جميل مطر يكتب : عودة بريطانيا إلى شرق السويس

جولة عربية

الخميس, 23 مايو 2013 11:55
جميل مطر يكتب : عودة بريطانيا إلى شرق السويس

ريح عاتية تلك التي تحاول القذف بفرنسا نحو جنوب أوروبا لتصطف مع  إسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان كواحدة في مجموعة الأزمات الاقتصادية الحادة .

قد لا تكون الأرقام هي الحقائق الأصدق في التعبير عن تدهور حال أمة من الأمم، ولكنها في حالة فرنسا صارت تعبر بصدق أكثر من أي مؤشر آخر عن سرعة انحدار الاقتصاد الفرنسي، وعن مدى انعكاس هذا التدهور على حقيقتين جديدتين، أولهما شعبية الرئيس هولاند التي تدنت إلى ما يزيد على 24%، ونسبة بطالة هي الأعلى منذ سنوات عدة، وعجز في الموازنة لم ينخفض بعد مرور عام من حكم الاشتراكيين، ووصول العجز في الميزان التجاري إلى ما قيمته 60 مليار يورو، ورأي عام بنسبة 70% من الفرنسيين يتوقعون نشوب ثورة اجتماعية، الأمر الذي ركزت عليه تقارير تشير إلى أن الشعب الفرنسي صار أكثر شعوب أوروبا تشاؤماً .

الحقيقة الثانية هي انحدار مكانة فرنسا في أوروبا في وقت تقف فيه القارة على حافة مرحلة انتقال دقيقة . إذ إنه في الوقت الذي تسعى ألمانيا قدر إمكانها إلى المحافظة على استقرار منطقة اليورو، بما قدمته وتقدمه من حلول ومساعدات وضغوط، يرتفع صوت حكومة اللورد كاميرون في بريطانيا لتؤكد نيتها في ضرورة إعادة النظر في علاقات بريطانيا بالقارة الأوروبية، وتطرح شروطاً للاستجابة لرغبة ألمانيا استمرار بريطانيا عضواً فاعلاً في أوروبا .

هنا يتضح أن الأطراف الأوروبية لم تناقش بروية أو عمق بعض أهم التغييرات السياسية التي تخضع حالياً للدراسة والبحث في مراكز صنع القرار الأمريكي والبريطاني على حد سواء . قد لا يسمح المجال أو موضوع هذا

المقال بالاستطراد في عرض أهم الأفكار التي تتداول في هدوء في العاصمتين الأمريكية والبريطانية، ومعظمها يتعلق بدور بريطانيا في المرحلة الجديدة التي أطلقتها إدارة الرئيس أوباما للتحول إلى مركزية جديدة في الاستراتيجية الأمريكية بؤرتها شرق آسيا .

يصعب على المتابع المدقق تجاهل وجود رابطة ما بين “التوجه الكاميروني” نسبة إلى اللورد كاميرون، نحو الانسحاب المتدرج من أوروبا وبين التوجه الأمريكي نحو التركيز على آسيا والباسيفيكي . الدلائل تشير إلى روابط عدة، وأهمها في نظر كاتب هذه السطور، الإشارات المتلاحقة عن حاجة الغرب، وبريطانيا خاصة، إلى العودة إلى لعب دور نشط شرق السويس، أي في غرب آسيا ومنطقة الخليج . بمعنى آخر، العودة إلى ما كان عليه الحال قبل الانسحاب الإمبراطوري في الستينات من الشرق إلى الأطلسي .

لا أستطيع أن أتصور فرنسا وقد عادت لاعباً أساسياً في اللعبة الكبرى الجديدة، لعبة آسيا . بمعنى آخر لا أتخيل لها دوراً رئيساً خارج أوروبا وشمال إفريقيا ووسطها . وفى الجهتين تواجه فرنسا عقبات شتى، وعويصة أيضاً .

ففي أوروبا يتعين على فرنسا، إن أرادت العودة إلى دور “القائد المشارك” في الاتحاد الأوروبي، أن تصلح من اقتصادها، وإلا فإن مصيرها خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيقع رهينة بديلين، أحدهما صعب التحقيق وهو أن يرتقى أداؤها لتستحق مشاركة ألمانيا القيادة في ظروف أوروبية بالغة التعقيد والصعوبة، وثانيها، وهو المتمثل،

أن تتواضع فتقبل بقيادة النصف المأزوم بشدة في القارة، أي المجموعة التي تضم إسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان . وهي الدول التي تفضل تقشفاً أقل ومرونة أكثر في التعامل مع الأزمة الاقتصادية، وتتمنى أن تقودها فرنسا وتشكل معها جبهة قوية للتفاوض مع السيدة ميركل .

لم ينفذ الرئيس هولاند وعوده التي قدمها للناخبين الفرنسيين، وكنا خلال الأيام الماضية نتوقع منه أن يتخذ إجراءات يهدئ بها من قلق الرأي العام الفرنسي، ويحاول بها ترطيب الأجواء الأوروبية، وبالفعل، وللإيحاء بنيته الانتقال إلى موقف هجومي في سياسته الأوروبية خرج هولاند بمبادرة تدعو إلى تشكيل “حكومة اقتصادية” أوروبية تجتمع مرة كل شهر لتدير المعركة ضد الأزمة الاقتصادية، وتقيم دعائم اندماج قوي بين دول الاتحاد الأوروبي . تدعو أيضاً إلى قيام “حكومة سياسية” بعد عامين تمهد لإقامة الفيدرالية الأوروبية، وتحقق حلم الوحدة السياسة الأوروبية . مرة أخرى يخطئ هولاند ويعرض نفسه لسخرية مسؤولين ألمان يعتقدون أنه مازال يتصرف كرئيس حزب اشتراكي وليس كرئيس دولة . ينسى هولاند أو يتناسى أن هناك أزمة شديدة في الثقة بين الشعوب الأوروبية وقياداتها السياسية، وأن بعض القضايا العاجلة تتعلق بمشكلات داخلية، أي قومية وليست قارية أو دولية، وبالتالي فإن أي حكومة اقتصادية أوروبية لن تقوى على حل القضايا العاجلة . ينسى أيضاً أو لعله يتناسى أن بريطانيا لا يمكن أن تقبل مناقشة مبادرة تدعو إلى وحدة سياسة أوروبية في وقت مطروح على الشعب البريطاني استفتاء على اقتراح خروج بريطانيا من أوروبا . الكل في أوروبا يلقي باللوم على طرف أوروبي أو آخر، ويتجاهلون التعقيدات التي تسبب فيها قرار أمريكا، والآن بريطانيا، نقل مركزية الاستراتيجية الغربية إلى شرق آسيا .

تعجبت لحال الرئيس الفرنسي ومعاونيه الذين راحوا يلقون اللوم على أوروبا باعتبارها المسؤول الأول عن أزمة فرنسا الاجتماعية ومشكلاتها الاقتصادية، تماماً كما كنت أتعجب، ومازالت، لحال بعض القادة السياسيين في الدول العربية الذين دأبوا على تحميل “العرب” مسؤولية كوارثهم الداخلية، هؤلاء لا يخجلون .
نقلا عن صحيفة الخليج