رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عمار علي حسن : "مبارك" أجهض مشروع النهضة..وحول مصر إلى مستعمرة بوليسية

حوارات

الأحد, 04 مارس 2012 13:50
عمار علي حسن : مبارك أجهض مشروع النهضة..وحول مصر إلى مستعمرة بوليسية
حوار - ممدوح دسوقي

مشاريع النهضة السابقة كانت مبتسرة ووقفت عند حدود زمانها، ومن الممكن أن نراجعها ونستفيد من بعض أطروحاتها، لاسيما في القضايا الكبري التي لاتزال محتفظة بكينونتها التي كانت عليها أيام طرحها وقبل قرنين من الآن.

لكن المشكلات المتجددة المعاصرة والآنية الملحة تحتاج الى اجابات جديدة وبالتالي نحن في حاجة ماسة الى مشروع نهضة جديدة.. هكذا بدأ كلامه معي د. عمار علي حسن عندما عرضت عليه فكرة الحوار مضيفاً أن مصطلح النخبة شوه تشويها مقصوداً عقب ثورة 25 يناير ودخل في صراعات أيديولوجية فزادته غربة في نظر الرأي العام وزادت من هوة الثقة بين المفكرين والجمهور، مؤكداً ان تقدم أي مجتمع لن يتم الا من خلال نخبة آخذاً في الاعتبار المفهوم العريض للنخب لأنها أوسع وأشمل من جموع المثقفين والمفكرين التي تنتج المعرفة لأن النخب موزعة على الشرائح التي تخدم المجتمع من نخبة عمالية زراعية شبابية هندسية.. الخ.
< بعد الثورات الكبرى دائما ما تظهر مشاريع تنويرية ونهضوية كبرى ترى هل سيتحقق هذا مع ثورة 25 يناير؟
- مشكلة ثورة 25 يناير أنها ثورة سياسية ولم تسبقها ثورة فكرية، وهذا ما نعاني منه الآن وحتي ننهض بالتفكير والتنوير لابد للسياسة ان تكمل حلقات الثورة، لاسيما أن ثورة 25 يناير ورثت نظاماً تعليمياً مختلفاً، وأمية ثقافية ظاهرة وقدر من التخبط والعشوائية وغياب التفكير العلمي والثوار يبذلون جهداً مضاعفاً في اقناع الرأي العام لنبل مقصدهم وحسن مسلكهم ورغبتهم في بناء وطن حر وعادل وقادراً مستقل ومكتف ولكن كثيراً من هذه الجهود يذهب سدى لأنهم يخاطبون مجتمعاً تم تهميشه فكرياً على مدار عقود من الزمن  ومن هنا ثورة يناير تواجه معضلة شديدة بأن عليها أن تضع الثورة الفكرية وتستكملها في اكمال الثورة السياسية.
< لماذا لم يكتمل المشروع التنويري الذي بدأه رفاعة الطهطاوي والأفغاني والإمام محمد عبده؟
- مشكلة هذه المشاريع أنها كانت مبتسرة ولهذا لم تكتمل ولم نجد لها رواجاً قوياً في الواقع لأن مشروع «الطهطاوي» كان ضمن بناء الدولة و«محمد علي» ادى دوره في بنائها من خلال النهضة الصناعية والزراعية والعسكرية والاقتصادية، ولكن وقفت حدوده عند هذا ومشروع «محمد عبده» ظل حبيس الكتب لأنه لم يترك له تلاميذ بالقدر الكافي وجاء بعده «علي عبد الرازق» و«المراغي» و«عبد المتعال الصعيدي» وصولاً الى «محمد الغزالي السقا» وانتهاء بالذين يطرحون فكراً دينياً مستنيراً وللأسف «محمد عبده» لم يكن لديه تنظيم يحمل الفكرة، ولهذا توقفت هذه المشاريع عند حدود زمانها.
