رأي معارض للتعديلات الدستورية

د.علي السلمي

الثلاثاء, 08 مارس 2011 07:54
بقلم:أ.د. علي السلمي

منذ قامت ثورة  25 يناير والمطلب الشعبي الأساسي هو إسقاط مبارك ونظامه الاستبدادي والذي اعتمد علي ما أتاحه له دستور 1971 من اختصاصات وصلاحيات جعلته حاكماً مسيطراً علي جميع السلطات وصاحب القرار الأوحد من دون مساءلة أو محاسبة. لذا كان هدف الثورة هو إسقاط النظام بكافة أركانه ودعائمه وليس فقط مجرد التخلص من شخص الرئيس، ومن هنا يتضح إصرار الثورة علي إسقاط دستور 1971 وإعداد دستور جديد للبلاد يستجيب لمطالب الشعب وتطلعه إلي دولة ديمقراطية حقيقية لا يتحكم فيها رئيس جديد يستذلهم ويسحق آمالهم كما فعل سابقوه منذ دستور 1956.

وكان بيان المجلس الأعلي للقوات المسلحة يوم الثالث عشر من فبراير الماضي مؤشراً علي توجه المجلس إلي تعديل بعض مواد في الدستور الذي أعلن ذات البيان عن تعطيله، ومن ثم تشكلت لجنة دستورية ترأسها المستشار طارق البشري لصياغة التعديلات المقترحة للمواد 76، 77، 88، 93، و189 مع الإعلان عن النية لإلغاء المادة 179 التي استخدمت فكرة حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب للسماح بإجراءات خاصة للاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة هذه الأخطار وتعطيل ضمانات الحريات المنصوص عليها في كل من الفقرة الأولي من المادة 41 والمادة 44 والفقـرة الثانية من المادة 45 من الدستور ، وأتاحت لرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون، مما فتح الباب لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ومحاكم استثنائية علي خلاف ما تقضي به مواثيق حقوق الإنسان من ضرورة محاكمة المواطن أمام قاضيه الطبيعي وعدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

ورغم تفضيل المجلس الأعلي للقوات المسلحة فكرة التعديل الجزئي لبعض مواد في دستور معطل مما يجعل التعديل يأتي علي غير موضوع، ففد جاءت اقتراحات اللجنة الدستورية بعيدة عن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه التعديلات. فقد اهتمت اللجنة بتعديل عدد قليل من مواد دستور يكتنفه العوار في أغلب مواده. كما حصرت اللجنة نفسها في صياغات بديلة لتلك المواد المحدودة من دون أن تلتفت إلي الغاية من التعديل الدستوري وهي تهيئة الوطن للانتقال إلي نظام حكم ديمقراطي يحكمه دستور يؤسس لجمهورية برلمانية لدولة مدنية عادلة، وذلك بديلاً عن نظام الحكم السلطوي الاستبدادي الذي استمر أكثر من ثلاثين عاماً مستنداً إلي دستور تمت صياغته وجرت عليه تعديلات سابقة في 1980 و2005 و2007 علي هوي الحاكم الفرد لتمكينه من إحكام سيطرته علي الحكم مدي حياته ثم توريثه لابنه أو من يريد من حزبه الحاكم متي شاء.

