رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رئيس هيئة الثروة المعدنية يكشف المستور فى كنوز مصر المنهوبة

حوارات

الأربعاء, 03 أكتوبر 2012 23:47
رئيس هيئة الثروة المعدنية يكشف المستور فى كنوز مصر المنهوبةد. أحمد الدرديري
حوار: محمد عبدالغفار وتصوير: أحمد حمدي

مليارات مصر الضائعة.. ثروة هائلة تتبدد .. منحة من الله لصحاري مصر.. تكفي لتحويلها إلي دولة غنية وتحل مشاكلها الاقتصادية. آخر منحة من السماء كانت معدن «التانتلوم النادر والأغلي بكثير من البترول»..

التانتلوم يستخدم في المفاعلات الذرية وصناعة الأقمار الصناعية والصناعات التكنولوجية المتقدمة.. ثمن الكيلو من خام التانتلوم النادر في منطقة جبل أبودباب بالبحر الأحمر عشرة آلاف دولار، ولكن هيئة الثروة المعدنية «هيئة المساحة الجيولوجية» بقيادتها الحالية تضيع هذه الثروة.
هذه الهيئة أنشئت منذ 126 عاما وبالتحديد في عام 1886 لاستكشاف واستخراج الثروة المعدنية من الصحراء المصرية وتناوب علي رئاستها جيل الكبار من علماء الجيولوجيا بدءاً من العالم الانجليزي هيوم والعالم المصري العالمي الدكتور رشدي سعيد والعالم الجيولوجي الكبير الدكتور عاطف الدرديري الذي تجاوز الثمانين عاماً والذي يعمل حتي الآن مستشاراً لعدد من الهيئات في العالم العربي.. الرجل يحفظ كل شبر في صحاري مصر ويعرف معادنها ويحتفظ بها بذاكرة من كوارتز.. وهو أول من ساهم في اكتشاف هذا المعدن النادر ويعرف تماما حكايته من الألف إلي الياء.. ولكن للأسف هيئة الثروة المعدنية تقوم الآن بتبديد هذه الثروة الوطنية.
< حملت إلي العالم الكبير الدكتور أحمد عاطف الدرديري تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات الذي كشف ما يحدث في الشركة التي حصلت علي ترخيص إنتاج التانتلوم النادر منذ عام 2004 وتعهدت فيه بإنشاء مطار وميناء علي ساحل البحر الأحمر وحتي الآن وبعد مرور 8 سنوات لم يحدث أي شىء ولم تفكر في الإنتاج .. رأس مال هذه الشركة عشرة ملايين جنيه وبلغت خسائرها 38 مليون جنيه ضاعت في السفريات للخارج وبدلات انتقال ولا أحد يحاسب أحداً علي ما يحدث حتي الآن رغم أن الجهاز المركزي للمحاسبات كشف أن مسئولا كبيرا في هيئة الثروة المعدنية وهو صاحب قرار يعمل أيضا عضواً بمجلس إدارة هذه الشركة وطلب منه الجهاز ان يترك موقعه فيها ولكن الرجل مسنود.
ودار هذا الحوار بيني وبين الدكتور أحمد عاطف الدرديري ليحكي القصة كلها عن هذا الخام النادر ومستقبل الثروة المعدنية بمصر وحقيقة ما يحدث داخل هيئة الثروة المعدنية والدكتور الدرديري هو أحد كبار علماء الجيولوجيا في مصر والعالم العربي ويحمل درجة الدكتوراة في الجيولوجيا الاقتصادية من معهد التعدين بليننجراد بروسيا في التقييم الاقتصادي للخامات المعدنية وتدرج في مناصب هيئة الثروة المعدنية حتي منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة حتي عام 1993 تاريخ إحالته لسن المعاش وهو أيضا عضو مجالس الثروة المعدنية ومجلس العلوم الأساسية وعضو اللجنة القومية للعلوم الجيولوجية وعلم المعادن بأكاديمية البحث العلمي وشغل درجة الأستاذ غير المتفرع بكلية العلوم جامعة عين شمس وأيضا شغل مناصب علمية عديدة خاصة بالتعدين بالعالم العربي.