< وكيف نتفادى مثل هذه التوقفات؟
- بألا يترك مشروع النهضة الجديد لرجل واحد أو فيلسوف واحد، ومنظر واحد فيكون مشروعاً تقوم به المؤسسات حتي يكون أشبه بالنهيرات الصغيرة التي تتجمع في رافد واحد متدفق وكل ينتج في مجاله بما يؤدي الى مزيد من التحرر والتقدم والاستقلالية والاكتفاء، ومجموعة هذه الرؤى هي التي تخلق هذا المشروع.
< ترى أن هذا المشروع لابد من ارتباطه بالسلطة مثل مشروع الطهطاوي؟
- هذا يتوقف على طبيعة السلطة اذا كانت تؤمن بدور العلم والعلماء والفكر والمفكرين في بناء الأمة فلا بأس لأنها تملك التنظيم والقرار والامكانيات المادية التي يمكن ان يستخدمها هؤلاء في بناء الامة، لكن اذا كانت السلطة تتعامل مع العالم والمفكر والفيلسوف باعتباره أشبه بالإكليل الذي يوضع على الجسد للتزين، او كالصلصة التي توضع على السمك الذي أوشك على التعفن كي يكون مستساغاً للفقراء، فهذه سلطة مستبدة فاسدة تنظر الى المفكر وكأنه مسمار صدئ في ترس متهالك لآلة جهنمية، وتريد أن تحصل على ما لدى المفكر لتستعمله بطريقة أخرى تعزز سلطاتها واستبدادها وليس كما يريد المفكر وهذه السلطة لا يمكن التعاون معها، ولكن اذا جاءت سلطة بارادة شعبية ولديها رغبة شديدة في بناء مشروع للنهضة فيمكن التعامل معها.
< وكيف تكون علاقة المفكر بالسلطة؟
- في كل الأحوال على المثقف ان يحافظ على مسافة بينه وبين الحاكم، حتى تسمح له هذه المسافة بأن يكون منحازاً للناس، ويقدم للسلطة بقدر انحيازها للناس، وحتى لا يتخلى عن دوره النقدي طالما كان المثقف أو المفكر أو الفيلسوف يتمسك بالمثل العليا، ويرى دائما الأفضل لمجتمعه، ويطرح ما هو قادر على جر هذا المجتمع للأمام.. وإذا تقدمت السلطة وأخذت بأفكاره ووصلت الى النقطة الى يقف عندها، عليه أن يغادر الى نقطة أخرى للأمام وبالتالي تتحول الثقافة اللى قاطرة تجر المجتمع لأن التعاسة والسعادة، والظلم والعدل، والخير والشر في أي مجتمع هو صنيعة مفكريه بالدرجة الأولى لأنهم في الصفوف الاولى، وإذا وجدوا السلطان مستبداً فاسداً فعليهم أن يفضحوه ولايجملوا صورته وإذا وجدوا الشعب مستريحاً للوضع الراهن معتقداً أنه ليس في الامكان أبدع مما كان عليهم أن يقلقوهم فهذا دور المثقف الحقيقي الذي يقف أمام السلطان وليس خلفه.
< المشروع التنويري دائما ما يكون دعوة نخبوية دون استجابة لشرائح اجتماعية ولهذا يفشل؟
- المطلوب من المفكر أن ينزل الى الناس، مع أن هذا النزول لا يتم الا بوجود تنظيمات مستقرة وربما وسائل الاعلام جعلت للناس فرصة لترى مقدمي الافكار في المجتمع المصري، عكس ما كان يحدث في الماضي مثل الصالونات الثقافية لـ «العقاد» أو «مي زيادة» والآن هناك برنامج تليفزيوني يجعل المفكر في صالون مع الملايين، لكن الاعلام وحده ليس كافياً ولابد للفكرة أن ترسخ على الأرض ويكون لها حواريون وتلاميذ.. وهذا أيضاً يحتاج الى ايمان من الناس بأن النخبة ليست مصطلحاً كريهاً خاصة بعد ثورة 25 يناير، وأن أي مجتمع لن يتقدم الا بالنخبة.. وفي الاسلام تحدثنا عن الصفوة وأهل الحل والعقد والجيل الفريد من الصحابة، وفي الغرب تحدثوا عن النخبة «الايليت» والتراث العربي عن الصراط «المجموعة المميزة» و«مهاتير محمد» قال: أريد ألف مهندس بارع لأبني بهم «ماليزيا» حينها كان يبحث عن النخبة من المهندسين.