وقد أضافت اللجنة المادة رقم 75 إلي المواد التي جاءت في تكليف المجلس الأعلي للقوات المسلحة لها حيث أضافت شرطين إلي الشروط الواجب توفرها فيمن ينتخب رئيساً للجمهورية، الأول " ألا يكون قد حمل أو أي من والديه جنسية دولة أخري"، والثاني " ألا يكون متزوجاً من غير مصرية". وقد أثار هذان الشرطان المضافان جدلاً واسعاً ، إذ من غير المفهوم إذا كان المرشح نفسه لا يحمل جنسية دولة أخري فليس هناك مبرر أن يحرم من حقه في الترشح لرئاسة الجمهورية بسبب تصرف اقترفه أحد والديه، وقد يكون من اقترف هذا الفعل قد فارق الحياة! وقد كان يكفي النص علي ألا يكون من ينتخب رئيساً للجمهورية حاملاً لجنسية دولة أخري وقت تقدمه للترشح أو عند انتخابه. كذلك فإن اشتراط ألا يكون المرشح متزوجاً من غير مصرية قد فسر بشكل صريح علي أن الهدف منه استبعاد أشخاص مصريين مرموقين يمكن أن يكونوا منافسين أقوياء في سباق الحصول علي منصب الرئاسة، ونعتقد أنه ليس من العدل حرمان مصري من حقه في الترشح لمنصب الرئاسة لمجرد أنه مارس حقاً آخر يكفله الدستور والقانون وذلك بالزواج من غير مصرية، وهو أمر لم تجرمه القوانين المصرية فيما أعلم!

ومن الانتقادات الموجهة إلي الصياغة المقترحة لذات المادة رقم 75 أنها لم تحدد حداً

أقصي لسن من ينتخب رئيساً للجمهورية كما يطالب الكثيرون من أبناء الوطن لتفادي وصول من تقدم بهم العمر ووهنت منهم الصحة للجلوس علي سدة الحكم وهم غير قادرين ذهنياً أو عضوياً علي تحمل مسئولياته والوفاء بمتطلباته. وكان الأجدر باللجنة الموقرة أن تضع سقفاً لسن رئيس الجمهورية عند انتخابه ولتكن خمسة وستين عاماً مثلاً فإذا نجح هذا الرئيس في إكمال مدتي الرئاسة ـ ثماني سنوات حسب اقتراح اللجنة ذ يكون قد جاوز السبعين وهو سن يحسن معها التقاعد وإتاحة الفرص لمن هم أصغر سناً واقدر علي الحركة والعطاء.

وكان اهتمام اللجنة كبيراً بالمادة الخطيئة رقم 76 والتي قصد من صاغوها في تعديلات 2007 أن تكون مانعة تماماً لإمكانية الترشح لمنصب رئيس الجمهورية إلا مبارك أو ابنه أو من يرشحه حزبه. وجاء التعديل المقترح من اللجنة مثيراً للحيرة والجدل إذ قدم ثلاث طرق يمكن لمن يرغب في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية اتباع أي منها، فإما أن يحصل علي تأييد ثلاثين عضواً من المنتخبين لمجلسي الشوري أو الشعب، أو أن يحصل علي تأييد ثلاثين ألفاً من المواطنين ممن لهم حق الانتخاب موزعين علي خمس عشرة محافظة وبحد أدني ألف من كل محافظة، أو يكون منتمياً إلي حزب له عضو منتخب واحد علي الأقل في أي من مجلسي الشعب أو الشوري. وبالنظر إلي تباين تلك البدائل الثلاثة من حيث درجة صعوبتها ،فإن اعتراضاً اساسياً يوجه إلي ذلك الاقتراح أن الحصول علي تأييد أعضاء من المجلسين أو وجود عضو منتخب في ايهما ينتمي إلي حزب ما هما شرطان يقتضي تفعيلهما ضرورة إجراء الانتخابات التشريعية أولاً قبل الانتخابات الرئاسية علي عكس ما تريده الأغلبية من ثوار 25 يناير وطوائف المعارضة الذين يؤكدون أفضلية إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً لأسباب عديدة قد يكون أهمها أن أوضاع الوطن وتفكك أجهزة الشرطة وانهيار الأمن وانتشار أعمال البلطجة وتعدد حالات ترويع المواطنين من جانب الهاربين من السجون واستمرار فلول الحزب الوطني الديمقراطي ، كلها ظروف لا تسمح بإجراء انتخابات تشريعية نزيهة. يضاف إلي ذلك أن عدم تعديل قانون الأحزاب لن يسمح بقيام أحزاب جديدة تعبر عن فكر الشباب وأهداف الثورة مما سيقصر المشاركة في الانتخابات علي الأحزاب والقوي السياسية القديمة وهو أمر لا يستقيم مع مطلب تجديد الحياة السياسية في عهد الثورة.