< سألت الدكتور الدرديري ما حكاية التانتلوم في مصر؟
- أجاب الرجل وعلامات الأسي والتعجب والغضب علي وجهه.. التانتلوم وشقيقه النايبيوم هما معادن المستقبل الغالية الثمن وتستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة جداً مثل المفاعلات النووية والأقمار الصناعية وكل ما يتعلق بالتكنولوجيا الحديثة.. صحيح أنه يحتاج إلي إنفاق كبير لكن يدر أكبر عائد علي مصر وربما يفوق عائد البترول وهو ثروة هائلة، تصنع مع باقي الثروة المعدنية مثل الذهب والنحاس وغيرها ثروة كبيرة لمصر وهو مثل أي معدن نادر يحتاج إلي انفاق، وسوف أضرب مثالاً: الأوقية من الذهب تتكلف 600 دولار وتباع في السوق العالمي بحوالي 1700 دولار وبالتالي أي انفاق علي خام التانتلوم سيؤدي إلي عائد ضخم.. وأثناء رئاستي لهيئة المساحة الجيولوجية (هيئة الثروة المعدنية) وصلنا إلي مرحلة جيدة وانتهينا إلي تقارير جيولوجية موجودة حتي الآن بمركز معلومات الهيئة، وهذه الأبحاث قامت بها معنا شركة إيطالية ذات خبرة عالمية وتأكدنا ان هذا الخام من التانتلوم عالي الجودة ويباع الكيلو الخام منه بمبلغ عشرة آلاف دولار وهو موجود بمنطقة جبل أبو دباب بالبحر الأحمر واحلت الي التعاقد لسن المعاش في عام 93 ولكنني تابعت الموضوع حتي الآن.
بلاغ للنائب العام
< وماذا حدث لاستغلال هذه الثروة؟
- في عام 2002 تقدمت إحدي الشركات الاسترالية للدخول في الاستثمار التعديني لهذه الخامات، ولكن ما حدث كان شيئا غريباً وخطيرا، فبدل من ان

