خارطة الخروج من الأزمة:

د.علي السلمي

الأحد, 06 فبراير 2011 17:09
بقلم: د. علي السلمي

 

ترتيبات دستورية وسياسية مؤقتة لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد

حث محكمة النقض لفحص الطعون المقدمة لها ضد نتائج انتخابات البرلمان

إقرار ضمانات لنزاهة الانتخابات المترتبة علي قرارات النقض

انتخابات رئاسية نزيهة بعد تعديل المادتين 76 و77 من الدستور

انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد لجمهورية برلمانية

كان يوم 25 يناير تعبيراً صارخاً عن حالة من الغضب الشعبي والإحساس بضرورة التغيير الدستوري والديمقراطي من أجل تحقيق مستوي أفضل من الحياة لجموع المواطنين الذين طالهم الفقر والمرض وسوء مستوي الحياة لسنوات طويلة، مارس فيها الحزب الوطني الديمقراطي المرفوض شعبياً قدراً هائلاً من إفساد الحياة السياسية في البلاد.

وقد ترتب علي مطالب شباب 25 يناير أن أعلن الرئيس قراره بعدم الترشح لفترة رئاسية أخري في انتخابات 2011 كما طرح مجموعة من التعهدات لضمان تحقيق الانتقال السلمي للسلطة إلي رئيس جديد.

ولما كان النجاح في تحقيق متطلبات الانتقال السلمي للسلطة لا يعتمد فقط علي النوايا الطيبة أو التطمينات الشفهية من المسئولين عن إدارة الأزمة، وإنما يتطلب بناء جسور الثقة التي انهارت بين الجماهير المطالبة بالتغيير وبين الدولة، نتيجة ممارسات نظام الحكم علي مدي ثلاثين عاما، مما يجعل من المهم وجود خارطة طريق تتضمن المبادئ والإجراءات والنتائج المستهدفة وتحدد مراحل التحول الديمقراطي في أقصر فترة ممكنة. ومن المهم الإشارة إلي أن بعض هذه المراحل يتم بالتتابع وبعضها يتم علي التوازي بحيث تنتهي كلها خلال الفترة الانتقالية قبل البدء في إجراء الانتخابات الرئيسية في نهاية يوليو القادم.

إن المرحلة الأولي في خارطة الطريق هي إصدار إعلان من نائب رئيس الجمهورية يعدد الإجراءات التي يلتزم بها لتحقيق الانتقال السلمي للسلطة بنهاية فترة الرئاسة الحالية، مع التأكيد علي أن تكون الترتيبات الدستورية والسياسية خلال الفترة الانتقالية ترتيبات مؤقتة لحين انتخاب رئيس جديد للبلاد بما يقطع الطريق علي أي محاولات للالتفاف حولها وإفراغها من مضمونها.

* ويتم في هذه المرحلة اتخاذ مجموعة من الإجراءات هدفها إعادة البلاد إلي الحالة الطبيعية والخروج من مناخ الأزمة وتشمل الوعد بإلغاء حالة الطوارئ فور عودة الهدوء إلي البلاد خلال أسابيع قليلة، الالتزام بالإفراج الفوري عن المعتقلين أو المحتجزين من شباب 25 يناير والتعهد بعدم ملاحقتهم أمنياً أو التضييق عليهم في نشاطهم السياسي، الالتزام بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومن صدرت لهم أحكام بالبراءة ثم أعيد اعتقالهم بقرارات من وزير الداخلية السابق، إلغاء الحراسة المفروضة علي بعض النقابات المهنية وإطلاق حرية النقابات في إجراء انتخابات مجالس إداراتها، وتحرير وسائل الإعلام والاتصالات وعدم جواز فرض القيود علي أنشطتها إلا في حدود القانون.