من جانب آخر نري إلغاء كل ما يتصل بلجنة الانتخابات الرئاسية من هذه المادة علي أن تفرد مادة خاصة بإنشاء " الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات" وهي هيئة قضائية دائمة، أعضاؤها غير قابلين للعزل وتتشكل من قضاة وخبراء في الإدارة وتقنيات المعلومات والاتصالات، تتولي مسئولية إدارة عمليات الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية والاستفتاءات الشعبية، ويصدر بإنشائها وتحديد اختصاصاتها وصلاحياتها قانون خاص يعتبر من القوانين المكملة للدستور. وهذا الاقتراح يستجيب لمطالب غالبية المتابعين للشأن الديمقراطي نتيجة عجز اللجان العليا للانتخابات عن منع التزوير والتلاعب في نتائج  الانتخابات السابقة وتغافلها عن تطبيق أحكام باتة ونهائية بوقف الانتخابات في دوائر معينة أو تغيير صفة المرشحين وغيرها من الأحكام التي تصدرها محاكم القضاء الإداري بعد فحص ما يتقدم به المرشحون من طعون قبل إجراء الانتخابات. ويقتضي قبول هذا الاقتراح استبعاد ما جاء في المادة 88 بشأن اللجنة القضائية التي تشرف علي عمليات الانتخابات ودمجه في المادة الجديدة المقترح إضافتها بشأن إنشاء "الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات". وفضلاً عن الملاحظات السابقة

الرافضة لتعديلات المادتين 76 و88  فإن الموافقة علي التعديلات المقترحة من اللجنة الموقرة سوف تكون بمثابة مصادرة علي المطالب الجماهيرية بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية وإبعاد اللجنة العليا للانتخابات عن دائرة نفوذ السلطة التنفيذية وتدخلات وزارة الداخلية واستبدل بكل ذلك إنشاء " الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات" علي نمط الديمقراطيات العريقة والحديثة نسبياً مثل الهند.

وبالنسبة للتعديل المقترح للمادة 93 نتفق مع الكثيرين في أفضلية إسناد الاختصاص بالفصل في صحة عضوية المجالس التشريعية إلي محكمة النقض وليس إلي المحكمة الدستورية العليا، نظراً لخبرة قضاة النقض بفحص الطعون الانتخابية من ناحية، ومطالبة بعض شيوخ القضاء بإلغاء المحكمة الدستورية العليا من ناحية أخري.

ويرد علي التعديل المقترح للمادة رقم 139 اعتراض جوهري حيث اننا نريد التحول إلي نظام برلماني يخرج الوطن من براثن النظام الرئاسي الذي كرس السلطات كلها في رئيس الجمهورية، ومن ثم فإن اقتراح اللجنة الموقرة أن يعين رئيس الجمهورية نائباً له أو أكثر، يصب في خانة تكريس النظام الرئاسي. من جانب آخر، وحتي مع قبول فكرة وجود نائب لرئيس الجمهورية، فإن مبدأ تعيينه بقرار من رئيس الجمهورية غير مقبول إذ يصادر علي إرادة الجماهير في اختيار من يمكن أن يصبح رئيساً للجمهورية بدون اختيار من المواطنين وهو ما حدث مع الرئيس السابق، كما أن تعدد نواب رئيس الجمهورية ليس له معني في نظام حكم برلماني يقوم رئيس الوزراء المنتخب فيه بأعباء السلطة التنفيذية ويكون رئيس الجمهورية مجرد حكم بين السلطات. ولذا نري تعديل النص إلي " يتم انتخاب نائب لرئيس الجمهورية في قائمة واحدة مع المرشح لرئاسة الجمهورية، وتسري الشروط الواجب توافرها في رئيس الجمهورية والقواعد المنظمة لفترة رئاسته ومساءلته علي نائب رئيس الجمهورية".

