رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب: توني بلير أقوى من لجنة تشيلكوت

جولة عربية

الجمعة, 23 يناير 2015 11:54
رغيد الصلح يكتب: توني بلير أقوى من لجنة تشيلكوت

الانتقادات الكثيرة التي وجهت في بريطانيا إلى "لجنة تشيلكوت" لأنها أعلنت تأجيل موعد إعلان نتائج التحقيقات الرسمية حول دور بريطانيا في الحرب على العراق تضفي على التحقيق صفة قد لا يستحقها.

فحتى هذا التاريخ، كان الانطباع بأن تقرير اللجنة سوف يتضمن إدانة قوية لتوني بلير بسبب دوره الرئيسي في حرب العراق . هذه الإدانة سوف تنسحب بالضرورة على حزب العمال البريطاني لفشله في منع بلير من الزج ببريطانيا في الحرب . وإذا صحت هذه التقديرات فإنها قد تؤثر سلباً في مستقبل الحزب خلال السنوات المقبلة، أي بعد الانتخابات المقبلة المقررة في شهر مايو/أيار من هذا العام . استطراداً، اعتبر زعماء حزبي المحافظين والديمقراطيين الأحرار أن تأجيل موعد إعلان التقرير إلى ما بعد الانتخابات يخدم مصالح حزب العمال إذ يزيح عن كاهل المرشحين العماليين عبء تبرير دور زعيمهم السابق في المأساة العراقية .
ردة الفعل هذه على إعلان تشيلكوت مبنية، كما قلنا أعلاه، على فرضية أن التقرير سوف يتصف بالموضوعية، وإنه سوف ينتقد توني بلير إذا كان هناك موجب لذلك . ولكن هذه الفرضية اصطدمت بحقائق رافقت تشكيل اللجنة والتحقيقات التي اجرتها . فاللجنة ضمت خمسة أشخاص، من بينهم المؤرخان مارتين جيلبرت ولورنس فريدمان . ومن المعروف عن الاثنين الاندفاع في تأييد "إسرائيل" والصهيونية . وتقدم كتابات الاثنين أمثلة كثيرة على ذلك . ففي كتاب جيلبرت "تاريخ القرن الواحد والعشرين"، يتحدث المؤرخ عن الحرب البريطانية - العراقية عام ،1941 ويتناول فيها علاقات "القائد العسكري العراقي" رشيد عالي الكيلاني مع النازيين في ألمانيا، والمساعدات التي قدمتها لحكومة "الجنرال" الكيلاني . كذلك يتحدث فيها المؤرخ عن صلات الحاج أمين الحسيني بهتلر . ولكن المؤرخ الشغوف بتسليط الأنظار على علاقات ألمانيا النازية بالعرب، يتجنب الحديث