< تقصد المثقف العضوي المتفاعل مع الناس؟
- أنا على المستوى الشخصي أؤمن بالمثقف العضوي المنخرط والمنتمي والمشارك والمتواجد بين الناس وهذا التعبير وصفه الكاتب الايطالي «انتيونيو جرامش» في كتابه «كراسات السجن» وللأسف حظ المجتمع المصري من المثقفين العضويين قليل وهذه مشكلتنا، لأن قطاعاً عريضاً من المثقفين التصق بالسلطة في العهد البائد وتم تشويهه والشك في كل ما ينتجه، والمثقف الذي كان يريد أن ينخرط كان محبوساً بقوة البطش بسبب قانون الطوارئ الذي كان يمنع التجمهر واللقاءات المفتوحة بين المثقف والمفكر والفيلسوف وبين الناس.. والأمر كان يقتصر على اللقاءات العلمية وحلقات النقاش والندوات والمؤتمرات وقاعة الدرس.. مع أن رحلة الأخذ والرد بين

المفكرين وبين الناس هي التي تخلق حالة من الاحتكاك البناء الذي يؤدي الي تقدم المعرفة ويجعلها في خدمة المجتمع.
< ثورة 1919 مشروعها كان دينياً ثقافياً سياسياً فنياً.. هل تم اجهاضه في يوليو 1952؟
- مشروع 1919 لم يجهض في حقيقة الأمر لأن منتج ثورة 1919 هو الذي بني عليه ضباط يوليو فيما بعد، و«أم كلثوم» و«عبد الوهاب» و«سيد درويش» و«طه حسين» و«العقاد» و«توفيق الحكيم» كل هؤلاء بدأوا انتاجهم المعرفي في الفترة الليبرالية، وكثير من الافكار التي طرحت هي التي تبناها ضباط يوليو، مشروع مجانية التعليم، وكتابات «طه حسين» عن المعذبين في الأرض والفلاحين والفقراء كل هذه الرؤى الاجتماعية هي التي جعلت ثورة يوليو تنحو نحو العدل الاجتماعي، ولكن مشروع 1919 اجهض على المستوى السياسي والذي اجهضته ثورة يوليو حينما ألغت الاحزاب السياسية والتفتت الى المجال الاجتماعي والاقتصادي ولم تدرك أن الانجاز  في هذين المجالين مع الاستبداد لن يفيد كثيراً، لأن الاستبداد اشبه بالسرطان الذي يأكل الجسد مهما غذيته وحصنته ومنعته فالاستبداد السياسي يأتي على الانجازات إتياناً كاملاً.. وثورة يوليو أنهت على التجربة الليبرالية ولكنها أحدثت نهضة اجتماعية واقتصادية لم تجهض وظلت قائمة.
< لكن مشروع يوليو اجهض بهزيمة يونيو 67؟
- لا، لأنها هزيمة سياسية!! وهزيمتها للمشروع السياسي لأن المصانع ظلت موجودة وكان الفلاحون يتملكون الأراضي.. و«السادات» هو الذي جاء بثورة مضادة على انجازات يوليو الاقتصادية والاجتماعية لاسيما بعد القرار 143 لسنة 1974 الخاص بالانفتاح الاقتصادي.. وحدث نوع من الانفتاح السياسي الحذر الذي كان من الممكن الانقضاض عليه بدليل أن سياسة المنابر التي بدأت 1976 والانتخابات الجيدة التي تمت 1979 تم الاطاحة بها كاملة في اعتقالات سبتمبر 1981 ومن ثم اجهز على المشروع الاقتصادي الاجتماعي الذي قدمه نظام عبد الناصر ولم يقدم مشروعاً سياسيا ليبراليا يحيي تراث 1919 وما بعده، وتم الانتقال من التنمية المستقلة الى التبعية وأصبحت مصر تابعة تعتمد على المعونات واندمجت في النظام الرأسمالي الدولي، ونشأت طبقة طفيلية اعتصرت ما يقتات عليه البسطاء، وحدث تراكم رأسمالي في الطريق الخاطئ، وأجهضت فكرة تعميق التصنيع التي بدأت مع يوليو.