وبالنسبة للتعديل المقترح للمادة 148 نري أنه اتساقاً مع التوجه لتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية والتحول نحو النظام البرلماني، أن يتم استبدال مجلس الوزراء برئيس الجمهورية وبذلك تصبح المادة " يعلن مجلس الوزراء حالة الطوارئ". أما بالنسبة لتعديل المادة 189 بإضافة فقرة أخيرة تنص علي أن يكون لرئيس الجمهورية ـ بعد موافقة مجلس الوزراء طلب إصدار دستور جديد، نري أن يكون الاختصاص لمجلس الوزراء بعد التشاور مع رئيس الجمهورية. وبشأن اقتراح اللجنة أن تتولي جمعية تأسيسية من مائة عضو، ينتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين من غير المعينين في اجتماع مشترك، إعداد مشروع الدستور، نري أن تكون الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد منتخبة انتخاباً مباشراً. كما نري تعديل اقتراح اللجنة بخصوص المادة 189 مكرراً ليصبح "يجتمع الأعضاء المنتخبون لأول مجلسي شعب وشوري تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء علي تعديل الدستور لإقرار قانون الدعوة إلي انتخاب الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، وذلك كله وفقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 189" وذلك اتساقاً مع رأينا ألا يختار أعضاء مجلسي الشعب والشوري الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد بل يجب انتخابها بمعرفة المواطنين ممن لهم الحق في الانتخاب.

وبشكل عام، وتقديراً للدور الوطني الذي يقوم به المجلس الأعلي للقوات المسلحة في إدارة شئون البلاد خلال الفترة الانتقالية لحين تسليم السلطة إلي حكومة مدنية منتخبة ورئيس جديد للجمهورية، فإننا نري أن تلك التعديلات التي اقترحتها اللجنة الموقرة لا تحقق ما يصبو إليه الشعب من تهيئة مناخ سليم للتحول الديمقراطي في نهاية الفترة الانتقالية، وذلك بالنظر إلي أنها لم تشمل مواد كثيرة في الدستور مطلوب تعديلها لتحقيق التحول الديمقراطي المطلوب ولضمان إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة وشفافة.

من جانب آخر، فإن إجراء الاستفتاء الشعبي علي تلك التعديلات حزمة واحدة وليس مادة مادة لن يتيح التعرف علي الرأي الحقيقي للمواطنين وقد يؤدي إلي تمرير تلك التعديلات بينما بعضها لا يحظي بقبول المواطنين. كما أن إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة في حدود الدستور القائم والذي صيغ بمنطق النظام الرئاسي ،وحيث لا يوجد ضمان أن يلتزم الرئيس المنتخب بالتوجه نحو إعداد الدستور الجديد وفق النظام البرلماني الذي تتوافق عليه الأمة، لهذا نري أنه قد يكون من الأفضل استثمار الفترة الانتقالية لوضع دستور جديد للبلاد انطلاقاً من مشروع دستور 1954 وغيره من مشاريع الدساتير التي قام بإعدادها كثير من المنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان علي أساس النظام البرلماني وتأكيد التوجهات الديمقراطية التي يتوافق عليها جميع الأحزاب والقوي السياسية وتعبر عنها مطالب ثورة الشباب والشعب في 25 يناير 2011.

وقد يكون من الأسرع والأفضل الدعوة إلي انتخاب جمعية تأسيسية تتولي وضع دستور جديد للبلاد يجري استفتاء الشعب عليه، وفي نفس الوقت تكلف اللجنة الدستورية برئاسة المستشار طارق البشري بإعداد قوانين جديدة لمباشرة الحقوق السياسية، ومجلس الشعب، ومجلس الشوري، والهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، وقانون الأحزاب وتصدر كلها بقرارات بقوانين من المجلس الأعلي للقوات المسلحة بعد طرحها للنقاش المجتمعي العام واستطلاع آراء الأحزاب والقوي السياسية. وبعد ذلك يتم إجراء الانتخابات الرئاسية تليها الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة منتخبة من الحزب صاحب الأغلبية.

*رئيس حكومة الظل الوفدية