في حوار نشرته "باريس ريفيو" بالفرنسية العام 1992 ... 3-3

نجيب محفوظ: تجنبوا أن تقولوا للناس اكرهوا العالم

جولة عربية

الأربعاء, 27 نوفمبر 2013 15:40
نجيب محفوظ: تجنبوا أن تقولوا للناس اكرهوا العالم

ولد نجيب محفوظ في "بيت القاضي" بالجمالية عام ،1911 وتحلّ هذه الأيام الذكرى الثانية بعد المئة لميلاده، غفر الله له .

ومن هنا كان اهتمامنا بنشر هذا الحوار النادر الذي أجرته معه الصحفية الأمريكية شارلوت الشبراوي، لمجلة "باريس ريفيو" الأدبية الرفيعة . وهو يحكي فيه الكثير حول منشئه وبداياته وحياته في الوظيفة وعالم الأدب ومتاعبه مع الرقابة والنشر، مع بثّ آرائه الجمالية في بعض شخوص رواياته، خاصة النسوية، تلك التي تعيش حياة بائسة، ولم تقطف من حياتها غير الشوك .
أما مسألة الرموز التي يستعملها محفوظ في بعض شخصياته، فهو يؤكّد أنه لم يكن يقصد أن تكون هكذا بالضبط، فالروائيّ يكتب ضمن شروط مجتمعه، وضمن ثقافته الإنسانية، وضمن الحياة اليومية التي يعايشها ويتمنّى أن يقوم بتغييرها، بل والتمرّد عليها في كثير من الأحيان، والأدهى أنه كان على استعداد لدفع الثمن الذي يتطلّبه هذا الإبداع، بمستوى جرأته، ورغبته في بثّ ولو مجرّد محاولة لتغيير مثل هذا العالم، ودفعه نحو الأفضل .
وقد دفع ثمنه بالفعل، طوال حياته، بابتعاد النقّاد عنه فترة طويلة، بعدم نيل أية مكاسب تُذكَر من عالم الأدب، بل وإنفاقه عليه في أغلب الأحوال، عدا أنه بدأ تلقي الثواب بعد ترجمته فقط . لكنه تلقّى معه العقاب أيضاً، فقد حاول متعصّب دينيّ قتله، بذبحه بسكين من رقبته، لكن الله سلّم، فنال إعاقة بسيطة في يده اليمنى التي يكتب بها، وقد كان شيخاً لا حول له ولا قوة . قد يكون هذا عظة لكثير من المبدعين، ليخلصوا في عملهم، ويواكبوا التغيّرات في مجتمعاتهم، غير آبهين إلا بإنتاج ما يرضيهم من الإبداع، وما يرفع من شأن بلادهم ولو بعد حين .
وفي هذه الحلقة الأخيرة من حواره، نستمتع برأيه في الفارق بين الأدب في المجتمع العربيّ ومثيله في الغربيّ، كذلك يفكّر معنا في طبيعة بعض الشخوص التي قدّمها في رواياته، وهل كانت جزءاً منه أم تمثّله شخصياً كجزء من سيرته هو . ثم يتكلّم عن الثواب والعقاب والتقاليد والخروج عن التقاليد أيضاً في الأسرة المصرية النمطية، فهل يمكن التغاضي عن الخروج على هذه التقاليد، أم فرض العقاب الصارم ضرورة لمنع تكرارها، وما دور المرأة قديماً وحديثاً في حياة الأسرة المصرية، ولماذا كان يختار بطلاته من الطبقات الدنيا بالمجتمع .
وفي المقاطع الأخيرة يتكلّم عن نفسه، كيف أحبّ الأدب طوال عمره، واختار أن يكتب، مع أنه لم يكن يكسب إلا من وظيفته، وهي حياة مقتّرة، كانت تمشي معه كيفما اتّفق، أيّ يوماً بيوم، مؤكّداً أنه يشكر أسرته التي تحمّلت معه كلّ هذه المشاق . ويقول في النهاية: أنا إنسان يحبّ الأدب، مخلص لعملي، أحبّ الأدب أكثر من المال ومن الشهرة . وهو مثال على التفاني في الكتابة، وجد له مقابلاً في جائزة نوبل أواخر عمره، ،1988 لكنه ظلّ الكاتب الذي ينسجم مع نفسه، ولا يخون ما يكتب، والأهمّ، لا يخون مجتمعه، أبداً .
