رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عاطف الغمري يكتب: ما الذي يحتاجه الغرب للقضاء على الإرهاب؟

جولة عربية

الأربعاء, 21 يناير 2015 14:36
عاطف الغمري يكتب: ما الذي يحتاجه الغرب للقضاء على الإرهاب؟

راجت في الغرب في أوائل التسعينات، نظرية حملت اسم "عالم القلاقل وعالم السلام" . وتضمنت النظرية تفسيرات بأن دول العالم الثالث، ستظل مرتعاً للفوضى والقلاقل والعنف، بينما ينعم العالم الديمقراطي في الغرب، بقواعد تضمن له السلام، والأمن، والاستقرار . ومن ثم ينبغي إقامة أسوار عالية تفصل بين العالمين، وتترك عالم القلاقل لحاله.

ومن المعروف أن جزءاً من برامج عمل مراكز الفكر السياسي، خاصة في الولايات المتحدة، هو الترويج لنظريات سياسية، القصد منها أن يتسرب الاقتناع بها إلى الشعوب الأخرى . وعندما يحين الوقت المناسب، ويتكون قدر من الاقتناع بها، تتحول إلى سياسات رسمية تأخذ بها الدولة، التي صنعت النظرية . ومنها على سبيل المثال إطلاق نظرية "العدو المسلم بديلاً عن العدو السوفييتي السابق" . لكن لم يكتب البقاء لهذه النظرية . لأن الظروف وقتها لم تسمح بها، ولم تلق قبولاً .
وأيضاً نظرية التدخل في شؤون الدول الأخرى لأسباب إنسانية، والتي ظهرت في الثمانينات، ثم قويت الدعوة لها في منتصف التسعينات، ثم تحولت إلى بند في السياسة الخارجية لإدارة جورج بوش، واستبعدت منها كلمة لأسباب إنسانية، ولتتخذ لها عبارة تقول إن الشأن الداخلي - في دول الشرق الأوسط - لم يعد شأناً داخلياً لدول المنطقة، مادام يمس الأمن القومي للولايات المتحدة . أي أنه يحق لها التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول .
الآن، يحتاج الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لأن يدرك، أنه بعد تفشي الإرهاب الدموي في ربوعه، فقد سقطت نظرية عالم السلم وعالم القلاقل، وما يشبهما من نظريات، لأن الخطر بات يمس أمنها ويتوالد من داخلها . إن هول صدمة انتشار الإرهاب في أوروبا وأمريكا، وعلى يد مواطنين ولدوا فيها، وتربوا على ثقافتها، يحتاج إلى مراجعة لأفكار سيطرت على صناعة السياسة الخارجية، وألبستها ثوب ازدواجية المعايير، ويحتاج إلى مراجعة قصر النظر للمستقبل، وما يمكن أن ينتج عن مثل هذه السياسات، من ردود فعل مضادة، لأهداف من أطلقها . وهناك مسلمات قديمة تكاد تكون راسخة في صناعة

