جميل مطريكتب : مصر في عيون الآخرين

جولة عربية

الخميس, 17 أبريل 2014 14:31
جميل مطريكتب :  مصر في عيون الآخرين جميل مطر

جاؤوا من بعيد ومن قريب ليتبادلوا الفهم والرأي حول قضايا تهدد أمن وسلام الشرق الأوسط، ناقشوا "التحول المذهل" في نمط تفاعلات الدول أعضاء مجلس التعاون الخليجي، وقضوا ساعات يستمعون إلى آراء ومعلومات متناقضة عن خلفيات ومستقبل التفاهم الجديد بين الولايات المتحدة وإيران .

وانكبوّا في ألم واضح يقترب من اليأس الشديد يقلّبون في أوراقهم السورية بحثاً عن أمل أو حلم . تحدّثوا عن روسيا "الجديدة القديمة"، وعودة الفرص لتلعب أدواراً إمبراطورية اشتد الحنين إليها، وعن تركيا التي بدأت انطلاقة إقليمية لافتة تحت شعار "صفر مشكلات"، ثم توقفت بعد أقل من عشر سنوات لتستبدل بشعار "مشكلات بلا عدد" . أما فلسطين و"إسرائيل" فلم يقترب منهما محاور أو مناقش، إلا كاتب معروف عنه منذ القدم، وأقصد قدم القضية، بأنه اتخذ من الهمّ الفلسطيني شغله الشاغل، تحدّث الكاتب المعروف ولم يستجب أحد .
أخذت مصر نصيبها من النقاش والوقت والخلاف، كان واضحاً منذ البداية، أن هؤلاء الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية والعلاقات الدولية، الذين اجتمعوا في رحاب القوات المسلحة اللبنانية، سوف يختلفون حول معظم الأمور المتعلقة بمصر بوضعها الراهن، وبالفعل اختلفوا حتى العمق حول حقيقة أو طبيعة ما حدث في مصر في يناير 2011 . شعرت بأهمية هذا الخلاف حين وجدتهم يتوصّلون إلى استنتاجات ويتخيّلون مستقبلاً بناء على تصوراتهم حول حقيقة وطبيعة ما حدث في تلك الأيام الأخيرة من شهر يناير .
اختلفوا أيضاً حول المقصود بالمرحلة الانتقالية، راح البعض يخلط، بحسن نية في الغالب، بين المرحلة الانتقالية وخريطة الطريق . يسود الظن لدى بعض الناس بأن المرحلة الانتقالية هي الفترة الفاصلة بين نشوب الثورة وإجراءات الإعداد لوضع أسس جديدة لعهد جديد من ناحية وبين انتخاب رئيس للدولة ومجلس تشريعي . يدفع آخرون، وبعضه أدرى من غيرهم بالمراحل الانتقالية في دول أمريكا اللاتينية وغيرها، بأن المرحلة الانتقالية في مصر تبدأ في اللحظة التي يتولى فيها الحكم الجديد، بمجالسه التشريعية ورئيس جمهورية والمسؤولين في المجالس المحلية، مسؤولياتهم في الإدارة والحكم وفي مقدمة برامجهم وأهدافهم إصلاح أجهزة الشرطة والقضاء . الفارق كبير بين الظنين، فمصر حسب أحدهما تقترب من نهاية المرحلة الانتقالية التي هي خريطة الطريق، وبناء عليه تكون قصة الثورة