< وماذا عن عصر مبارك ومشروعه التنويري؟
- «مبارك» المخلوع لم ينجز شيئاً على الاطلاق والتعددية السياسية استمرت مقيدة بل تحولت الى ديكور لخدمة النظام، وتم تصنيعه بالامكانيات الصناعية وبيعها بثمن بخس، والرقعة الزراعية تآكلت والأراضي الجديدة التي تم استصلاحها وهي ليست بقليل تم توزيعها بطريقة الجفالك والاوسيات كما كان يحدث في عصر «محمد علي»  ولم توزع على البسطاء والفقراء وتراجع دور مصر الاقليمي وهيبتها، وضربت القوة الناعمة للمجتمع في مقتل، وتراجعت الثقافة والفكر فعصر «مبارك» بالارقام كان عصر ردة على مشروع النهضة المصري وفكك أوصال الدولة وأحدث خراباً ممنهجاً منظماً.. والشىء الوحيد الذي اختلف في عصر «مبارك» هو انتزاعنا حرية التعبير قياساً على حرية القمع التي كانت في عصر «عبد الناصر» وبدرجة ما في عهد «السادات» لكن قوى المجتمع الحية تم تهميشها وتهشيمها، واليد الباطشة للدولة سيطرت على كل شىء وحولت مصر الى دولة بوليسية بافراط وامتياز.
< وهذا كله ورثته ثورة 25 يناير.. فكيف تتعامل معه؟
- هذه مشكلة لثورة يناير لأنها ورثت ارثاً ثقيلاً وأيضاً التفاتها في هذه اللحظة الى المشروع السياسي ولا يوجد حظ للمشروع الفكري والعلمي ضمن هذا الانشغال، وهذا خطأ شديد لأننا نحتاج الى السير في كل الدروب على التوازي وليس على التوالي، والامر الآن معلق في رقبة الاحزاب السياسية لأنها هي الفاعل السياسي الحقيقي الذي ينبغي أن يكون لديها رؤية وأطروحات لنهضة ثقافية وفكرية ومعرفية علمية الى جانب الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هذا اذا تعاملنا مع المجلس العسكري بوجوده المؤقت في السلطة التي ستؤول الى القوى السياسية الطبيعية وهي الأحزاب.
< أسباب توقف الفكر الليبرالي واستمرار الفكر السلفي المتشدد؟
- لأن السلطة وجدت في الفكر الليبرالي الحر ما يزعزع اركانها ويناهضها ويطالبها بالتغيير.. عكس الفكر السلفي الذي ينطلق من قاعدة طاعة ولي الأمر ويتعامل مع الأوضاع التي كانت موجودة باعتبارها جيدة مادامت تدور في صالحه.. والنظام وظف جزءاً من هذه الطاقة في اتجاهين لقطع الطريق الليبرالي ثم تطويق المشروع السياسي لجماعة الاخوان المسلمين وهذا تم في غياب مشروع ثقافي لمصر، وكانت المهمة الرئيسية لـ «فاروق حسني» وزير ثقافة «مبارك» هو ادخال المثقف المصري الى حظيرة النظام وتدجين المثقفين وشراء الذمم واستخدام منتجهم لخدمة السلطة والنظام، وتعززت هذه الفكرة خلال الصدام المسلح بين الجماعات الاسلامية وبين النظام حيث وقف كثير من المثقفين بجانب النظام ووقعوا له صكاً على بياض خوفاً من سقوطه واستيلاء الاسلاميين على السلطة وجورهم وجرحهم لحرية التعبير والإبداع.