السياسة في دول الغرب، تتطلب إعادة نظر فيها، وإلا فإن الثبات عليها يعني، الصدام بواقع دولي يتحول ويتغير في كل شيء . وهي كما يلي على سبيل المثال وليس الحصر:
* أولاً: النظرة التقليدية للتحالفات القديمة، سواء قامت على أساس الجوار الإقليمي، أو على تماثل الأنظمة السياسية ومبادئها . لأن ما يحدث الآن هو وجود "خطر واحد" يستهدف جميع دول العالم، منها ما يقع جغرافياً في الغرب، ومنها ما هو في الشرق، أو ما اعتادوا على تسميته بالعالم الثالث . وأن استقرار العالم وسلامته، رهن باستقرار وسلامة غيره .
* ثانياً: إن قواعد لعبة السياسات الدولية القديمة، فقدت صلاحيتها . فالعالم لم تعد تهيمن عليه القوة رقم واحد . والولايات المتحدة باعتراف تقارير أجهزة مخابراتها، قد تقلصت وتراجعت قوتها النسبية في العالم، بعد تجربة حرب العراق عام 2003 . وأدى ذلك إلى تساؤلات لمفكرين أمام تحولات تشهد بأنه لم يعد هناك شيء اسمه الأمن العسكري المطلق . وقد تساءل الكاتب والعالم الأمريكي كلايد بريستويتز، قائلاً: هل استطاعت القنابل الأمريكية الموجهة بالليزر، وصواريخنا النووية، وصور أقمارنا الصناعية، أن تحمينا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001؟ ثم يقول: الآن هناك عنصر إنساني جوهري نشط في العالم، ويجب علينا كأمريكيين أن نفهمه، وهو: بينما يوجد من يحبون الأمريكيين، ويعجبون بالحياة الأمريكية، إلا أن بقية شعوب العالم، لها تقاليدها، وقيمها، وثقافتها، وطرق حياتها، التي تريد منا احترامها . ثم إن تقارير المراكز الرسمية والأكاديمية، تتفق على أن الصين ستصبح مساوية في القوة للولايات المتحدة بحلول عام 2020 .
* ثالثاً: إن الخبرة الأمريكية بالعالم التي تمتعت بها الولايات المتحدة لأكثر من خمسين عاماً، منذ بدء الصراع مع الاتحاد السوفييتي عام ،1947
وأتاحت لها تكوين مخزون ثري من البشر من أصحاب الخبرة المتخصصة، جعلتها تستطيع أن تعرف بدقة طريقة تفكير عدوها، ونواياه، وقراراته السياسية، والعسكرية، هذه الخبرة قد بطل مفعولها، وصار هذا المخزون أشبه بأرصدة معطلة غير قابلة للصرف والاستثمار . لأن التحديات الجديدة مختلفة تماماً، والعالم يتغير بإيقاع متسارع .
* رابعاً: وبالتالي لم تعد القوة الصلبة Hard Power، ومن مكوناتها الاقتصاد، والقدرات العسكرية المتقدمة، هي الرصيد الأول للولايات المتحدة في الصراع العالمي الحالي، أو هي السلاح الأول في إدارة السياسة الخارجية، وفرض القوة والنفوذ . فقد سبقتها الآن القوة الناعمة Soft Power، كما أسماها عالم السياسة بجامعة هارفارد جوزيف ناي . ولها مكونات متنوعة، هي بالإضافة إلى القدرة الاقتصادية، هي الفنون، والآداب، والتعليم المتفوق، والبحث العلمي الخلاق، وقدرة الدول على إطلاق خيال مبدعيها، ومواطنيها، بما يصاحب احتياجات عصر ثورة المعلومات .
* خامساً: تتداخل الثقافة مع هذا كله . فهي لم تعد مساراً قائماً بذاته، بل صارت منبراً هادياً للسياسة الخارجية . وهو توجه بدأت دول عديدة، تتنبه له في العشرين سنة الأخيرة . والثقافة في هذا العالم المتغير، تعني ضمن ما تعنيه من عناصر عديدة، الإحاطة بالشعوب الأخرى، وثقافتها، وتقاليدها، وقيمها، حتى تنجح السياسة الخارجية، في إدارة علاقاتها الدولية، عن علم وليس عن اجتهاد أو جهل . وربما كان هذا أحد أسباب تنبه قيادات التعليم في الولايات المتحدة، لإدخال ثقافة وتقاليد الشعوب الأخرى، في مناهج الدراسة .
إن نظريات الهيمنة، باستخدام وكلاء محليين، لا تزال تسيطر على استراتيجية إدارة أوباما، ومن بين أدواتها، اللعب بالصراعات داخل المجتمعات الأخرى في بلادنا . وهي قد أفرزت سموماً قاتلة انتقلت إلى الغرب . لأن منظومة الأمن إقليمياً وعالمياً، تواجه نفس الأخطاء والتحديات، وتحتاج إلى مشاركة من جميع الدول معاً، وأن تتحمل كل دولة جزءاً من المسؤولية، والمشاركة في إدارة أزمة تتربص بالجميع، يعبر عنها إرهاب عالمي يعادي البشرية عامة . ومن ثم فإن المسؤولية تفرض على الولايات المتحدة، التخلي عما درجت عليه من تحيز، ومن إدارة سياستها الخارجية، بنفس قواعد لعبة القرن العشرين، التي تجعلها تحتفظ بعلاقات خفية ومخابراتية، مع بعض صناع هذه الأزمة الراهنة، من جماعات الإرهاب والتطرف، ورفضها الاعتراف بأنها جماعات إرهابية، مثل "الإخوان"، وهي التي تعلم تماماً أن "الإخوان" هم الأب الروحي لجميع منظمات الإرهاب المعاصرة . وإن معنى تحملها مسؤوليتها، يعني أن تلتزم أمريكا بما تطالب الآخرين به، خاصة أنها كانت لها اليد الطولي، في صناعة منظمات الإرهاب الراهنة .
نقلا عن صحيفة الخليج