاريع والرؤى والأفكار المتطابقة مع العصر والمستقبل، واختيار المناسب منها، والإشراف المباشر على التنفيذ.
أنا هنا أشير بصراحة إلى إبعاد الحكومات من مثل هذه البرامج، وخصوصاً الحكومة المصرية ببيروقراطيتها القاتلة. بل اسمحوا لي بالقول إن مصر اليوم وقبل كل شيء بحاجة إلى حكومة حديثة متطورة، وخالية ما أمكن من أدوات الفساد والتعطيل والتعقيد.
مصر بحاجة إلى حكومة مصرية عصرية على غرار حكومة دبي في لوائحها ونمطها ومرونتها ووظائفها وأدائها، وهذا في الواقع سبب اختياري لمدينة دبي كحاضنة لمقر الهيئة. ما الذي يمنع من ذلك؟ حكومة دبي تكوّنت أنظمتها تحت متطلبات التنمية العصرية المستشرفة بوضوح تام للمستقبل، وليست قبلها، ولذا فالمرونة في تلك الحكومة اليوم لا حدود لها بحسب ما تمليه الظروف والمتغيرات.
في النهاية ليس أسوأ من أن تأتي الأفكار والخطط والأموال لتصطدم ببيروقراطية حكومة كهلة متخلّفة عن الزمن بقرون كما هي بيروقراطية الأجهزة الحكومية في مصر. وفي هذا الصدد لا أرى مانعاً حتى من استفادة المملكة أيضاً من هذه المنتجات الموجهة أصلاً لمصر، كون المملكة تعاني بطء الحركة في أجهزة بيروقراطية عدة، بما يؤثر سلباً في عجلة التنمية البشرية والاقتصادية.
سياسياً وهذا مهم جداً للاستقرار، لا بد لهذه الدول من الوصول مع إيران إلى صيغ معينة من التفاهم والتعاون. التنمية وتحسين دخل الأفراد يحتاج إلى بيئة حاضنة من أهم مقوماتها العيش بسلام، والابتعاد ما أمكن عن أجواء المواجهة والحروب.
إيران اليوم داخلياً ليست في أفضل حال، على رغم ما يردده بعض مسؤوليها من شعارات فارغة. مؤشرات التنمية لديها هزيلة جداً، والشعب الإيراني يوشك على الانفجار بسبب قبضة «ولاية الفقيه» من جهة، والحصار الاقتصادي العالمي.
الغرب وإسرائيل يؤكدون المرة تلو الأخرى أنهم لن يسمحوا لإيران بامتلاك السلاح النووي، إذاً فالأجواء مهيأة للرهان على العقلاء هناك ليغيروا مسار الجمهورية الذي اعتمد منذ الخميني على المواجهة والصراعات وخلق الأعداء.
علينا كعرب - وأقصد تحديداً هذه الدول الثلاث مجتمعة ومتفقة - أن نضع التعاون الاقتصادي والاجتماعي في مقدم أجندة المفاوضات عند الجلوس مع الإيرانيين، وبالشروط التي تخدم مصالحنا أولاً. لن أسهب في هذا الجانب كثيراً، فقد قرأت عدداً لا بأس به من المقالات التي تؤيد هذا التوجه وتحديداً في هذا الوقت، والحقيقة التي لا مفرّ منها أن إيران دولة محورية ومهمة في منطقتنا، ولا يمكن تجاهلها تماماً وكأنها لم تكن، فهل ننطلق بما يشبه الاتحاد غير المعلن بين الدول الثلاث التي أشرت إليها في عنوان المقالة، ونؤسس لمصر أولاً ولشعوب المنطقة بشكل عام أروع الأمثلة في النهضة والإنجاز المتقن التي عجزت عن القيام بها تلك الحكومات البائدة التي أطبقت وكتمت الأنفاس على معظم مقدرات الدول العربية منذ استقلالها من الاستعمار الأجنبي؟
هذه ليست أماني بل رؤى وتطلعات، وهي ليست فقط لمصلحة مصر وشعبها الطيب العزيز، بل للعالم العربي والعالم بأسره الذي يعشق تلك الأرض وكنوزها التاريخية، ويدرك القيمة الحقيقية لاستقرار دولة بمكانة وحجم وأهمية مصر.
نقلا عن صحيفة الحياة