< ولماذا لا ترى أنهم وقفوا ضد التطرف والتشدد والفهم الخاطئ للدين الاسلامي؟
- لا، فهذا كان خطأ استراتيجياً وكان يجب على المثقفين أن يطرحوا شروطهم، وهي أن التطرف ابن الاستبداد السياسي وابن التخلف الفكري والعشوائية الموجودة في حياتنا، وبسبب غياب مشروع للنهضة، ومن ثم كان ينبغي علي النظام ان يتبنى ذلك حتى يقضي على الارهاب من جذوره، وهذا لم يحدث لأن المثقفين ارتاحوا لصورة الالتحام المباشر مع النظام والخندقة معه في مواجهة هذا التيار مما أدى الى أن الافكار المدنية الحديثة ظلت حبيسة الكتب وليس لها وجود تنظيمي على الواقع، مما جعل النظام يحارب أي تنظيمات حقيقية موجودة على أرض الواقع، فقد حارب حزبا الوفد والعمل لأنهما طرحا نفسيهما بديلاً له ونافساه منافسة حقيقية.. وهذا بالطبع أثر على مسار الفكر الليبرالي.
< البعض يطالب بفصل الدين عن الدولة والبعض الآخر يرفض هذا الاتجاه.. فكيف ينهض المجتمع في ظل هذا الانقسام؟
- من العبث أن يضيع المثقفون المصريون ردحاً من الزمن في لعبة تاريخية اسمها فصل الدين عن السياسة ويجب ان نقول ان الدين والسياسة يتكاملان ويلتقيان في مفاصل لا حصر لها.. والذي يجب ان نطالب به ونكون واضحين فيه ونصر عليه هو فصل الدين عن السلطة السياسية.. يجب ألا يحكم رجال الدين ولا يفرضوا رؤية دينية معينة بدعوى أنها من الدين.. وباقي الاجتهادات يعتبرونها خارج الدين وانما في نطاق الكفر والفسق والخروج وألا يتحول الدين الى ايديولوجية سياسية صرفة لكن يوظف الدين في حضه على مكارم الاخلاق لخدمة المشروع السياسي.
< وماذا عن القيود الدينية في مجتمع متدين يرفض الكثير من المشاريع التي تكون خارج الدين؟
- هذا حدث نتيجة ان المشروع التنويري ظل حبيس الغرف المغلقة والصالونات والندوات العلمية ولم ينزل الى الناس، وفشل في اقناعهم وارتبط بالنخبة المثقفة المنتجة للمعرفة، وفشل في أن يبني على ما انتجه بعض المفكرين الشرقيين من الرعيل الأول في مصر المدنية الليبرالية، ولا أريد أن اواجه «سيد قطب» بـ «آدم سميث» لكن أريد أن أواجهه بـ «محمد عبده» وأن يواجه التيار السلفي بالأزهر الشريف، وأن يواجه «محمد حسان» بـ «جمال قطب» و«أبو اسحق الحويني» بـ «محمود عاشور» فهذا هو التحدي الحقيقي الذي يكون متفهماً للعطاء الفكري للآخرين ويقف على أرضية دينية اسلامية وإذا فعلنا هذا سننتصر لأن طبيعة المجتمع المصري لا تميل الى التطرف والتشدد والغلو بل الى الوسطية والاعتدال.
< تقصد أن إشكالية الفكر المصري لابد وأن ترتبط بمرجعية سواء ليبرالية أو قومية أو دينية؟
- ليس بالضرورة أيديولوجية، ولا نريد لمشروع النهضة بعد الثورة أن يكون له ايديولوجية لاننا من الناحية الواقعية حطمنا الايديولوجيات في تصرفاتنا.. وحركة كفاية كانت خليطاً من الايديولوجيات التي التقت حول هدف واحد وعلينا ان نؤمن أن مصر لن يبنيها فصيل واحد لأنها تحتاج الى جهود الجميع داخل اطار حاكم ليس بالضرورة أن يكون ايديولوجيا، وقد يكون منظومة من القيم المتماسكة التي تتعانق فيها الحرية والعدل والمساواة والكفاية والتسامح وبه خليط جديد من التصورات الدينية والمدنية التي تتقابل وتتفاعل وتتشابك لدى المواطن العادي.