* ويتم أثناء هذه المرحلة الأولي أيضاً تطوير وتحديث جهاز الشرطة وتمكينه من استعادة الأمن في أرجاء البلاد وذلك بمراجعة وتقييم أدائه في

التعامل مع انتفاضة الشباب يوم 25 يناير وما تلاها من تداعيات وما ترتب علي الانسحاب المفاجئ لقوات الشرطة مساء الجمعة 28 يناير، وحالات هروب المساجين من عدد من السجون. وسوف يكون من المهم تحسين أوضاع أفراد الشرطة من حيث الاختيار والتأهيل والتدريب وظروف العمل ومستويات الرواتب، وضرورة تحسين كل تلك النظم والأوضاع بما يحقق رفع كفاءة وقدرات أفراد الشرطة.

* وتبدأ في هذه المرحلة الأولي اتخاذ إجراءات ملاحقة الفاسدين بتكليف الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية بتقديم ملفات كاملة لجهات إلي النيابة العامة تتضمن جميع حالات الفساد وإهدار المال العام والتصرفات غير المشروعة في الأراضي والأصول المملوكة للدولة، وكذلك حالات بيع شركات قطاع الأعمال العام التي افتقدت الشفافية واتضحت مثالبها. كذلك يتم تكليف جهاز الكسب غير المشروع بمطالبة جميع أعضاء الحكومات السابقة وأعضاء مجلسي الشعب والشوري والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة والأجهزة الحكومية وشركات قطاع الأعمال العام ممن ينطبق عليهم قانون الكسب غير المشروع بتقديم إقرارات الذمة المالية وفحصها وتطبيق القانون علي كل من يثبت تضخم ثروته ولا يستطيع تفسير مصادر هذه الثروة.

وفي ذات الوقت يجب صدور بيان من النائب العام يعلن إنشاء مكتب خاص بتلقي شكاوي المواطنين وبلاغاتهم بشأن حالات الفساد التي تتوفر لديهم معلومات ومستندات تثبتها. ومن المهم أن يعيد جميع نواب مجلس الشعب السابقين التقدم إلي هذا المكتب بالاستجوابات التي تقدموا بها وتم الالتفاف حولها بمقولة الانتقال إلي جدول الأعمال ولم يتخذ المجلس فيها أي إجراءات.

* كذلك يتم أثناء هذه المرحلة مراجعة أوضاع الحزب الوطني الديمقراطي وإعلان تنحي الرئيس مبارك عن رئاسته، ثم اتخاذ إجراءات فصل الحزب تماماً عن أجهزة الدولة واستعادة جميع المقرات المملوكة للدولة ويحتلها الحزب، وإلغاء سيطرة الحزب ودوره في اختيار رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير في المؤسسات الصحفية الحكومية واتحاد الإذاعة والتليفزيون. كذلك تتم مراجعة علاقات رجال الأعمال المرتبطين بالحزب ودورهم في تمويل عملياته وتكليف الجهاز المركزي للمحاسبات بتقديم تقرير شامل عن حجم الأموال التي أنفقها الحزب في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ومصادر تمويلها.

وفي المرحلة الثانية يجري حث محكمة النقض لإنجاز فحص وتحقيق جميع الطعون المقدمة لها ضد نتائج انتخابات مجلس الشعب وذلك حتي يمكن أن يعقد المجلس جلساته المعلقة الآن انتظاراً لتلك القرارات. وفي نفس الوقت يجري تشكيل لجنة من الخبراء الدستوريين والقانونيين

تضم ممثلين عن أحزاب المعارضة والقوي السياسية والحركات الشبابية لإعداد الصياغة المقترحة لمواد الدستور المطلوب تعديلها وكذا بيان أسباب التعديل تنفيذاً لنص المادة 189 من الدستور. كما تتولي اللجنة إعداد التعديلات الضرورية لقانون مجلس الشعب وقانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون الأحزاب، وهي التعديلات اللازمة لتطوير نظام الانتخابات التشريعية وتعديل تشكيل واختصاصات اللجنة العليا للانتخابات وتحقيق ضمانات نزاهة الانتخابات وسد الثغرات المؤدية إلي التزوير الذي مارسه الحزب الوطني الديمقراطي المرفوض شعبياً.