هناك لصوص وكلاب دائماً
لم تكن القصة القصيرة، ولا حتى الرواية، جزءاً من التراث الأدبيّ العربيّ . كيف تفسّر توفيقك في هذه الأنماط؟
- محفوظ: نحن الكتّاب العرب استعرنا المفهوم الحديث للقصة القصيرة والرواية من الغرب، لكنهم الآن يستفيدون من استبطان أدبنا الخاصّ . وقد استفدنا كثيراً مما ظهر في طريقنا من ترجمات عديدة، طوال فترتَي الأربعينات والخمسينات؛ ثم إننا، كي أوضّح، قد اتّخذنا أسلوبهم ليصبح ببساطة هو الطريقة التي تُكتب بها القصص . كما استخدمنا الأسلوب الغربيّ للتعبير عن أفكارنا وقصصنا . لكن لا تنس أن تراثنا يشمل أعمالاً كبيرة من قبيل "أيام العرب"، وهي تضمّ قصصا كثيرة من بينها "عنترة" و"قيس وليلى" وبالطبع "ألف ليلة وليلة" .
هل يمكن أن تحدّد لنا أياً من شخوصك؟
- محفوظ: "كمال"، من "الثلاثية"، فهو يمثّل جيلي أنا أفكارنا، خياراتنا، معضلاتنا، وأزماتنا النفسية ومن هذا المنطلق، فشخصيته سيرة ذاتية . لكنه شخص عالميّ في الوقت نفسه . كما أني أحسّ بالقرب من شخصية "عبد الجوّاد"، الأب . . فهو منفتح على الحياة من جميع مناحيها، يحبّ أصحابه ولم يؤذ أحداً منهم أبداً . يمثّل الاثنان نصفَي شخصيتي . "عبد الجوّاد" اجتماعيّ، يحبّ الفنّ والموسيقى؛ و"كمال" مكبوت وخجول، جادّ ومثاليّ .
دعْنا نتكلّم عن مثال محدّد من كتاباتك: "اللص والكلاب" . كيف بدأتها؟
- محفوظ: استلهمتُ القصة من لصّ أرعب القاهرة فترةً . كان اسمه "محمود سليمان" . حينما خرج من السجن حاول أن يقتل زوجته ومحاميه . مع ذلك، تمكّنا من الفرار منه، دون أن يصيبهما أذىً، لكنه قُتل أثناء هذه العملية .
هل خدعته زوجته، كما صار في الرواية؟
- محفوظ: لا . . أنا خلقتُ القصة من واقع شخصيته . في ذلك الوقت، كنتُ أعاني إحساساً ملحّاً وغريباً أن الأمن سيلاحقني، ضمن قناعتي الراسخة بأنه تحت هيمنة النظام السياسيّ، وقتها، فإن حياتنا كانت بلا معنىً . ولذلك فإنني، حين كتبتُ قصة المجرم، كتبتُ معها قصتي الخاصّة . أصبحت حكاية الجريمة البسيطة نوعاً من التأمّل الفلسفيّ عن الزمان! وقد أخضعتُ الشخصية الرئيسية فيها، "سيد مهران"، لكلّ حيرتي وتردّدي . جعلته من خلال التجربة يبحث عن إجابات لدى "الشيخ"، ولدى "الساقطة"، ولدى المثاليّ الذي خان أفكاره طلباً للمال والشهرة . فالكاتب، كما ترين، ليس صحفياً ببساطة . فهو ينسج القصة من شكوكه وأسئلته وقيمه هو . وهذا هو الفنّ .
ما رأيك في دور الدين بالقصة؟ هل الإيمان بالله هو الطريق إلى السعادة القصوى، كما يدلّ "الشيخ"؟ هل الصوفية هي الإجابة التي كان يبحث عنها المجرم؟
- محفوظ: "الشيخ" يرفض الحياة كما نعرفها نحن . أما المجرم، فمن جانب آخر، يسعى إلى حلّ مشكلاته الآنية . هناك عالمان مختلفان . وأنا أحبّ الصوفية كما أحبّ الشِعر الجميل، لكن هذه ليست الإجابة . فالصوفية مثل الطيف في الصحراء . تقول لكِ: تعالي واجلسي، ارتاحي وخذي قسطاً من المتعة لنفسك إلى حين . إني أرفض أيّ طريق يرفض الحياة، لكن ليس أمامي إلا أن أحبّ الصوفية، لأنها تبدو في منتهى الجمال . . . تمنحنا الراحة وسط المعركة .
