الصورة رمادية والشعب هو الحل

بقلم ـ صلاح عبد الصبور

 

الحالة السياسية في مصر تبدو رمادية، فهي ليست سوداء كما يتصورها البعض وليست ناصعة البياض كما يراها الآخرين، فالتشاؤم المرتبط بالحالة الاقتصادية والمشاكل الفئوية ما هي إلى مرحلة تمر بها كل الثورات قد تطول أو تقصر حسب تعاطي الشعب مع الثورة ومكتسباتها، والتفاؤل الواقعي مطلوب في المرحلة الراهنة لنستطيع أن نهدم نظام فاسد ونبدأ بسرعة في بناء نظام جديد قائم على الديمقراطية الحقيقية التي تصب كل معطياتها في صالح الشعب.

الحقيقة الآن أن هناك ثورة لم تنته، ثورة داخل وجدان كل مصري يعشق تراب هذه البلد، ولكن مازال هذا الشعور لم يصل إلى الأغلبية الصامتة الذين لن يتحركوا إلى في حالتين الأولى أن يشعروا بمكتسبات الثورة في حياتهم الشخصية، والثانية أن يهبوا لمواجهة خطرا كبيرا يهدد حياتهم وبلادهم.

والجانب السياسي هو المحرك الأول للأحداث في الوقت الراهن، وقد أفرزت الثورة خلال 4 شهور عن قوتين سياسيتين حقيقيتين، وانكشفت الأهداف السياسية لكلاهما خلال جمعة الغضب الثانية يوم 27 مايو، وهما التيار الإسلامي المتمثل في الإخوان المسلمين والسلفيين الذين يتفقون لأول مرة في مواجهة القوى الثانية المتمثلة في الليبراليين والعلمانيين واليسار والنخب المثقفة وهم من الصعب التحالف فيما بينهم إلا في مواجهة التيار الإسلامي، القوى الأولى تمتلك تواجد كبير في الشارع وتنظيم متميز لتحقيق أهدافها، فيما تمتلك القوى الثانية الإعلام والنخب الثقافية والعلاقات الخارجية الجيدة، ولكنها تواجه مشاكل متعلقة بالفروق الفكرية الداخلية بين شرائحها.

تعتمد قوى التيار الإسلامي على توجيه الأغلبية الصامتة، وظهر تأثيرها في استفتاء التعديلات الدستورية، وتسعى إلى الحضور بقوة في البرلمان القادم لتضع نفسها على سدة الحكم وتستطيع أن تكون عضوا فاعلا في الحياة السياسية القادمة، ولكنها وقعت

في خطايا النظام السابق في الاستهتار بعقلية الشعب المصري وفرض الوصاية عليه، وظهر ذلك جليا في مقاطعتها لجمعة الغضب الثانية في محاولة لنقل صورة تعبر عن مدى تأثيرها على حركة الثورة وفي نفس الوقت التقرب من المجلس العسكري الحاكم في المرحلة الانتقالية الراهنة.

أما الليبراليين فيمتلكون ابواق إعلامية قوية وخبرات سياسية ونضالية كبيرة اكتسبتها من تواجدها في مواجهة النظام السياسي السابق ولها تأثير كبير على النخب الشبابية المثقفة، ولكنها تواجه مشكلة كبيرة في الوصول إلى الأغلبية الصامتة، التي تحتاج إلى وقت طويل لتغيير توجهاتها وثقافتها السياسية، وهي تراهن الآن على تغيير الدستور قبل الانتخابات لأنها تتوقع تفوق الإخوان المسلمين عليها في الانتخابات البرلمانية.

من الواضح أن جمعة 27 مايو كانت من الأيام الفارقة في تاريخ ثورة الكرامة والحرية، فقد حققت هذه الجمعة العديد من النتائج على المستوى السياسي والثقافي وربما في تحديد مسار الثورة وتوجهها في الفترة القادمة، حيث أظهرت على المستوى السياسي شكل العلاقة بين القوى السياسية في مصر في النظام الجديد، وفي نفس الوقت أكدت على أن الشعب المصري لم يعد في حاجة إلى وصاية ويستطيع اتخاذ قراره بنفسه والذي ظهر في نزول عدد كبير وغير متوقع من المتظاهرين رغم محاولات التخويف من هذا اليوم والتي ظهرت ملامحه في بيان الإخوان المسلمين وبيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذين حظروا من حدوث مصادمات أو اختلافات داخل الميدان قد تؤدي إلى فشل هذه المظاهرة المليونية.

هذه المعطيات تضعنا أمام صورة رمادية واضحة للمشهد السياسي في مصر بعد الثورة، تقترب من اللون الأبيض قليلا حسب توقعي للطبيعة الحضارية للشعب المصري وما أتمناه، وهذه الصورة تنقل ثلاثة سيناريوهات لما يمكن أن يحدث في المرحلة القادمة اتصورها كالتالي :

السيناريو الأول وهو الأمثل لتحقيق مكتسبات الثورة وهو الأقرب للواقع بطبيعة المصري المناضل الذي يحب بلاده، والذي يعتمد على أن نترك الشعب بحرية كاملة أن يقول كلمته ويختار القوى التي تحكمه بديمقراطية حقيقية وبدون وصاية، وتظهر في المقابل القوى المعارضة الشريفة التي تحترم قرار الشعب وتدافع عن حقوق الأقليات وتحاسب الأغلبية الحاكمة وتقوم بدور الراعي للديمقراطية، وفي نفس الوقت تفسح الأغلبية المجال للمعارضة لأن تتحرك بحرية وتثبت وجودها.

السيناريو الثاني تتمحور ملامحه في صدام سياسي طاحن بين القوى السياسية الرئيسية وبين الفئات الفاعلة داخل القوى السياسية وحتى داخل الفئة الواحدة، فقد نجد صراع بين شباب الإخوان ومكتب الإرشاد، أو شباب الثورة والنخب الليبرالية، وقد يزيد هذا التناحر إلى التخوين وفضح النوايا، وكل ذلك ليس مستبعدا لأن ملامحه ظاهرة رغم إنها غير معلنة.

السيناريو الثالث وهو السيناريو الأكثر سوداوية وهو أن يشعر الحاكم العسكري أن الشارع لم يفرز قواه المدنية القادرة على إدارة البلاد، مما يضطره إلى إحكام سيطرته على الحكم لأنه يشعر أن القوى السياسية الموجودة لا تحقق المصلحة العامة، أو أن تتحرك الأغلبية الصامتة في هذا الاتجاه وتختار حكم العسكر وهو سيناريو مستبعد تماما لعدم وجود اطماع سياسية واضحة داخل المجلس العسكري وعدم قدرة الأغلبية الصامتة على التحرك بقوة في هذا الاتجاه.

ويظل ذلك كله في إطار تحليلات وآراء لمستها خلال مشاركتي كمواطن مصري في مظاهرة جمعة 27 مايو ومراقبتي لما يدور داخل الميدان كصحفي يبحث عن الحقيقة، بالإضافة إلى تصوري لما يدور في الإعلام الذي أعطى لهذه الحوارات السياسية والتناحر بين القوى أكثر من حقها في التغطية والمتابعة، رغم أنني كنت أتمنى أن يهتم الإعلام بالمحاولات الشبابية لدفع الثورة إلى الأمام من  خلال رصد المبادرات البناءة والمهمة التي تحتاج بالفعل إلى رعاية واهتمام إعلامي وهذا سيكون محور مقال آخر.

------------------

رئيس مجلس نقابة الصحفيين الالكترونيين