بُكْرَه تُـفْرَج

شباب

الأربعاء, 04 مايو 2011 10:52
كتب - وائل عادل:


كان يجادلني في إمكانية إحداث تحولات في المجتمعات، وأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، ثم ختم بمسلمة تقول: "الزمن جزء من العلاج".. لم نتمكن من استكمال الحوار، كان متترساً بهذه المقولة على اعتبارها مسلمة علي أن أنطلق منها في حواري...انتهى الحوار... ودعني قائلاً: "بُكْرَه تُـفْرَج". اشتد عليه ألم الأسنان... اتصل بي ليلاً... ألح علي أن أذهب به إلى الطبيب، قلت له: (تمهل... اصبر وسيذهب الألم تدريجياً، وتتعافى مع مرور الوقت، ويفر التسوس أمام صمودك الجبار، أليس الزمن جزء من العلاج؟؟!! "بُكْرَه تُـفْرَج"). تسود في بعض المجتمعات فكرة أن الزمن جزء من العلاج، وتحضرني كلمة أحد المفكرين في نقاش معه: "وهو كذلك جزء من استفحال المرض". فربما يحتاج ألم الأسنان إلى عدة جلسات حتى يتعافى المريض، فبعد التشخيص الجيد، وتحديد خطة العلاج، والتزام المريض ببرنامج العلاج، يكون الزمن جزء من العلاج. بينما إن أُسيء تشخيص المرض، وأخذ المريض الدواء الخطأ، أو أهمل الذهاب إلى الطبيب، فبالتأكيد سيستفحل المرض، ويصبح الزمن جزءاً من تدهور الحالة، التي أحياناً لا

يمكن تداركها. إن البعض يميل إلى التترس بمقولة "الزمن جزء من العلاج" ليريح باله من تقييم أعماله، وتطور أفكاره ومشاريعه، إنه يختصر متطلبات التدافع في الحياة وقوانين التحول الإجتماعي في فكرة أن الزمن كفيل بتغيير الأوضاع، وإحداث التحول. وما درى هؤلاء أنهم يزيدون صعوبة الفعل على من بعدهم، لأنهم يُوَرِّثونهم حالة استفحل فيها المرض وأصابها الشلل، وضعف بصرها، وقلت مناعتها. إننا في حياتنا الطبيعية لا نقنع – في معظمنا- بهذه الفكرة كمخدر عن الفعل، فعندما يمرض شاب فإنه يبادر إلى أخذ الدواء، وإن وجد أنه لم يتحسن فإنه يبدأ في البحث عن آخر، كما يُلزم الأب ابنه في الجامعة أن ينهي دراسته في عدد الساعات والسنوات النموذجي، ولا يقبل منه أن يعتبر الزمن جزءاً من النجاح، فيوزع ما يمكن دراسته في سنة واحدة على ثلاث سنوات، إنه حينها ينعته بالفشل، وحينما نجد
مجموعة تنتظر وسيلة مواصلات عامة، ثم تتأخر هذه الوسيلة فإنهم يبدأون في التبرم والتفكير في البدائل، ولا يستسلمون لعنصر الزمن. إن أغلب نماذج الحياة التي نعيشها تسخر من فكرة ترحيل الأخطاء على الزمن. فلماذا عندما نتحدث عن تحول اجتماعي لا نجد هذه المعاني حاضرة بنفس قوتها في أمورنا الشخصية؟؟!! لماذا يصر البعض أحياناً على تجرع الدواء الخطأ مكتفياً بأنه يتناول دواءً.. أي دواء..ليبرر أنه لم يستسلم للحالة؟؟!! إن المجتمعات يجب أن تنتبه إلى عنصر الزمن، وترى هل طول الأمد في صالحها أم لا، وهل تتقدم أم تتأخر، وهل تأخذ الدواء الفعال، أم أنها تحرق الأزمان وتنهك نضارتها في تجرع دواء ضار، ويجب أن تعي أنها إن أهملت البحث عن الدواء الصحيح، ثم العثور عليه، ثم تناوله، ثم التأكد من فاعليته؛ فإنها ستصيب الأجيال التالية باليأس من إمكانية الشفاء، فالمجتمعات التي يطول عليها الأمد قد تفقد الشعور بإمكانية الفعل، وتألف الأوضاع القائمة، وتتعايش وتتكيف معها، بل وتقاوم من يريد تغييرها. ليست المشكلة في أن يطول الزمن إذا كانت المؤشرات تدل على تطور وتعافي المجتمعات، إنما المشكلة أن يطول الزمن وتزداد الأوضاع تدهوراً بدعوى العلاج. لذلك على قيادات التحول في المجتمعات أن تجيب على سؤال مهم، هل الزمن جزء من العلاج أم جزء من استفحال المرض؟؟!!

* من مدونة ثورة العقول.

أهم الاخبار