قد وصلت إلى نهايتها وإن لم تصل إلى منتهاها، فالثورة، حسب هذا الفهم، قامت لتستبدل حكاماً بحكام . أما مصر "الظن الثاني"، فلا يزال أمامها طريق طويل حتى تحقق أهداف الثورة، أي عند اكتمال الإصلاح ونهاية المرحلة الانتقالية . لعل هذا الخلط بين الظنين يفسر لنا حيرة المراقبين الأجانب وأغلبهم تشده إلى مصر قضايا ومسائل معقدة وبعضها ليس بالضرورة لا يخدم مصالح مصر، هؤلاء يتساءلون عن هدف القائمين على حكم مصر والمتصدرين من بعدهم لمسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية . هل يكون هدفهم الديمقراطية أو الاستقرار والأمن؟
هذه الاختلافات في المواقف والآراء حول مستقبل مصر القريب، تعكس رؤى متباينة وأغلبها يستحق منا، نحن أهل الداخل، التأمل، إن لم يكن الفحص الدقيق والدراسة المتأنية . أضرب أمثلة قليلة توضح ضرورة الاهتمام بهذه الرؤى .
قيل في الجلسات، ولكن بالأكثر على هامشها: إن "الرئيس الجديد" أو نظام الرئيس الجديد الذي سوف يستقر عليه الناخبون المصريون بعد أسابيع قليلة، سوف يواجه تحديات قاسية في عددها وأولوياتها وعمقها . تتصدر هذه التحديات مجموعة من الضغوط أولها وأهمها ما أطلقت عليه في إحدى الجلسات "ضغوط الربيع"، وكنت أقصد بها مجموعة الشعارات التي رفعها الثائرون وتبناها الشعب بدرجات متفاوتة في أوقات متفاوتة، وهي الديمقراطية وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية . كلها وغيرها شعارات تتحول عند تولي الرئيس الجديد وبرلمانه مقاليد السلطة إلى ضغوط يومية لا يمكن الاستهانة بها . الناس لن تقتنع بالزعم القائل: إن استكمال المؤسسات الدستورية يعني تحقق الديمقراطية، يعرفون أن اكتمال المؤسسات هو بداية المرحلة الانتقالية التي يجب أن تؤدي إلى الديمقراطية . يعرفون أيضاً أن هناك مؤسسات لم تدخل بعد ورش الإصلاح بدأت تمهّد لدكتاتورية دستورية، أي استبداد يستند إلى شبكة قوانين تلوي الدستور ومبادئه .
مع ذلك أتوقع أن يأتي الضغط الأعظم من جانب "الإنسان العادي"، هذا الإنسان الذي تغيرت سلوكاته تجاه
السلطة وتجاه قوى جديدة برزت أو نشطت خلال السنوات الأخيرة وتجاه غيره من المواطنين . لن يكون سهلاً الانقياد أو الإقناع . إنه المرأة أو الرجل وهو الفتاة والفتى الذي يعرف أكثر من أي وقت مضى كيف يميز المنافق من الصادق والتافه عن الخبير ويميز بين الوطني والمتاجر بالوطن وبين العاملين لمصر بهدوء والمزايدين في صخب .
ثم إنه لا يمكن أن نتجاهل حقيقة أن "يناير" أطلق عملية "فرز" هائلة في المجتمع المصري، فرز اجتماعي بين الطبقات وبخاصة بين الطبقات وهوامشها، وفرز ثقافي بين أنصار الأصالة المتعولمة والمعاصرة المتهادنة، وفرز سياسي وسلطوي بين ليبراليين متعسكرين بمبدأ الضرورة ونهضويين متنازلين عن بعض شروط التقدم والحرية والعدالة . هذه وغيرها من نتائج الفرز الذي تسبب في الربيع تحولت إلى ضغوط داخلية تتحدى نظاماً جديداً في طور التكوين . هذا النظام سوف يسعى مخيراً أم مجبراً إلى صياغة هوية منسوبة إلى "يناير" أو إلى القوى الاجتماعية المهيمنة التي انبثقت بعد "يناير" أو إلى تلك التي عادت تقوى حتى تأهلت لقلب صفحة يناير نهائياً .
بالمقارنة بالضغوط الداخلية التي تنتظر استلام النظام الجديد حكم البلاد، تبدو الضغوط الإقليمية والدولية يسيرة، وبقليل من الجهد يمكن التأقلم معها أو التغلب عليها . الآخرون حين يركزون في مناقشاتهم ورؤاهم على احتمالات التطور الداخلي في مصر، إنما ينطلق البعض منهم من مواقف مسبقة ترتبط أوثق الارتباط بمصالح إقليمية ودولية كبيرة . دارت حوارات مطولة، ثنائية ومتعددة الأطراف، حول ارتدادات "الربيع العربي" الإقليمية . خرجت من هذه الحوارات أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن بعض التحديات التي سيواجهها النظام الجديد في مصر هو من النتائج غير المباشرة للربيع . يكفي أن نذكر أن "يناير" أبرز بشكل غير مألوف حقيقة الوضع الإقليمي المتدهور الناتج عن غياب مصر عن الساحة الإقليمية، وها هو "الربيع" يدفع الآن بقوى دولية وإقليمية عديدة للضغط على النظام المقبل في مصر ليسرع خطاه ويحدد لمصر أدواراً، وليس دوراً واحداً، وأغلبها حسب ما سمعت، ستكون أدواراً مكلّفة . هذه الأدوار المطلوب من مصر أن تستعد لممارستها سوف تضع على السلطة الحاكمة ضغوطاً أستطيع تصور وزنها وأهميتها .
دارت وتدور خارج مصر مناقشات وحوارات على مستويات شتى حول دور مصر في السنوات القليلة المقبلة . الإجماع يكاد يكتمل بين عرب وغير عرب على ضرورة تشجيع مصر على العودة بسرعة لتمارس أدواراً معتادة، ولكن لتمارس أيضاً أدواراً لم تعتد ممارستها . أتصور أنه صار من واجب المتخصصين المصريين في العلاقات الدولية ليس فقط متابعة ما يدور في الخارج من حوارات وما يعد من دراسات عن مصر، ولكن أيضاً بالاستعداد برؤى مصرية خالصة للتعامل مع هذا النوع من الضغوط والتحديات الآتية من دون شك .
نقلا عن صحيفة الخليج