< كيف يمكن وجود هذا الاطار بعد انكفاء المجتمع داخلياً وتقوقعه حول الذات أكثر من ثلاثين عاماً؟
- سيوجد هذا الاطار اذا توفرت الإرادة، وان جاء الحكم الرشيد الذي يؤمن بذلك وأراهن على روح مصر في هذا لأنها دائما كانت قادرة على الانتصار، وكل الافكار الغريبة التي وردت الينا وأريد فرضها بالاستعمار وبالقوة أو بالغطرسة والغلو فشلت فشلاً سريعاً.. والفلكلور المصري يميل الى التدين الشعبي الذي يتعانق فيه الحزن مع البهجة والالتزام مع الترويح عن النفس، ومهمة المفكر والمثقف ان يفهم ذلك ليمتلك مفاتيح الوصول الى الشخصية المصرية.
< هل من الممكن قيام نهضة تنويرية قبل تجديد الخطاب الديني الذي أصبح يخيف الكثير من الشعب المصري؟
- هذا صحيح.. لكن علينا أن نفهم أن جهداً قد بذل في تجديد الخطاب الديني، وأن التيار الاسلامي ليس كتلة واحدة، وهناك تكتلات اخرى وارى أن مشروع «د. عبد المنعم أبو الفتوح» السياسي هو حاصل ضرب الساق الدينية التي ستقف عليها مصر كمجتمع متدين والساق الأخرى هي المدنية الليبرالية التي بنيت عبر تاريخ طويل، وهذا المشروع تبلور  ولديه حواريوه الآن.. والتيار السلفي مجموعات متعددة ابتداء من مجموعة «ابو اسحق الحويني» الى سلفية «كوستا» المتفاعلين مع المجتمع والمنخرطين فيه وليس لديهم مشكلة في التعامل مع الحداثة.
< الى أي مدى يعطل الاسلام السياسي مشروعات التنوير؟
- للأسف الشديد المشروع السياسي الاسلامي المصري لم يجدد نفسه بالقدر الكافي، رغم انه الاقدم في المنطقة.. لأن المصريين لم يصلوا بالمشروع السياسي الاسلامي الى أن يصبح لديهم مشروع أكثر تقدماً مثل مشروع النهضة في تونس بقيادة «راشد الغنوشي» أو العدل والاحسان في المغرب ومن العار والعيب ان تبقى حركة الاحياء الاسلامي منطلقة من مصر والآن في طرحها السياسي لازالت في خطوة متأخرة عن الحركات الاسلامية في بعض البلدان الأخرى.. لأنها توقفت عند مرحلة وانحازت الى الحفاظ على تماسك التنظيم اكثر من الحفاظ على تجديد الفكر والافكار.. فهم وقفوا عند موت «حسن البنا» بالاضافة الى القمع الذي واجهته الجماعة منذ 1954 حتى قيام يناير 2011 الذي أدى الى أن يكون خيارها الاساسي المحافظة على وجودها وتنظيمها اكثر من رغبتها في التجديد.
< هل فشلت النخب امام غلاة الفكر المتشدد بعدم وجود مشروع تنويري؟
- هذا الفشل افراز طبيعي لغياب مشروع الفكر المتماسك على مدى أربعين عاماً في مصر، وتوازي مع ذلك ظهور النفط وهجرة المصريين الى الخليج واطلاعهم على هذه الثقافات وانبهار البعض بها.. واستخدام رموز هذا التيار في الخليج بعض اموالهم لتشجيع هذا التيار في مصر وعدم غبن السلطة السياسية منهم لأنهم يقفون عند حد طاعة ولي الأمر، والمناهضون فيه لولي الأمر كانوا قلة.. ايضاً على التوازي اندمج قطاع كبير من التنويريين المدنيين في مشروع النظام وانهارت جسور الثقة بينهم وبين النظام، ولم تكن لديهم الامكانيات الكافية للرسوخ على الأرض وبناء التنظيمات والشبكات الاجتماعية، والاتصال المباشر بالجماهير فحدث الفشل.
