رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ليس كل زمن مضى.. جميلا؟!

بقلم: د.سعيد إسماعيل على

من التصورات الشائعة، أن الزمن الماضى كان جميلا، ولذلك تسمع كثيرا عن «أفلام الزمن الجميل»، و«أغانى الزمن الجميل»، و«تعليم زمان»، حيث يقال دائما، على سبيل التحسر، لما كان عليه ماضيا، مقارنة بما أصبح عليه الآن.. وكتب الراحل أسامة أنور عكاشة مسلسلا بعنوان «امرأة من الزمن الجميل»... وهكذا، حتى لقد شاع قول القائل:

رب يوم بكيت عليه       فلما انقضى بكيت عليه!!
إن هذا يتناقض مع سنة التطور الماثلة أمام الأعين فى كل رجأ من أرجاء الدنيا. والحق أن المسألة تختلف باختلاف «الموضوع» الذى نتناوله، فإن قصدنا «القيم الأخلاقية»، فلربما لمسنا تراجعا، وإن أشرنا إلى ممارسة الديمقراطية، فسوف نشهد تقدما لا شك فيه.. وهكذا.
وإن قصدنا الحديث عن «مفكرين»، فسوف نجد بالفعل أن ماضينا القريب كان يحفل بوجود عمالقة، لم نشهد مثلهم: أحمد لطفى السيد - الدكتور محمد حسين هيكل - طه حسين - عباس العقاد- مصطفى المنفلوطى - توفيق الحكيم - نجيب محفوظ..وهكذا، ولم نعد فى زمننا المعاصر نشهد مثل هذه القامات العالية.
وكان لدينا فى ذلك الزمن الماضى القريب، من الفنانين: محمد عبدالوهاب- أم كلثوم- فريد الأطرش- عبدالحليم حافظ، أما الآن، فلا يستحق أغلبهم مجرد الإشارة

إلى أسمائهم..وهكذا الحال فى مجالات عدة.
ولأننى مغرم إلى حد العشق الشديد بقراءة الماضى، وخاصة «القريب» نسبيا، لا لمجرد الاستمتاع به، وإنما لمزيد من الفهم لمشكلات الحاضر، وتطلعا لما يحمله الغد، أتحفتنى باحثة دكتوراه متميزة من تلاميذى (أمينة التيتون)، على شبكة «النت» ببعض صور هذا الماضى، مما دفعنى إلى أن أشرك القراء متعة الاطلاع على هذا الماضى، الذى قليله جميل، وبعضه الآخر مؤسف حقا!!
وإليك عزيزى القارئ، بعضا من صور هذا الماضى «غير الجميل»:
فهذه قائمة بميزانية الدولة المصرية عام 1883، مع ملاحظة أنها كانت قد وقعت تحت الاحتلال البريطانى فى العام السابق لهذا العام، والمبالغ المدون أرقامها «بالفرنك» الفرنسى، فتجد منها على سبيل المثال:
1500000 مرسل إلى الأستانة (التى كانت عاصمة الدولة العثمانية، حيث كانت مصر تحت سيادتها).
15000000 ميزانية الجيش المكون من 150000 جندى.
5000000 رواتب كبار الضباط ورؤساء المصالح.
17500000 ثمن مهمات عسكرية.
200000 المدارس الحربية.
312000 مؤونة الجمال والبغال.
1875000 إنشاء سفن حربية.
7500000 ميزانية موظفى البحرية ورجالها.
2500000 مرتبات موظفى الإدارة.
500000 مخصصات غذائية لسمو الوالى.
1250000 مصاريف سرايات الوالى.... وغير هذا وذاك من أرقام.
وكما يملك بعضنا الآن رخصة «قيادة سيارة» ورخصة للسيارة نفسها، فقد كانت وسيلة الركوب  زمان، هى الحمار، مما كان يقتضى استخراج رخصة «حمار ركوب»، وأمامى صورة لها بتاريخ 1877، حيث كان سعر الرخصة 60 قرشا، علما بأن الرخصة تضمنت وصفا للحمار، كان منها أنه أسود على رمادى.
أما سائق الحمار، فقد كان واجبا عليه أيضا أن يحمل رخصة « قيادة حمار» ، والصورة التى أمامنا لمثل هذه الرخصة، هى للمدعو « مصطفى نوار» ، بتاريخ 29/6/1897، وهو من «رعايا الحكومة المصرية»، ورقم الرخصة  «125» ، والسائق من «المنصورة».
ولما لم تكن هناك «شبكة» لمياه الشرب، فقد كان المصريون يعتمدون على «سقا» يحمل المياه لتوزيعها على البيوت، وفقا لمصروفات المياه، وأمامنا صورة «رخصة سقا»، بتاريخ 1886، مع وصف لبعض ملامحه.
والمفاجأة التى رأينا صورة لها، هى وثيقة تعلن عن «تحرير» امرأة من العبودية، حيث كان «الرق»، فيما يبدو ما زال قائما، وعنوان الوثيقة «تذكرة حرية»، مستخرجة بتاريخ 29/3/1904، مع ذكر اسم المرأة، وبلدها، وعمرها، وأوصافها.
أما المفاجأة الأخيرة، فهى رخصة لممارسة الدعارة، باسم «نور العيون مهدى»، وهى مصرية الجنسية، ولدت بحى درب الجماميز، لكنها وقت استخراج الرخصة كانت مقيمة بباب الشعرية، مع توصيف دقيق لملامحها الجسمية الخارجية، وهذه الرخصة بتاريخ 9/6/1885، وتحديد «للمحل» المصرح للمذكورة أن تمارس «العُهر» فيه، هو ملك لـ «سلمى الداية»!
فهل ما زلت عزيزى القارئ تردد مقولة «الزمن الجميل» قاصدا به الزمن الماضى؟!!