عاطف الغمري يكتب : العرب يحتاجون إلى تأمل مراجعات دول العالم

صحف أجنبية

الأربعاء, 22 مايو 2013 14:03
عاطف الغمري يكتب : العرب يحتاجون إلى تأمل مراجعات دول العالم	 عاطف الغمري

يحدث في أعقاب أية تحولات دولية أو إقليمية، أن تبدأ القوى الكبرى صاحبة الاستراتيجيات التي يتجاوز نشاطها حدود دولتها، إلى مناطق بعيدة في العالم، بإعادة رسم استراتيجيتها حسب ما تقتضيه هذه التحولات .

وهو نفسه ما تفعله القوى الإقليمية التي تملك فكراً استراتيجياً . وكل دولة تفعل ذلك بالشكل الذي يسمح لها بإدارة علاقاتها الدولية، منه ما يتعلق بعلاقات التحالف والتعاون، أو ما يتعلق بالخصومة والتنافس، وبما يحافظ على مصالحها الوطنية، وما يعزز من قدرتها على إحباط أي تهديدات، سواء منها ما هو مستجد، أو ما هو دائم ومستمر .

كثير من الدول تعتمد في صياغة استراتيجياتها، على مؤسسات متخصصة، من مراكز بحوث، ومعاهد أكاديمية، ومراكز مختصة بالفكر الاستراتيجي، وكلها تعمل على صياغة رؤية استراتيجية مدروسة بعمق، لتغيير في الأفكار والنظريات السياسية والاقتصادية، وفي السياسات التطبيقية الناجحة التي أنتجت أفكاراً غير تقليدية، وأن تضع بناء على ذلك استراتيجية تحقق مصالح الدولة .

ومثل هذه المؤسسات تعد كياناً رئيساً، قائماً في الحياة السياسية في الدول الكبرى . لكن دولاً صاعدة، في آسيا وأمريكا اللاتينية، قد لجأت في السنوات الماضية، إلى إنشاء هذه المؤسسات، غير التابعة وظيفياً للدولة، والتي تتمتع باستقلالية التفكير، بما يسمح لها بإطلاق تفكيرها من دون قيود، لاستخلاص كل ما هو في مصلحة الدولة، من دون التأثر بتوجهات فريق يحكم الآن، وقد لا يكون في الحكم غداً .

وتعد الولايات المتحدة، من أولى دول العالم، اعتماداً على مثل هذه المؤسسات . فهي جزء حيوي من النشاط اليومي الأمريكي، لدرجة أنه قد يحدث أحياناً، أن يكون الرئيس الأمريكي منشغلاً بالبحث عن سياسة خارجية يتعامل بها مع مشكلة دولية تواجهه، فيصل إلى علمه اقتراح أو مشروع نوقش في أحد هذه المراكز . ويجد أن هذا المشروع أفضل، مما طرحته عليه دائرة مساعديه للسياسة الخارجية . فيسارع إلى تبني هذا المشروع، ويطبقه سياسةً خارجيةً رسميةً لحكومته .

حدث هذا مع دراسة لهنري كيسنغر وهو في مقتبل شبابه مدرساً بجامعة هارفارد، في الخمسينات . وكانت عن الردع النووي،

فتبنتها رئاسة إيزنهاور .

وحدث هذا أيضاً عندما طرحت في معهد بروكنغز في واشنطن، في أواخر السبعينات ورقة بحثية لاثنين من خبراء المعهد، تقترح حلاً للنزاع بين مصر و”إسرائيل” . وذلك بأن يقوم الرئيس الأمريكي باستضافة الرئيس السادات، ورئيس وزراء “إسرائيل” بيغين، في لقاء ثلاثي يجمعهم في مكان خارج العاصمة واشنطن، وبعيداً عن الإعلام ويشارك الرؤساء الثلاثة في مفاوضات، لا تنتهي إلا بعد التوصل إلى اتفاق . وهو ما فعله كارتر، بعد توليه الرئاسة، فأخذ هذا الاقتراح . ودعا للمفاوضات في منتجع كامب ديفيد .

هذا الأسلوب أخذت به دول أخرى، في صياغة استراتيجياتها، خروجاً عن التفكير في محيط الدائرة الضيقة للرئيس، التي تضم مستشاريه ووزراءه .

وقد حدث بعد ثورة 25 يناير في مصر، وانطلاق موجات الثورة التي أسماها الغرب بالربيع العربي، أن بدأت في الحال دراسات لمراكز سياسية في “إسرائيل”، تابعة للدولة رسمياً، أو مراكز بحثية مستقلة . وكانت تركز على الاحتمالات التي يمكن أن تنتهي إليها الصحوة العربية، واتخذت من مصر على وجه التحديد نموذجاً لهذه الدراسات .