نساء الطبقات الدنيا
كثير من أصحابي المصريين يستشيرون شيوخ الصوفية بانتظام، بحثاً عن حلول . . .
- محفوظ: أتمنّى لهم التوفيق . لكن الحلّ الوحيد لمشكلاتهم يكمن في البنك الأهلي .
وماذا عن "نور"، المرأة التي في القصة؟ وامرأة أخرى مثل "نفيسة" في "بداية ونهاية"، و"زُهرة" في "ميرامار"؟ فهذه الشخصيات، مع أنها "ساقطة"، فإن طيبتها واضحة، ويبدو أنها قد تجسّد الأمل الوحيد في المستقبل .
- محفوظ: هذا صحيح، مع ذلك كنتُ أقصد أيضاً من وراء "نفيسة" أن تشرح عواقب السلوك الشائن في العائلة المصرية النمطية .
هل تتغاضى عن مثل هذا النوع من العقاب؟
- محفوظ: إني، ومعظم المصريين، نحسّ أن العقاب على ذلك المستوى في منتهى القسوة . لكن من الجانب الآخر، فالرجل المصريّ الذي لا يتوافق مع الطريقة التي تصرّف بها أخو "نفيسة" لا يستطيع الاستمرار في الحياة بهذا المجتمع . وسواءً أراد أو لم يرد، فهو ملتزم بقتل الفتاة المخطئة . لا يستطيع الهرب من هذا . وقد يمرّ وقت طويل قبل أن تتغير هذه العادة، مع أن قوتها قد تحلّلت إلى حدّ ما في الفترة الأخيرة، خاصّة في المدن .
يجسّد "عبد الجوّاد" في "الثلاثية" الرجل المصريّ النمطيّ في ذلك الحين . ألا يزال هذا النمط شائعاً إلى اليوم؟
- محفوظ: نعم . خاصّةً في الصعيد، وضواحي المدن . .

. مع أن "عبد الجوّاد" قد يكون اليوم أقلّ تطرّفاً . ألا يوجد ظلّ منه في كلّ رجل؟
كلّ رجل مصريّ، أم كلّ رجل؟
- محفوظ: ليس لي أن أتكلّم عن بلدان أخرى، لكنه صحيح بالتأكيد عن الرجال المصريين .
مع ذلك، يبدو أن الأمور تتغير، ألا تقول بذلك؟
- محفوظ: لقد بدأت الأمور تتغيّر . وأصبح وضع المرأة داخل المنزل أقوى كثيراً، بفضل التعليم أساساً، على الرغم من وجود عوامل أخرى .
من برأيك يجب أن تكون له اليد العليا في المنزل؟ من عليه اتّخاذ القرار؟
- محفوظ: الزواج شركة بطرفين متساويين . لا أحد يحكم فيه بمفرده . ولو حدث خلاف، فالأكثر حنكة من الاثنين هو الذي عليه أن يهيمن . لكن كلّ عائلة مختلفة عن الأخرى . وتعتمد القوة غالباً على المال، فمن يملك مالاً أكثر فهو الأقوى . لا توجد قواعد ثابتة .
في مجتمع محافظ جداً، تقليديّ جداً، مثل مصر، ألا تملك النساء سلطة أكبر على الرجال؟
- محفوظ: طبعاً، والتاريخ الحديث يثبت هذا . فالرجال الذين يملكون قوة كبيرة، سياسية كانت أو عسكرية، يسقطون بين يدَي نساء قويات يقمن بالتأثير في قراراتهم . وتحكم هذه النساء من خلف الستار، من وراء الحجاب .
