رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عاش محروما.. ومات مقهورا .. ومازال مظلوما

صلاح صيام

الجمعة, 23 نوفمبر 2012 09:24
بقلم:صلاح صيام

أحد كبار المثقفين والمبدعين الذين ذابوا عشقا في تراب مصر ودفع الثمن, لم يأخذ حقه من التقدير فلا يعرفه الكثيرون ومن يعرفه يربط بينه وبين قصيدته المأسوية الشهيرة رغم ما تحتويه من عبقرية شعرية, قدم فى حياته القصيرة التى لم تستمر سوى 46 سنة ما لم يستطع الكثيرون تقديمه في مئات السنين,

كان عاصفة من الموهبة, كتب الشعر بالفصحى والعامية وله 9 دواوين أشهرها ديوان «بروتوكولات حكماء ريش» التى انتقد فيه مثقفي مصر, وألف أكثر من 15 مسرحية أشهرها «ياسين وبهية» و«منين أجيب ناس» وهي مسرحية كتبها في أسبوعين فقط أثناء احتجازه من قبل الحكومة بمستشفى الأمراض العقلية,بالإضافة لإخراجه 8 مسرحيات وقيامه ببطولة 4 مسرحيات أخرى وكتابته لعشرات المقالات والدراسات النقدية والأدبية
نجيب سرور شاعر ومؤلف وممثل ومخرج مسرحي, حالة فريدة ونادرة جدا من المبدعين, نموذج مثالي للفنان والمثقف الذي لا ينطق كلمة واحدة دون ايمان كامل بها لدرجة أن المؤرخين الأدبيين قالوا إن التطابق بين أقواله وأفكاره وأفعاله كان السبب الرئيسي في حياته الصعبة ونهايته المأساوية, عشق مصر ورفض أن يتنازل عن هذا العشق إلى آخر لحظة في عمره, جاع وتشرد وسجن واتهم بالجنون ووصل الأمر لوضعه في مستشفى الأمراض العقلية ولكنه ظل ثابتا على موقفه وايمانه بقضية الوطن..
عاش حياة أقرب لحكاية ساخرة أو مأساة إنسانية, أشبه بصرخة يائسة من روح عجزت عن مواجهة الواقع،فأصابه ذلك بأقسى أمراض العالم ألما وعذابا،فعندما يحدث الصدام بين الواقع والفنان النبيل المتمسك بفنه ومشاعره الرقيقة وأحاسيسه المرهفة تكون النتيجة ما وصل اليه، وهو ليس عيبا فى نفس نجيب سرور ولكن لوجود شعرة رقيقة بين الفن والجنون, دائرة مغلقة تجمع العبقرية والجنون، الفيلسوف العظيم نيتشه جن بشكل كامل في آخر 11 عامًا من حياته, و(هولدرلين) الذي يعد واحدا من أهم الشعراء في تاريخ الانسانية أمضى نصف عمره تقريبًا في بحر الجنون.
فنجيب سرور الذى عانى القهر منذ كان صغيرا عندما رأى أباه وأمه يضربان بالحذاء من عمدة قريته و جسد هذه الواقعة فى قصيدته «الحذاء», فمنذ نعومة أظافره يدرك أن من يملك يمارس قهرا وظلما على من يملك كما فعل العمدة مع أبيه وأمه.
ولعل ذلك كان سببا فى ميل (سرور) إلى الأفكار الشيوعية التى كانت سببا فى نفيه، فعندما ابتعثته الحكومة المصرية إلى روسيا 1959 لدراسة المسرح أفصح عن هذه الافكار فألغت الحكومة المصرية بعثته بعد ثلاثة أشهر بسبب التقارير

السرية التى كان يكتبها زملاؤه وترسل إلى جهاز مخابرات صلاح نصر وهو ما أصاب شاعرنا بصدمة كبيرة أدت إلى إصابته بالاكتئاب ودخل مستشفى الأمراض العقلية وبعد خروجه منها كان مريضا بالسل ويحتاج للعلاج,ويعيش بدون مصدر دخل تقريبا مع زوجته الروسية وولديه «شهدي وفريد».اتصل به أحد المسئولين الكبار في وزارة الإعلام وطلب مقابلته,و قطع المسافة من منزله بميدان الجيزة إلى ماسبيرو سيرا على الاقدام ليوفر مصاريف المواصلات. ويقابله المسئول طالبا منه تأليف وإخراج 15 مسرحية للتلفزيون المصري مقابل خمسة آلاف جنيه للمسرحية الواحدة بشرط أن تكون مسرحيات خفيفة بعيدا عن السياسة والافكار واعمال العقل،عرض مغري وواضح بيع القضية التي عاش من أجلها بـ75 ألف جنيه قادرة على انتشاله من أزمته الصحية والمادية، ولكنه رفض العرض بدون تفكير وعاد لمنزله بنفس الطريقة، وقرر أن أن يبيع العالم ويشتري نفسه.
وقبل وفاته بشهور وبعد انتصار أكتوبر قدم مسرحية «اوكازيون» على مسرح وكالة الغوري ينتقد فيها الحكومة ويرفض تحول البلاد إلى أقصى درجات الانحطاط الفكري والاجتماعي تحت مسمي (الانفتاح)، ولكنه شعر بأن رسالته لم تصل للناس، شعر بأن خشبة المسرح لا تكفي لاحتواء موهبته الكاسحة وحبه الجارف لمصر فاتخذ أغرب قرار وأقدم على أكثر تصرفات حياته جنونا، فوجئ الناس به يقدم مشاهد مسرحيته في وسط ميدان التحرير حاملا ابنه الصغير وصائحا «ألا أونا.. ألا تري.. مين يشتري الورد مني؟»
قال عن نفسه
أنا لست أحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبى كان دومًا قلب فارس
كره المنافق والجبان
مقدار ما عشق الحقيقة
رحم الله شاعرنا الذى عاش محرومًا، ومات مقهورًا، وظل مظلومًا بعد وفاته
[email protected]