ومن أبرز الأفكار التي اتفقت عليها هذه الدراسات، أن قيام حكم ديمقراطي حقيقي في مصر، سيمثل التهديد الأكبر ل”إسرائيل”، وأن الحكم الدكتاتوري الخاضع لرئيس مستبد، وحزب واحد مسيطر، هو الشكل الأمثل لمصلحة “إسرائيل” . واتفقت أيضاً على أن حدوث فوضى داخلية، أمنية واقتصادية في مصر، سوف يدعم مصالح “إسرائيل” . . من ثم بدا لهم أن ما يحدث في سيناء، من نشاطات معادية للدولة، هو ما يمكن، أن يمثل أكبر خدمة ل”إسرائيل” .

قبل ذلك كانت قد دارت مناقشات في مراكز سياسية “إسرائيلية”، فور ثورة 25 يناير، ترى أن اكتمال الثورة، بقيام دولة ديمقراطية قوية، سوف يعدل ميزان القوى بين العرب و”إسرائيل” الذي

يميل لمصلحة “إسرائيل” منذ قيامها عام 1948 .

وفي أمريكا، كانت المراجعة لسياستها قد بدأت من بعد تنحّي مبارك في 11 فبراير، وساد تصور عام، أن تبلور استراتيجية لمصر، واضحة المعالم، مستندة إلى مشروع قومي للتنمية الاقتصادية ينهض بمصر، هو الذي سيدفع الولايات المتحدة، إلى إعادة صياغة علاقاتها التبادلية مع مصر . وظلت المؤسسات البحثية الأمريكية في حالة ترقب، لما ستتجه إليه الأحداث في مصر، إلى أن تأكد لها افتقاد النظام الحاكم لأي رؤية مكتملة للسياسة الخارجية، أو أي استراتيجية للتنمية الاقتصادية . وما لاحظته من عدم وضوح المبدأ الذي تقوم عليه السياسة الخارجية، مع تدهور معيشي واقتصادي مستمر .

لهذا لم يكن هناك ما يدفع الولايات المتحدة، إلى إدخال تغيير في سياستها، واكتفت بالمحافظة على علاقتها مع الإخوان، كانت قد أقيمت أسسها من خلال اتصالات معهم قبل انتخابات الرئاسة المصرية، وما قدموه لها من تطمينات بالمحافظة على لمصالح الأمريكية، وعدم المساس بالعلاقة التعاهدية مع “إسرائيل” .

وكانت مبررات هذه السياسة لدى الأمريكيين، أنهم مقتنعون بقدرة الإخوان على المحافظة على الاستقرار الداخلي في مصر، والإمساك بزمام الأمور في الشارع، إلى أن بدأ يتراءى لهم، تراجع تقبل المصريين للإخوان، وتضاؤل شعبيتهم، بالإضافة إلى تراجع وضع مصر الإقليمي، بتأثير عدم كفاءة إدارة الأمور السياسية والاقتصادية، والصدام مع مختلف القوى والمؤسسات التي تمثل عصب الدولة في مصر . وهو شيء له -بالنسبة لأمريكا- أهمية كبرى، من حيث إنها ترى أن مصر القوية المستقرة، هي مركز التوازن الإقليمي، وهو ما يحافظ على استقرار المصالح الأمريكية في المنطقة .

الشيء نفسه كان يحدث لأي من القوى الإقليمية، مثل تركيا وإيران، التي تتحرك دولياً وإقليمياً، وفق استراتيجية للسياسة الخارجية، وتعمل على تطويرها فق أي تحولات كبرى، وكانت أهمها ثورة مصر .

والأمر يجري على النهج نفسه، مع اختلاف الظروف، بالنسبة لدول تتأثر مصالحها بما يجري في عالمنا العربي، مثل الصين، وروسيا، والهند .

وبصفة عامة، يفترض أن مصر، والمنطقة العربية، أحوج ما تكون، إلى متابعة المراجعات في استراتيجيات القوى الدولية والإقليمية تجاه منطقتنا، مادامت هذه المراجعات تمسّ مصالحنا بالدرجة الأولى، وهو تصرف يسهل أن يتحقق باتباع الأسلوب نفسه الذي تدار به السياسات الغربية . وذلك بأن تدخل عملية صناعة القرار السياسي، في إطارها، آراء أصحاب الخبرة والتخصص، في مراكز بحوث سياسية، وفكر استراتيجي .

وبحيث يكون هؤلاء رصيداً استراتيجياً للدولة تنهل منه، يرتقي بقدراتها السياسية، ويجعلها نداً للآخرين في عالم يتغير، ولا يصلح له تفكير الهواة، أو المتشبثين بأفكار لم تعد تصلح في عالم يتغير، ويتحول ويفكر .
نقلا عن صحيفة الخليج