لماذا نرى معظم بطلاتك النساء من الطبقات الدنيا من المجتمع؟ هل تقصد أن ترمز بهنّ إلى شيء أوسع؟ مصر، مثلاً؟
- محفوظ: لا . بالكتابة عن نساء الطبقة الدنيا، أقصد ببساطة أن أوضّح أنه، خلال تلك الفترة التي وضعتُ فيها تلك الروايات، لم تكن للنساء أي حقوق . إن لم تجد المرأة الزوج المناسب أو الطلاق من زوج سيئ، فلا يعود أمامها ثمة أمل . وكانت مصادرها الوحيدة، أحياناً، لسوء الحظّ، من السلوك غير المشروع . وإلى وقت قريب، حُرمَت النساء كثيراً من بعض حقوقهن الشحيحة . . . بل حتى الحقوق الأساسية، مثل حرية الاختيار في الزواج والطلاق والتعليم . أما الآن، فهذه النساء يتعلمن، وهذا الموقف يتغيّر، لأن النساء المتعلّمات صرن يملكن سلاحاً . وقد يرى بعض النقّاد مصر في رمز "حميدة" في "زقاق المدقّ"، لكني لم أقصد بتاتاً أيّ شيء من هذا النوع .
الرموز من اللاوعي
ما رأيك في هؤلاء النقّاد الذين يقومون بتأويل أعمالك على هيئة رموز؟
- محفوظ: حين سمعتُ في البداية أن "حميدة" ترمز إلى مصر، انتابتني الدهشة، وحتى صُدمتُ قليلاً . فارتبتُ في أن النقّاد قد قرّروا ببساطة تحويل كلّ شيء وكلّ واحد إلى رمز . لكني، من ثم، بدأتُ أرى متشابهات بين جوانب من سلوك "حميدة" وجوانب من الموقف السياسيّ . وحين انتهيتُ من قراءة المقال، أدركتُ أن الناقد على حقّ فبينما كنتُ أكتب عن "حميدة"، رحتُ أكتب أيضاً بجدّية فعلاً عن مصر . أظنّ مثل هذه المتوازيات الرمزية تخرج دائماً من اللاوعي . وبرغم أني ربما لم أنتوِ التبليغ بالقصة، في أن يكون لها معنىً معينٌ قد يراه القارئ فيها، إلا أن ذلك المعنى تضمّن مع ذلك جزءاً منطقياً من القصة .
ما الموضوع الأقرب إلى نفسك؟ الموضوع الذي تحب الكتابة عنه أكثر؟
- محفوظ: التحرّر . التحرّر من الاستعمار، التحرّر من حكم أيّ ملك مستبدّ، وتحرّر الإنسان الأساسيّ في سياق المجتمع والعائلة . وتتوالى هذه الأنماط من التحرّر من أحدها إلى الآخر . في "الثلاثية"، مثلاً، بعدما تسببت الثورة في عملية التحرّر السياسيّ، نرى عائلة "عبد الجوّاد" قد طالبت بالمزيد من التحرّر منه .
ما أصعب موقفٍ حدثَ وواجهته في حياتك؟
محفوظ: كان أهمها بالتأكيد هو قراري أن أكرّس نفسي للكتابة، وبالتالي قبول الحدّ الأدنى من المعيشة، لنفسي وعائلتي . كان موقفاً صعباً، خاصّة أن البحث عن الفلوس كان يتدلّى أمامي . . وقد مُنحت الفرصة حوالي عام ،1947 أن أعمل كاتب سيناريو مع واحد من أفضل كتّابه في هذا المجال . فبدأتُ العمل مع المخرج السينمائي "صلاح أبو سيف"، لكني تخلّيتُ عنه . رفضتُ أن أستمرّ . لم أعمل معه مرة ثانيةً إلا بعد الحرب، حين أصبح كلّ شيء مكلّفاً . قبلها، لم أفكّر في هذا . وقد تقبّلت عائلتي دائماً مثل هذه التضحيات .
يُعرف عن كثير من الكتّاب المميزين، خاصّةً في الغرب، ظواهر التفسّخ في حياتهم الخاصّة إفراطهم بالشراب، واستعمال المخدّرات، والعادات الجنسية غير العادية، والميل إلى الانتحار . . . لكنك مثاليّ على ما يبدو!
- محفوظ: إلى حدّ بعيد .
