كأني أمريكاني..!

طه خليفة

الخميس, 17 مايو 2012 10:26
بقلم - طه خليفة

الرابعة عصر الاثنين 14 مايو 2012 لحظة تاريخية لا أنساها   ما حييت ذلك انني أدليت لأول مرة بصوتي في انتخابات الرئاسة المصرية منذ أصبح لي حق الانتخاب قبل 18 عامًا.
كانت لي تجربة واحدة سابقة ولم يكن انتخابًا إنما استفتاء على الرئيس السابق فقط في التسعينيات من القرن الماضي وكان الوقت صباحا لكن رئيس اللجنة وكان معلمي في اللغة العربية قال لي " قمنا بالواجب نيابة عنك" والمعنى أنه تم تسويد كل بطاقات الاقتراع بما فيها بطاقتي بـ "نعم" لمبارك، ولما اعترضت وشعر هو بالحرج حاول إرضائي بإعطائي ورقة اقتراع مازالت فارغة لأدلي بصوتي الذي لن يكون له تأثير بالطبع، فالنتيجة كانت معدة سلفًا بالثلاث تسعات الشهيرة.
اليوم أصبح لصوتي قيمة لذلك كنت حريصًا على التصويت والاستمتاع بلحظة الديمقراطية التي ظللت محرومًا منها 18 عامًا وكنت أشعر بالدونية وأنا أرى العالم الحر يجري انتخابات نزيهة ويذهب المواطنون فيه بالداخل والخارج ليسقطوا رئيسًا أو حزبا حاكما ويأتوا بآخر، بينما نحن كان مفروضًا علينا الرئيس حتى مماته أو مماتنا نحن.
الوضع اختلف الآن ففي ورقة إبداء الرأي 13 مرشحًا وإذا استثنينا اثنين من الفلول - عمرو موسى وأحمد شفيق - فإن سبعة على الأقل من الباقين يصلح كل واحد منهم أن يكون رئيسًا جيدًا.
كم كنا محرومين طوال 30 عامًا من حلم اختيار
الرئيس بالإرادة الشعبية الحرة ؟. كم ظلم مبارك الشعب المصري عندما وصل للرئاسة في غفلة من الزمن وهو منصب أكبر منه وأوسع عليه دون أن يقوم بإصلاح اقتصادي أو سياسي فانهارت البلاد على يديه لذلك خرج ملعونًا مطرودًا مخلوعًا محبوسًا لا هو ناصر ولا حتى السادات.
المرة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات تنافسية في عهده كانت عام 2005 وكانت فرصة له أن يكفر عن بعض جرائمه في حق المصريين بالتدشين لإجراء انتخابات حرة وبدء إصلاح جاد وحقيقي لكنه ضيع فرصة أخرى على مصر وعلى نفسه، حيث استمر نهج التزوير الفاحش واغتصاب الشرعية والسلطة.
كم كان هذا الرجل ديكتاتورًا وأنانيًا إذ إنه عندما ألغى الاستفتاء الرئاسي واستبدله بالانتخاب التنافسي وهي خُطوة بدت جيدة في لحظتها فإنه من الجهة الأخرى فرغها من مضمونها تمامًا بأن قام ترزيه القوانين بتفصيل تعديلات دستورية وقانونية تقصر الترشح عليه وحده وعلى الأحزاب الورقية وتجعل من المستحيل على أي شخص مستقل الترشح وكان المستهدف الأساسي هم الإخوان أو من يدعمونه.
كل التعديلات الدستورية بخصوص الترشح للرئاسة التي وضعت في 2005 ثم تعديل التعديلات بعد ذلك لم تكن تهيئ بيئة
للمنافسة المتكافئة إنما كانت تهندس المنصب لشخص وحيد فقط هو جمال مبارك لإحكام خطة التوريث ولولا الثورة لكان جمال هو رئيس مصر الآن، وكان من ضمن ترتيبات التوريث تلك الانتخابات الفضيحة لبرلمان 2010 التي أسقط فيها أحمد عز كل مرشحي أحزاب المعارضة الجادة والإخوان والمستقلين المحترمين حتى يمنع وجود نواب خارج وصاية الحزب الوطني يمكن أن يؤيدوا أي مرشح قوي يهدد الوريث، وأدخل عز نوابًا عن أحزاب تافهة بلا قيمة ليمكنها من تقديم مرشحين أمام جمال كديكور فقط.
لكن مشيئة الله أن تنطلق ثورة شعبية عرفت معنى آخر لأهميتها وعظمتها يوم ذهبت للسفارة المصرية بالدوحة لأدلي بصوتي فأجد المشهد جديدا علينا كأننا مواطنون من عالم آخر، أمريكانًا أو أوروبيين مثلاً، حيث إننا لم نعتد على ذلك المشهد في الخارج بأن تفتح السفارة وأن نقف طوابير وأن نصوت بحرية وأن نختار من نشاء وأن نضع الورقة في صندوق شفاف ولا يعلم أحد من سيفوز من المرشحين الـ 13 بأغلبية أصوات الجالية ولا من هو الذي سيفوز بالمنصب في النهاية. قبل ذلك كانت النتيجة معروفة سلفًا لذلك لم يكن أحد يذهب لينتخب.

أنا مدين للثورة وكل مصري مدين لها بالحرية التي نعيشها وبالانتخابات الحرة وكلنا مدينون لدماء الشهداء فلولاهم ماكنا تحررنا من الطاغوت ولا كنا شهدنا انتخابات برلمانية نزيهة ولا كنا شهدنا اليوم بوادر انتخابات رئاسية حرة ولا كنا نحن المصريين بالخارج صارت لنا قيمة أو حق في التصويت. وحتى الفلول المرشحون والناخبون فإنهم مدينون للثورة ولدماء الشهداء التي تجعل لهم اليوم الحق في الترشح والتصويت، بينما أيام مبارك لم يكن أحد منهم يجرُؤ على التفكير في الترشيح أو يشعر أن صوته له قيمة.