تقوم هيئة الثروة المعدنية الممثلة في الحكومة المصرية بالتعاقد بنظام الاتفاقيات الذي يجري العمل به ويحمي الحقوق المصرية رخصت لهذه الشركة الاسترالية بالتعاقد مع إحدي الشركات التابعة للهيئة وما كان هذا اللف والدوان ليتم الأمر بعيدا عن عرض الأمر علي مجلس الشعب والحكومة كما هو متبع وكما حدث في الاتفاقيات مع الشركات الأجنبية الأخري التي تقوم باستخراج البترول أو الفوسفات أو الذهب وهنا يكمن السر، وبضحكة ساخرة بدأ الدكتور الدرديري يفجر قنابل متوالية: الشركة الاسترالية التي تعاقدت مع الهيئة تعاقدت في ظل نظام جديد ولا ينطوي علي ضمانات كافية مما جعل هذه الشركة لا تقدم حتي الآن وبعد مرور 8 سنوات دراسات جدوي اقتصادية مقبولة ولم تقم بما تعهدت به من إنشاء المطار أو الميناء وحصلت أيضا علي موافقات لإقامة منطقة صناعية حرة في منطقة أبودباب علي ساحل البحر الأحمر شمال مدينة مرسي علم منذ عام 2007.. والأخطر أن هيئة الثروة المعدنية تقاعست حتي الآن عن متابعة تنفيذ اتفاقياتها عن هذه النوعيات من الاستثمارات، خاصة إذا علمنا ان هذه الشركة بها الكثير من المخالفات غير معلومة الأسباب مما يثير الكثير من التساؤلات، ولعل المثير في هذا الأمر أن أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة التي من المفترض ان تقوم باستخراج هذا الخام هو أيضا من كبار المسئولين في هيئة الثروة المعدنية وهو أيضا صاحب قرار في الهيئة وهذه الشركة لم تصل حتي الآن إلي أي إنتاجية مما يمثل إجحافاً بالحقوق المصرية بل والسيادة المصرية أيضا.
< ما هو هذا الإجحاف الذي تراه يمس الحقوق والسيادة المصرية؟
- هذه الشركة مشوبه بالعيوب وأريدك ان تسأل من هم أعضاء مجلس الإدارة المصريين في هذه الشركة من هيئة الثروة المعدنية، عندئذ ستعرف السبب؟! أما الإجحاف بالحقوق المصرية فيتمثل في أن الحكومة المصرية ضامنة لأي قروض تأخذها هذه الشركة وبلغت القروض الممنوحة لها حتي 30- 6- 2011 مبلغ 43 مليون جنيه ولم يتم تحقيق أي شيء بل وصلت خسائرها إلي 522٪ من رأس المال والمفروض ان هذه الخسائر لا تتحملها الدولة لان هذه القروض في الحقيقة لم تنفق علي أعمال الدراسات المتعلقة بالخام نفسه بل في أشياء أخري ليست علي الخام قد تكون انفقت علي انتقالات للخارج وبدلات وليست علي إنتاج الخام.. نحن في الأصل كنا نراعي في مثل هذه الاتفاقيات ألا تعتمد الدولة أي مبالغ لا تصرف علي الأبحاث والعمليات الإنتاجية.. وأكرر ان هذه القروض التي حصلت عليها هذه الشركة، الحكومة بريئة منها وهيئة الثروة المعدنية هي المسئول الأول عن إدارة هذه المشروع ويجب محاسبة المسئولين عن هذا كله وأيضا محاسبة المسئول الذي وقع علي هذه الاتفاقات، وحتي الاتفاق الأخير الذي أعطي للأسف الحق لشركة جيبسي لاند وهي شركة أجنبية وإحدي مساهمي شركة إنتاج التانتلوم بالتوقيع منفردة مع إحدي الشركات الألمانية لتصدير خام التانتلوم وكان يتعين إتمام ذلك بموافقة مجلس الإدارة مجتمعاً بمن فيه الأعضاء المصريون خاصة ان هذا حق من حقوق السيادة المصرية في التصرف وبيع ما يستخرج من الصحاري المصرية علما بأن مسئولا كبيرا بهيئة الثروة المعدنية عضوا بمجلس إدارة الشركة، وطلب جهاز المحاسبات ضرورة ان يترك موقفه في مجلس إدارة الشركة وكان يجب ان يدافع عن الحقوق المصرية وأيضا من العجيب ان من بين أعضاء مجلس إدارة الشركة من أسند إليه أعمال بالأمر المباشر بمبالغ كبيرة سنوية.
< وبعد مرور هذه السنوات وكل هذه المخالفات والعيوب هل مازالت هذه الشركة تعمل برغم عدم إنتاجها للخام المتفق عليه؟
- أجاب العالم الجيولوجي ساخراً: قبل الثورة وفي عام 2010 أصدر مجلس إدارة هيئة الثروة المعدنية قراراً بالإجماع بعدم قيام هذه الشركة بأعمال البحث والاستكشاف والاستخراج بسبب ما تسببت فيه من خسائر وضياع الفرص علي مصر من إنتاج هذا الخام النادر وإتاحة الفرصة لشركات استثمارية أخري كبيرة وجدية ولكن يبدو أن هذه الشركة هناك من يحميها وبدأت في اللف والدوران ولم تقم بأي عمل من الأعمال التي تم الاتفاق عليها بل تقوم بما هو أخطر من ذلك.
< وهل هناك أخطر مما حدث؟