قد يكون هذا أكبر عيوبك؟
محفوظ: هو مأخذ بالتأكيد . لكنك تحكمين عليّ الآن في وقت شيخوختي . لكني، في أيام شبابي، فعلتُ هذه الأشياء كلّها شربتُ، رافقتُ الجنس اللطيف، وغيره .
هل تتفاءل بشأن مستقبل الشرق الأوسط، خاصّة في ظلّ حرب الخليج والعنف المتنامي؟
- محفوظ: من غير اللائق في سنّي أن أكون متشائماً . وأنت شابة، يمكنكِ أن تعلني أنه لا أمل أمام البشرية، لكن حين تكبرين، تتعلّمين أن تتجنّبي تشجيع الناس على كراهية العالم .
لكن ماذا عن مفهوم البطل؟ لا يبدو أن هناك أبطالاً بقصصك، ولا في الحقيقة بقصص أيّ كاتب مصريّ معاصر .
- محفوظ: هذا صحيح، لا يوجد أيّ أبطال في معظم قصصي شخصيات فحسب . لماذا؟ لأني أنظر إلى مجتمعنا بعين فاحصة، فلا أجد شيئاً خارقاً فيمن أراهم . أما الجيل الذي قبلي، والذي تأثّر بثورة ،1919 فقد رأى سلوكاً بطولياً كان العامل قادراً على التغلّب على مصاعب غير طبيعية، أيّ ذلك النمط من الأبطال . وكان الكتّاب الآخرون؛ مثل: "توفيق الحكيم"، "محمد حسين هيكل"، "إبراهيم عبد القادر المازني" يكتبون عن أنماط بطولية . لكن بوجه عام، جيلنا غير مبالٍ والبطل فيه شيء نادر؛ لا يمكن وضع بطل في الرواية الآن إن لم يكن عملاً خيالياً .
لستُ بطلاً

كيف تصف بطلاً؟
- محفوظ: هناك أبطال كثيرون في الأدب العربيّ القديم، كلّهم فرسان ونبلاء . لكن البطل اليوم بالنسبة إليّ هو مَن يلتزم بمجموعة من المبادئ والمواقف، ويناصرها بوجه من المقاومة . يحارب الفساد، وليس له أن يكون انتهازياً، بل لديه قاعدة أخلاقية متينة .
هل تعد نفسك بطلاً؟
- محفوظ: أنا؟
ألستَ نموذجاً، لأولادك وجمهورك، لأحد يناصر مبادئه في وجه المحن؟
- محفوظ: نعم، بالتأكيد . لكني لم أفكّر في نفسي يوماً على أني بطلٌ .
كيف، إذن، تصف نفسك؟
- محفوظ: شخص يحبّ الأدب . شخص يؤمن بعمله ومخلص لعمله . شخص يحبّ عمله أكثر من الفلوس أو الشهرة . طبعاً، لو جاءت الفلوس والشهرة، فمرحباً بها! لكنها لم تكن أبداً من أهدافي . لماذا؟ لأني أحبّ الكتابة أكثر من أيّ شيء عداها . قد يكون أمراً مرضياً، لكني أحسّ أنه من دون الأدب، ستكون حياتي بلا معنى . قد يكون عندي أصحاب طيبون، سفر، ترف، لكن من دون الأدب، ستكون حياتي بائسة . هو شيء غريب، لكنه ليس مراءاة لأحد، فمعظم الكتّاب يحسّون بالطريقة نفسها . ليس هذا معناه أن نقول: إني لم أفعل غير الكتابة في حياتي . فقد تزوّجتُ، وعندي أولاد . ثم، منذ ،1935 أصابتني حساسية في عينَيّ، تمنعني من القراءة أو الكتابة طوال الصيف، وقد فرض هذا نوعاً من التوازن في حياتي توازن قد وهبني الله إياه! ففي كلّ عام عليّ أن أعيش ثلاثة أشهر كإنسان، لا ككاتب . تلك الأشهر الثلاثة، أقابل فيها أصحابي وأسهر معهم حتى الصباح .
. .ثم يختم محفوظ بكلمة أخيرة، ذات دلالة كبيرة على تسامحه مع نفسه:
"هل بعد هذا كلّه، يُقال إني لم أعش؟"
نقلا عن صحيفة الخليج