كلياً في كتابه الموسوعي الذي يصل إلى ما يفوق الألفي صفحة عن الاتفاق الذي تم بين ألمانيا النازية والمنظمات الصهيونية الألمانية والذي دعي "بهعفاره"، أي التسفير . وقد هدف الاتفاق إلى تعاون الجانبين على تسفير أكبر عدد من اليهود الألمان إلى فلسطين، كما تضمن الاتفاق أيضاً إحباط الجهود التي بذلتها المنظمات اليهودية الليبرالية وغير الصهيونية لمقاومة حكومة هتلر .
أما لورنس فريدمان، فهو ليس من المؤيدين المتحمسين ل"إسرائيل" وللصهيونية مثل جيلبيرت فحسب، بل فاقه في بعض الحالات حماساً، إذ إنه كان يصر على وصف غزة والضفة الغربية ب"يهودا والسامرة" وهي صفة تمسك بها، كما هو معروف، مؤيدو ""إسرائيل" الكبرى" فضلاً عن ذلك، وعن مناصرته الحماسية ل"إسرائيل" فإن فريدمان هو من المقربين إلى توني بلير، وكان من مستشاريه، كما أنه هو الذي كتب له خطابه الشهير حول الحرب الذي ألقاه عام 1999 . وقد تناول هذا الخطاب الحوافز الليبرالية والإنسانية التي تضفي على الحروب صفة العدالة . وفي توصيفه للحرب العادلة ولضرورتها تطابقت مواقف لورنس تماماً، مع مواقف المحافظين الجدد الأمريكيين إذ وافقهم على أن هذه الحرب هي التي ستغير واقع الشرق الأوسط . وذهب به التجاوب مع أفكار المحافظين الجدد إلى اتهام ناقديهم ب"المتآمرين" .
إلى جانب تشكيلها كانت أعمال اللجنة وسير التحقيقات فيها مثار مناقشات وانتقادات عديدة . فكما أشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية تحولت المقابلة التي أجرتها اللجنة مع توني بلير من جلسة استنطاق إلى جلسة استماع إلى محاضرة ألقاها بلير على أعضاء اللجنة
تناولت نظرياته في السياسة الخارجية وفلسفته وإنجازاته في الحكم . وخرج بلير من هذه الجلسة وهو يبدو مطمئناً إلى أنها لن تقوده إلى هاوية سياسية ولن تفضي به إلى يوم الحساب .
إن تقرير تشيلكوت سواء صدر اليوم أو بعد الانتخابات العامة في بريطانيا، لن يتضمن، على الأرجح معلومات كثيرة جديدة . فحرص بلير على إرضاء إدارة جورج بوش ليس سراً من أسرار العلاقات الأمريكية -البريطانية . وموقفه من الحرب ضد العراق لا ينبع من هذا الحرص وحده بل من أفكاره الشخصية ومن مصالحه السياسية والمالية أيضاً . ويدخل في هذا المضمار موقفه المؤيد ل"إسرائيل" ومحاباته للنافذين في قطاع الإعلام بصورة خاصة، وأولهم روبرت ميردوخ . كذلك يدخل في هذا النطاق صراعه مع جناحي اليسار والوسط في حزب العمال، حيث مارس بلير حملة تصفيات واسعة استهدفت رموز هذين الجناحين مثل روبن كوك وتوني بن . أخيراً وليس آخراً يدخل في هذا النطاق انتقاله من عالم السياسة إلى عالم المال، حيث استغل بلير موقفه في الحرب من أجل التحول السريع إلى رجل اعمال ناجح يجني الملايين من وراء علاقاته الشرق أوسطية .
وعند صدور تقرير تشيلكوت فإنه من الأرجح ألا يؤدي إلى إصابة توني بلير بخسائر سياسية تذكر . فالتقرير لم يعد من أجل هذا الغرض . ولو كانت هناك نية في محاسبة جورج بوش في الولايات المتحدة وتوني بلير في بريطانيا لظهرت مؤشراتها منذ سنوات كثيرة . ولكن لا توجد اليوم مثل هذه المؤشرات, بل على العكس من ذلك، نجد أن البوشيين يتأهبون للعودة إلى البيت الأبيض مع جيب بوش الذي هو اليوم أقوى المرشحين الجمهوريين للمنصب الرئاسي . ونظير بلير في فرنسا، يتأهب ساركوزي هو الآخر، مثل البوشيين، إلى العودة إلى قصر الرئاسة في فرنسا حيث يبدو حتى الآن الأقرب إلى تزعم تيار اليمين . أما في إيطاليا فقد شهدنا فصلاً من هذا النوع في خروج بيرلسكوني وعودته مراراً إلى الحكم . يمثل هؤلاء السياسيون نمطاً من السياسة الغريبة عن القيم الأخلاقية والاعتبارات الإنسانية . وما دام هذا النمط يحتل مكاناً في الحقل العام فإن "لجنة تشيلكوت" لن تتمكن من المساس بتوني بلير .
نقلا عن صحيفة الخليج