< تأثير هذه الثقافات الوافدة والتي عمقت من الاغتراب الثقافي والاجتماعي في قطاعات كبيرة من الشعب؟
- مصر على مدار تاريخها كانت تتعرض لهذه الثقافات الوافدة منذ أن غزا الساميون مصر وهي تتعرض الى غزو مستمر، وكل غاز كان يأتي بفهمه وثقافته ومشروعه وأفكاره ومصر كانت تأخذ كل هذا وتهضمه بروحها المتأصلة، وتعيد هذه العصارة لتصبح مصرية خالصة، ولهذا كل الثقافات الوافدة ستنصهر في البوتقة المصرية ليخرج منها منتج مصري يلائم المجتمع المصري.. بشرط أن تكون القوى الحية والفاعلة حرة في هذا التفاعل لتعمل بمنتهي الحرية وحينها سنتأكد ان المغترب والوافد لن يستطيع ان يجرح الشخصية المصرية ولكن يكون التأثير من الوافد حين يتفاعل الاستبداد السياسي ويهيمن برؤيته على ما عداه ويحارب المختلفين معه فيقضي على الروح الحية والطبيعية لمصر والقادرة على هضم الوافد وتمصيره.
< الأزهر معني بقضايا الاجماع الوطني مثل المواطنة ولكن أي دوره التنويري؟
- هذه هي الفريضة الغائبة عن الأزهر لأن دوره تراجع بعد أن ألحق بالسلطة السياسية بمقتضى القانون الذي صدر في مطلع الستينيات وبدأ ينظر اليه بأنه المؤسسة التي تنتج خطاباً دينيا يعزز شرعية السلطة ويبرر سلوكها، وهذا أفقده المصداقية وأفقد ثقة الناس فيه.
< لكن ما المطلوب منه بعد 25 يناير؟
- لابد للأزهر أن يستيقظ في هذا الوقت ويسترد الدور المفقود بشرط أن ينتزع استقلاليته، وإذا كان مجلس الشعب حريصاً على الأزهر والوطن وعلى الخطاب الديني المعتدل ومؤمنا بدور هذه المؤسسة العريقة في حياتنا فعليه أن يستعيد القانون الذي يشرعه المجلس العسكري من وراء مجلس الشعب ليناقش وينقح بما يخرج الأزهر من ميراث الستينيات ويصبح مؤسسة مستقلة عن السلطة حتي يستعيد عافيته ومصداقيته، بعد أن كانت على مدار عقود خطبة الجمعة التي يطلقها الازهريون الموظفون في وزارة الأوقاف من على المنابر خطبة موجهة ولهذا كان الناس ينصرفون عنها الى الخطاب الحر غير الموجه.. والآن استقلالية الخطاب الديني الرسمي هي الأهم لمواجهة الخطاب المنفرط والمنفلت الذي ينتجه آخرون وهو خطاب مغترب عن طبيعة التدين المصري ولكن ينصت الناس اليه لأن البديل مجروح.
< وكيف يمكن تمكين المرأة في مشروع نهضوي تنويري؟
- لن يتم تمكين المرأة المصرية بمشروع غربي لأن النموذج السياسي الغربي به العديد من الثقوب والعيوب، ولهذا يفشل في الغرب وبالتالي لا يمكن استعادته كلية.. وبالتالي تمكين المرأة لن يتم الا بعدة اشياء أولها تشريعات تساوي بين الرجل والمرأة في كل شىء فيما عدا المسائل البيولوجية.. مع أهمية وجود خطاب ديني مستنير مبني على الحقائق التي جاء بها القرآن والسنة النبوية الصحيحة، وتقاليد اجتماعية لابد من النظر فيها وتغيرها مع الزمن من خلال الإعلام والتعليم المؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، والعنصر المهم في هذا التمكين من النساء انفسهن لأن عليهن دوراً كبيراً في الكفاح من أجل انتزاع حقوقهن، وعلينا جميعاً أن نؤمن بأن المرأة ليست نصف المجتمع فقط.. بل على المجتمع أن يؤمن بأنه لن يتقدم الا اذا نالت المرأة حقوقها وحريتها.

 

أهم الاخبار