رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد السعيد إدريس يكتب: حرب “الجرف الصامد”: محفزات تفوق المعوقات

جولة عربية

الجمعة, 18 يوليو 2014 13:29
محمد السعيد إدريس يكتب: حرب “الجرف الصامد”: محفزات تفوق المعوقاتمحمد السعيد إدريس
بقلم: محمد السعيد إدريس

لم تأت الحرب العدوانية الصهيونية على قطاع غزة التي تحمل هذه المرة اسم "الجرف الصامد" من فراغ، وهي ليست مجرد رد فعل على عملية اختطاف ثلاثة من المستوطنين الصهاينة في مدينة الخليل وقتلهم.

بعد أن وصلت الجرائم التي ارتكبتها القوات "الإسرائيلية" المكلفة بالبحث عنهم إلى حد يفوق كل تصور ووضعت نهاية مبكرة لأي أمل في مقايضة المخطوفين الثلاثة بأعداد من الأسرى الفلسطينيين، فقبل عملية الاختطاف هذه كان المستوطنون قد اعتادوا الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم ومزروعاتهم، تحت سمع وبصر وحماية الجيش "الإسرائيلي" . ففي شهر يونيو/حزيران الماضي، على سبيل المثال، نفذ المستوطنون 53 اعتداء شملت دهس فلسطينيين والاعتداء عليهم، وهدم واقتلاع أشجار، وحرق وإتلاف مزروعات، وتجريف أرض، وقد نتج عن هذه الاعتداءات إصابة 16 فلسطينياً بجروح وكسور مختلفة . لكن هذه الحرب مدبرة، وكانت في حاجة فقط إلى المبرر، وجاءت الأحداث الأخيرة لتفرض هذه الحرب التي يعتبرها "الإسرائيليون" بمثابة "حرب جني الثمار" .
ف "الإسرائيليون" يدركون أن ظروف الواقع العربي والإقليمي والدولي باتت مثالية لفرض أمر واقع جديد في فلسطين يتوازى مع الواقع العربي شديد الاختلال ومع الواقع الإقليمي شديد التنافر والواقع الدولي عميق الاستكانة . فهم أدركوا أن المحفزات التي تشجعهم على شن هذا العدوان محفزات غير مسبوقة، وأن العوائق تكاد لا تذكر، ولذلك فإن هذا هو أوان فرض مشروع الدولة اليهودية والتوسع في سياسة ضم الأراضي، وجعل أمر هذه الدولة اليهودية ضمن بنود ما يعتبرونه صفقة إقليمية تلوح في الأفق ربما يكون الاتفاق النووي الإيراني هو أبرز عناوينها .
فالواقع العربي الراهن أضحى مأساوياً ليس فقط من منظور اختلال موازين القوة العسكرية بين الجيوش العربية والجيش "الإسرائيلي" بعد تدمير الجيشين العراقي والسوري وانشغال الجيش المصري في حربه ضد الإرهاب