- نعم.. هذه الشركة طبقاً لقرار مجلس إدارة هيئة الثروة المعدنية عقود الاستغلال التي حصلت عليها ألغيت ولكنها بالمخالفة للقانون تقوم الآن باستخراج معدن القصدير لتصديره للخارج بدون وجه حق مما يعد سرقة مال عام.. علماً بأن مصر تستورد قصديراً من الخارج يقدر بحوالي 250 طناً لاستعماله في الصناعات المدنية وهذا لم يتم تحت علم و بصر هيئة الثروة المعدنية ويواصل العالم الكبير تفجير قنابل جديدة قائلاً: خام القصدير من الممكن الاستفادة بقيمته المضافة داخل مصر، وسأقول لك بكل صراحة ان الهيئة وحتي تركي رئاستها في التسعينيات كانت تمتلك وحدة تركيز خام القصدير وفرناً للاصهار بمنطقة وادي العجلة فلماذا لا يتم تشغيل وحدة التركيز وفرن الاصهار أو شراء فرن جديد تكلفته لا تزيد علي مليون دولار، وما يحدث الآن هو إهدار المال العام المصري وسرقة ثروات مصر. الشركة الأجنبية تقوم بالمخالفة للقانون باستخراج خام القصدير وتصريره إلي ماليزيا وهي أكبر دولة منتجة للقصدير في العام وتأخذ القصدير المصري تستخرج منه خام التيتانيوم الذي يستخدم في صناعة الصواريخ والطائرات والسؤال.. لماذا لا يتم تشغيل وحدة التركيز وفرن الإصهار الذي لايزال موجوداً بوادي العجلة ويتبع هيئة الثروة المعدنية وتملكه أو شراء فرن جديد لو لزم الأمر.
< أنت عالم كبير وتحفظ بحكم مناصبك وخبرتك العملية خريطة الثروة المعدنية في مصر.. ما هي رؤيتك لمستقبل هذه الثروة في مصر؟
- سرح الرجل ببصره بعيدا وقال: ثروة مصر المعدنية كنوز لن يتم استغلالها بعد وهي مفتاح خروج مصر من أزمتها الاقتصادية في ظل قلة الموارد من الأراضي الزراعية التي تتآكل بفعل التعدي عليها وأزمة المياه القادمة ومحدودية مصادر الطاقة الصلبة والسائلة والغازية وفي ظل التزايد المستمر في عدد السكان ليس أمامنا من باب مفتوح للتنمية المستدامة إلا ما يوجد في أرض مصر من ثروات معدنية واستغلالها بكافة صورها المعدنية والحجرية والصخرية.
الحل للخروج من الأزمة الاقتصادية  هو ذلك الكنز، الثروة المعدنية وهو مفتاح الغني والثروة لمصر وإقامة صناعات تقوم علي هذه الثروات في الصحراء.
< هل تقوم هيئة الثروة المعدنية بواجبها في الكشف عن هذه الكنوز وما رأيك فيما يحدث داخل الهيئة الآن؟
- كانت الهيئة حتي التسعينيات من القرن الماضي ترسل للصحراء 30 بعثة جيولوجية متنوعة ويعمل بهذه البعثات 200 جيولوجي.. الآن لا يزيد عدد البعثات علي 3 بعثات جيولوجية ولا يوجد بها معامل متنقلة حتي الخيام التي تبيت فيها هذه البعثات أصبحت غير متوفرة.. وللأسف الهيئة لديها معامل بعشرات الملايين من الجنيهات خالية وهي المعامل الوحيدة لتحليل الصخور والأحجار وهذه المعامل حاصلة علي شهادة الأيزو وللأسف لا يوجد من يعمل بها وهذا تخريب خاصة ان خريجي كليات العلوم من أقسام الجيولوجيا بلا عمل والهيئة لا تملك ان تحصل علي درجات مالية من هيئة التنظيم والإدارة لتعيينهم وأثناء رئاستي للهيئة كنت أقاتل وأقوم بالضغط علي جهاز التنظيم والإدارة ووزارة التنمية  الإدارية للحصول علي درجات مالية لتعيين جيولوجيي وكيميائيي ومهندسي المناجم، الأمر الذي لا تقوم به الهيئة حالياً والمفروض ان تقوم بتعيينهم في مجال تخصصهم. إذن ماذا يفعل خريجو كليات العلوم وهم يمثلون المستقبل لاستغلال الثروة المعدنية هذه الكنوز الملقاة في الصحراء تنتظر تدريب الخريجين وتعيين الأكفاء منهم وأن يقوم المستثمرون للثروة المعدنية بإعطائهم الأولوية لهم في العمل في الكشف والاستخراج بشركاتهم وان تقوم الهيئة بدورها بتدريب العاملين الحاليين في الهيئة خاصة ان هناك من المستثمرين من عرض تدريب العاملين في الهيئة في مصر والخارج ولكن الهيئة لم تعطهم جواباً شافياً.
< أنت عضو في اللجنة التي تم تشكيلها لإعداد قانون جديد للثروة المعدنية فلماذا لا تثير كل هذه الإطروحات ليخرج القانون الجديد بصورة تتفق مع تحقيق الحلم الذي تحلم به؟
- القانون له أساسيات وهي ان الثروة المعدنية ملك للدولة أو يصرح للمصري بالاستثمار إذا كان حائزا علي الكفاءة الفنية والمالية ولكل شخص طبيعي أو اعتباري حرية البحث عن الخامات المعدنية وفقاً للقواعد التي يحددها القانون.. ولا يجوز الحجز عن الآلات والمعدات التي تعمل في مجال استخراج الخامات المعدنية ما دام التخصيص قائما وفتح الباب أمام المستثمر المصري والأجنبي الجاد والذي يملك الكفاءة والقدرة المالية وتشجيع المستثمرين علي تشغيل خريجي كليات العلوم من أقسام الجيولوجيا والكيمياء خاصة انهم لا يوجد لهم فرص عمل متاحة في غير تخصصاتهم ويعانون من البطالة، كما يجب أن نشجع الاستثمار الجاد لاستغلال الثروة المعدنية وإذا نجحنا في القانون الجديد سنصنع نقلة جديدة في الاستثمار المصري. سكت الرجل ولا يزال الأمل كبيراً في قلب العالم الكبير الذي يفكر في استغلال الثروة المعدنية.

أهم الاخبار