كذلك تشرع تلك اللجنة في إنجاز الأعمال التحضيرية لإعداد دستور جديد للبلاد وذلك بحصر مشروعات الدساتير المتاحة وفي مقدمتها مشروع دستور 1954 ودساتير الدول الحديثة، وإعداد مشروع تمهيدي للدستور يعرض بعد ذلك علي الجمعية التأسيسية التي سيتم انتخابها لوضع الدستور الجديد. ومن المهم تحديد موعد لانتهاء اللجنة من أعمالها. ومن المهم أن يتضمن إعلان نائب رئيس الجمهورية المشار إليه في المرحلة الأولي الالتزام بإعداد دستور جديد يؤسس لجمهورية برلمانية، والنص في الدستور الجديد علي عدم جواز الجمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة حزب سياسي، والالتزام بالفصل التام بين سلطة الدولة وأجهزتها وبين الحزب الذي يتولي الحكم، وتأكيد استقلال القضاء.

وفي المرحلة الثالثة يبادر مجلس الشعب فور عودته إلي الانعقاد بتطبيق قرارات محكمة النقض في الطعون المقدمة ضد انتخابات مجلس الشعب وما قد يترتب علي ذلك من إعادة الانتخابات في بعض الدوائر بحسب طبيعة قرارات المحكمة.

وبعد استكمال التشكيل الشرعي للمجلس يشرع فوراً في مناقشة التعديلات المقترحة للمواد 76 و77 و88  و93 وكذا النص المقترح للمادة الجديدة التي تتيح لرئيس الجمهورية طلب انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، ويلي هذه المناقشات الموافقة من حيث المبدأ علي التعديلات المطروحة. ومن الممكن إتمام تلك الإجراءات علي وجه السرعة وإنجازها في يوم أو يومين.

ثم يناقش المجلس التعديلات المقترحة علي قانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلس الشعب، وقانون الأحزاب، مع تحديد سقف زمني لانتهاء المجلس من تلك المناقشات.

وبعد انقضاء فترة الستين يوماً التي تحددها المادة 189 من الدستور يعود مجلس الشعب إلي مناقشة التعديلات والموافقة النهائية عليها تمهيداً لطرحها في الاستفتاء العام وتصبح بذلك سارية.

وفي المرحلة الرابعة يجري تطبيق قانون الأحزاب الجديد وإتاحة الفرصة للراغبين في تأسيس أحزاب حتي يتاح لها المشاركة في الانتخابات التشريعية.

وفي المرحلة الخامسة يتم إجراء الانتخابات الرئاسية وفق التعديلات الدستورية وتبدأ فور الموافقة علي التعديلات الدستورية في الاستفتاء الشعبي.

وفي المرحلة السادسة يصدر رئيس الجمهورية الجديد قرارات بحل مجلسي الشعب والشوري والدعوة إلي انتخابات جديدة للمجلسين وفق قوانين مباشرة الحقوق السياسية وقانون مجلس الشعب.

وخلال المرحلة السابعة يدعو رئيس الجمهورية الجديد إلي انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد مستعينة بالأعمال التحضيرية التي قامت بها اللجنة الدستورية والقانونية التي تم تشكيلها في المرحلة الثانية، ثم يعرض مشروع الدستور الجديد علي مجلس الشعب لمناقشته والموافقة عليه تمهيداً لعرضه في استفتاء شعبي عام، وعند موافقة الشعب يصبح الدستور سارياً.

ومن أجل توفير ضمانات بجدية القائمين بالمسئولية بتنفيذ مهام الانتقال السلمي للسلطة خلال الفترة الانتقالية يتم تشكيل لجنة وطنية من شخصيات عامة مستقلة من الخبراء والمتخصصين وعناصر من الحركات الشبابية لمتابعة تنفيذ كل الإجراءات المنصوص عليها في إعلان نائب رئيس الجمهورية ورفع تقاريرها وتوصياتها إلي المحكمة الدستورية العليا مع نشر هذه التقارير في وسائل الإعلام تحقيقاً للشفافية وإعلام الرأي العام بما يتحقق من تقدم أو تعثر في تنفيذ الخطة الانتقالية.

*رئيس حكومة الظل الوفدية