التكفيري، ولكنه مأساوي أيضاً نظراً لأن التحديات الداخلية في الدول العربية باتت من الخطورة تفوق أي تحديات خارجية وخاصة التحدي "الإسرائيلي" . فرهان "إسرائيل" على جعل حروب الشرق الأوسط داخل الدول، أي داخل كل دولة بدرجة تفوق الحروب بين الدول، وخاصة الحرب بين الدول العربية و"إسرائيل" تحقق بدرجة كبيرة، ولم تعد معظم الدول العربية، في ظل المخاطر والتحديات التي تواجهها في الداخل مهمومة أو معنية بالتحدي "الإسرائيلي" وأولوية القضية الفلسطينية حيث تواجه دول عربية مهمة خطر التفكك والانقسام الداخلي، وما يحدث الآن في العراق وسوريا في ظل مشروع "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) مؤشر مهم على ما يمكن أن يحدث في المستقبل .
الأخطر من ذلك هو تلك التطورات التي أخذت تفرض نفسها على العالم العربي منذ الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وتفاقم النفوذ الإيراني في العراق في أعقاب الانسحاب العسكري الأمريكي . فقد حدث انحراف وليس مجرد تحول في مفهوم "العدو"، وفرضت مفاهيم الشرق الأوسط الجديد "الأمريكي" نفسها بقوة على مفردات الخطاب السياسي لعدد من الدول العربية . ففي ظل تصاعد الخلاف بين دول عربية وإيران حول الأدوار الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وما يتعلق بالجزر العربية الثلاث المحتلة من إيران (الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) سعى "الإسرائيليون" إلى الاصطياد في المياه العكرة واستغلال "العداوة" المتصاعدة بين هذه الدول العربية وإيران لطرح "إسرائيل" موازناً إقليمياً مناسباً لهذه الدول في مواجهة إيران .
وجاء العامل الفلسطيني نفسه ليحفز "الإسرائيليين" على التحرك لاستثمار اختلال توازن القوى الإقليمي لمصلحة الكيان الصهيوني، والتحول المتصاعد في خريطة التحالفات والصراعات في المنطقة ليزيد من قوة الرهان "الإسرائيلي" على أن هذا الوقت هو وقت "جني ثمار" التفكك العربي والفلسطيني واختلالات توازن القوى .
كل هذه التطورات لم تغب لحظة عن العقل الاستراتيجي "الإسرائيلي" تماماً مثلما لم تغب لحظة عن هذا العقل أدق تفاصيل مفاوضات البرنامج النووي الإيراني التي تجري الآن في فيينا بين إيران "ومجموعة دول 5+1"، والتي يمكن أن تسفر عن حل طويل الأمد لأزمة البرنامج النووي الإيراني ضمن صفقة تفاهمات شاملة أمريكية - إيرانية .
مثل هذه التفاهمات لا تغفل عنها "إسرائيل" وتريد أن تكون طرفاً، هي الأخرى، في هذه التفاهمات والمقايضات، التي تأمل أن تكون مقايضة البرنامج النووي الإيراني بتسوية ترضى عنها "إسرائيل" تحقق ما يتحدث عنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه بخصوص الدولة اليهودية في فلسطين .
ما ورد في المقال الذي نشرته صحيفة "هآرتس" الصهيونية للرئيس الأمريكي باراك أوباما تعليقاً على الحرب الإجرامية التي يشنها الجيش "الإسرائيلي" ضد قطاع غزة يشجع "الإسرائيليين" على مثل هذا الرهان وهذه المقايضة، فقد استهل أوباما مقاله بتحليل الأزمة الجيوستراتيجية للأمن الوطني "الإسرائيلي" من حيث ضيق المساحة والإحاطة بأعداء قادرين على الوصول بصواريخهم إلى عمق الكيان الصهيوني (المقاومة على غزة ولبنان) وخشيته على "أولئك الذين يسكنون قرب الحدود الشمالية وللأولاد في سديروت"، وبعدها انطلق في تأكيد الالتزامات الأمريكية منذ عهد هاري ترومان إلى اليوم ب "أمن إسرائيل ومواطني إسرائيل"، وأن التعاون بين البلدين في السنوات الخمس الأخيرة (سنوات حكم أوباما) هي اليوم "أقوى مما كانت دائماً" تحدث أوباما في مقاله عن الحزن والألم الذي يعتصره تجاه "الفتيان الإسرائيليين الثلاثة الذين اختطفوا وقتلوا على نحو جد مأساوي في شهر يونيو/حزيران الماضي" . ولم يتحدث بكلمة واحدة عن "الهولوكوست الفلسطيني" الذي صنعه الصهاينة في قطاع غزة .
كل هذه حوافز تدفع "الإسرائيليين" للتمادي في جريمة العدوان في ظل عاملين أولهما غياب أي عائق عربي أو إقليمي أو دولي يحول دون ذلك، وثانيهما الصراع والتنافس الداخلي بين شركاء التحالف الحاكم في "إسرائيل" في ظل تردي شعبية رئيس الحكومة نتنياهو وحزبه الليكود .

نقلا عن صحيفة االخليج